بين نداء الملك ووصاية الكابرانات… هل يقلب إبراهيم غالي الطاولة على من صنعوه ؟

بواسطة الجمعة 13 فبراير, 2026 - 17:10

في خطاب سياسي قل نظيره من حيث الذكاء المبطّن، خرج إبراهيم غالي في أكثر من مناسبة، عن صمته المختبئ تحت عباءة الصمت الاستراتيجي ليطلق عبارته المدوية عن تقاسم فاتورة السلام مع المملكة المغربية، ولأن السياسة لعبة الرموز، فقد كان اختيار الكلمات هنا يحمل من الإشارات ما يفضح زيف الرواية الرسمية للجزائر، فماذا لو أن من زرعتموه بالأمس بات اليوم من يقلع جذوركم من الصحراء المغربية؟

لطالما تعامل النظام الجزائري مع ابراهيم غالي وجماعته باعتبارهم بيادق على رقعة شطرنج إقليمية، يحركونهم يمينا وشمالا مقابل إبقائهم في دائرة العوز السياسي والمعيشي، لكن المؤشر الأول الذي أربك حسابات قصر المرادية هو ذلك التحول الدلالي في خطاب غالي، فعندما يتحدث رئيس ما يسمى البوليساريو عن فاتورة السلام، فإنه لا يعني الحدود الترابية، بل فاتورة تاريخية عنوانها الأبرز لقد دفعتُ ثمن استقراركم بدماء شعبي، وحان وقت التقسيط العكسي، غالي الذي أنصت طيلة عقود للأوامر الجزائرية، بدأ اليوم يُسمع الجزائر كلمات غير مألوفة، إنه لا يطالب الرباط بشيء، بل يخاطب الجزائر بلغة من يعرف أن مفاتيح لعبة الشرعية الدولية لم تعد حكرا على داعميه التقليديين، أما المؤشر الثاني الذي لا يمكن تجاهله هو ذلك الارتباك البادي في أداء الأجهزة الأمنية الجزائرية، المصادر المطلعة تشير إلى أن المخابرات الداخلية والخارجية التقطت إشارات غالي عبر معاونيه وممثليه في المحافل الدولية، لكنها اصطدمت بسؤال وجودي، كيف نواجه من صنعناه رئيسا؟ وهنا تكمن مأساة النظام الجزائري في علاقته بـالكيان المصنوع، لقد منحوا غالي شرعية افريقية على سطح القارة وليس بعمقها، لكنهم اليوم يكتشفون أن هذا السطح لا يسمح لهم بصفعه دون أن يراهم العالم وهم يصفعون أنفسهم، إنها معضلة الابن الضال الذي تعاظم حتى صار يعض يد من أطعمه، أما المؤشر الثالث فيتمثل في التحول المفاجئ للغة الجزائر من الرعاية الأبوية إلى التكشير الخفي عن الأنياب (خرجة وزير الجزائري الأخيرة)، فبعد عقود من إنفاق المليارات على تسليح وتدريب الميليشيا، ها هي الجزائر تكتشف أن غالي بات يتحدث بلغة تميل ضمنيا الى ما قد يوصف بالعصيان الدبلوماسي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل تستطيع الجزائر حقا معاقبة ابراهيم غالي ومن معه في حال انحرافهم عن مسار التبعية والخضوع الأعمى لسياستها العدائية تجاه المملكة المغربية؟ الواقع الدبلوماسي يقول إن الاعتراف الجزائري بكيانه جعل منه شخصية دولية، وكلما زادت الجزائر في تكشيرها، ازداد غالي تمسكا بدور رجل السلام الذي لم يعد يخاف تهديدات الأمس، وفي خضم هذا الصراع البيزنطي على النفوذ، يبقى الشعب الجزائري الشقيق وحده من يدفع الفاتورة، فالمليارات التي أُنفقت على تأجيج نزاع الصحراء المغربية كان يمكن أن تُحوّل إلى مدارس ومستشفيا، لكن مشيئة سلطة الكابرانات اختارت أن ترهن مستقبل أبناء الجزائر لصالح مشروع سياسي انكشف اليوم أنه لا يملك حتى ولاء من أنشأه.

إن ما نشهده اليوم، ليس مجرد برود في العلاقات بين غالي والجزائر، بل زلزال سياسي يهدد أسس عقد عمره خمسون عاما، إبراهيم غالي الذي بدأ يلطف لغة السلام مع المملكة المغرب، إنما يمارس أقسى أنواع العنف الرمزي ضد من صنعوه، وهو بذلك يثبت مقولة شهيرة في علم السياسة، لا شيء أخطر على النظام