كان جمال فتى عفيا، قادما بأنفة من فكيك العظيمة إلى عين السبع الأعظم.
كان جمال ضحكة تسري بعدواها إلى الجميع. تعرفه فجأة، فتؤمن أنك كنت تعرفه منذ القديم، وتسلمه قياد روحك وعقلك، وتحكي له كل أسرارك، وتجالسه في لحظات الصفاء، فيحكي لك الكتب والأغاني القديمة، ويسرد عليك أساطير اليسار المؤسسة، وتلمع في جزء خفي من عينه أحاسيس نوستالجيا القوم الحالمين الذين خبروا منذ لحظة الحلم الأولى أن المآل هو الخيبة، والذين تأكدوا منذ البدء أنهم فاشلون في المسعى الحالم، لكن الذين أصروا على البقاء أسرى هذا الحلم حتى نهاية النهاية.
التقيت جمال ذات صيف من سنة 2001 على قارعة طريق.
كنا، معا، ننتظر الحافلة التي كانت تحمل الناس من “بوليو” في عين السبع إلى داخل الدار البيضاء.
كنت قادما للتو من مكناس، مستقرا عند الراحل صلاح الدين الغماري في منزله بعين السبع، ولم أكن أعرف عن جغرافيا التوجه ذلك الصباح إلا أنني يجب أن أمتطي تلك الحافلة، وبعدها علي أن أتعرف على موقع الجريدة في “بياضة”، أو “لاجيروند”.
لم أسأل من المنتظرين معي للحافلة إلا جمال. لماذا؟ لا أدري، لكن لاصدفة في الحياة. أكيد، كان هناك سر ما.
أجاب عن سؤالي “فين فبياضة؟”، أجبت “جورنال د الأحداث”، ضحك، وقال لي “صافي نمشيو بجوج، أنا خدام تماك”.
ذهبنا “بجوج”، منذ ذلك اليوم إلى كثير الأمكنة وكل الأزمنة. التقينا فعلا وكأننا نعرف أنفسنا منذ صغر الصغر، وشرعنا في تشكيل العالم على هوانا: “فيكيكي ولد عين السبع معكس” يلتقي “فيلاليا ولد مكناس معكس”؟ هل هناك وصفة صداقة أفضل من هذه؟
عبرت مع جمال كل تحولات حياته بعدها.
رغبته في الهروب كبرت، ومقاومته لخيبة الوقت ضعفت، وأصبح هوسه الأكبر مع تقدم الأيام، الاختلاء بنفسه وصب الأقداح لها، والاستسلام لعوالمه الخاصة يشيدها على هواه، لأن العالم المحيط به خاصم وعادى هواه…
بقيت على حرصي الشديد ألا يضيع الفتى. يجب أن نقول هنا إن جمال هو أفضل من كتب الروبرتاج المجتمعي في صحافة المغرب كله. تماما مثلما وجب التذكير أن أخاه الصغير، حميد، هو أفضل من لسع بسخريته مواضيع المغرب كلها.
ووجب التذكير هنا أيضا أن أسطورة “من القلب إلى القلب” في جريدة “الأحداث المغربية” لم تكن لتصبح أسطورة ولتنجح لولا جمال.
منحها وقته وعقله وقلبه، ووجد في قصص المعذبين المشتكين من قهر الحياة، عزاءا شخصيا له هو عن كثير الانتكاسات، فتبنى التجربة، ومنحها صدقه كله، فأحسها القراء، وتجاوبوا معها تجاوبا لم تسجله الصحافة في المغرب، لا قبل “من القلب”، ولا بعده.
هل أخذ جمال الجزاء الذي يستحق؟
هذا السؤال مزعج، لكنه ضروري. ولأن كاتب هذه الأسطر كان صديقا لجمال قبل أن يكون زميله أرد وأقول “لا”.
جمال ظلم ظلما كبيرا من طرف من كان يعتبرهم آباء له وأخوة كبارا. ومنذ ذلك الظلم، وجمال يعاني، ويهرب من المعاناة بمزيد من الهروب، إلى أن كان ماكان.
تحولت حياة جمال في السنوات الأخيرة من جلسات المتعة الرائعة التي تبدأ باكرا ولا تنتهي أبدا، إلى لحظات تأمل حزينة في المسارات كلها.
أين أخفقنا؟ أين فشلنا؟ متى أفلت منا الخيط ورأسه؟ متى أضعنا كفاءات مثل هذه كانت “نوارة” حقيقية في مجال اشتغالها، وأطفأنا فيها كل الأضواء، وجعلناها كائنات تائهة وهشة تبحث في كل مكان عن كتف رحيمة تضع عليها الرأس طلبا لهدنة مؤقتة مع الوقت اللعين؟
لا أدري…حقيقة لا أدري.
كل ما أعرفه هو أنني تلقيت خبر مرض جمال الأخير، ونحن في أمريكا، وأن أول شيء قمت به بعد العودة من المونديال هو الذهاب إلى مرس السلطان، العيادة، لرؤيته.
وجدته عاجزا عن الكلام يكتفي بالأنين، لكنه شد على يدي بحرارة، ورفض إطلاقها، وأنا أردد على مسامعه كلاما غبيا عن المقاومة و “الكوراج ” و “نوض آصاحبي، باقيين محتاجين ليك”.
رفض إطلاق يدي، لعله كان يستنجد، مرة أخرى وأخيرة، طالبا مني/منا جميعا، أن نقف معه حقا، لا بالكلام حقا، وأن نعيده إلينا مجددا، حيا، عفيا، فيكيكيا قويا يشرب الحياة كلها ولا يرتوي.
قلت له “سنعود”، ظل ينظر إلينا بألم ونحن نبتعد.
يوم الإثنين الماضي، قرابة الثامنة والنصف صباحا، رن هاتفي، وقال لي بكل فداحة مخاطبي “جمال مات”.
تذكرت الرحلة كلها، منذ حافلة عين السبع ذلك الصباح البعيد، وحتى لحظة إطلاق اليد في مرس السلطان منذ أيام.
قلت “الله يرحمك صاحبي”، وانزويت.
مختار يكتب عن جمال: “من القلب إلى القلب “!
بواسطة
الأربعاء 29 يوليو, 2026 - 08:29
آخر الأخبار
ايقونة ال''كانتري'' دوللي بارتون تغادر هذا العالم
رحلت دوللي بارتون، أيقونة موسيقى الريف أو الكونتري، التي تميزت بصوتها الرخيم وأغانيها المؤثرة وأزيائها البراقة التي رسخت مكانتها من كوخ خشبي في جبال تينيسي إلى قمة النجومية والشهرة. كانت تبلغ من العمر ثمانين عامًا. وأفاد وكيل أعمالها في بيان أن بارتون توفيت بسلام يوم الثلاثاء في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي الأميركية. اشتهرت بارتون بقوامها […]
أسرة الأحداث المغربية وأحداث. أنفو تعزي مدير أسبوعية "ماروك إيبدو" الأستاذ السلهامي في وفاة شقيقه
ببالغ الحزن والأسى، تلقى الوسط الصحفي المغربي نبأ وفاة شقيق الأستاذ السلهامي، مدير أسبوعية «ماروك إيبدو» وقيدوم جمعية الناشرين. وبهذه المناسبة الأليمة، تتقدم أسرة الأحداث المغربية وأحداث. أنفو بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى الأستاذ السلهامي وإلى أفراد أسرته وكافة ذوي الفقيد، سائلين الله تعالى أن يتغمد الراحل بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته […]
محمد الهيني لـ"أحداث. أنفو": قانون المحاماة أصبح ملزما ونضالات المحامين تاريخية
أكد محمد الهيني، محام بهيئة الرباط وقاض سابق وخبير في مجال العدالة وحقوق الإنسان، أن قانون المحاماة بعد دخوله حيز التنفيذ، و إصدار الأمر بتنفيذه من طرف جلالة الملك ونشره بالجريدة الرسمية وفق الفصل 50 من الدستور يعطي للقانون صفته القانونية ويكسبه الصفة الرسمية أي صفة النفاذ والتطبيق ودخوله حيز التنفيذ. وقال أن مطالب المحامين […]
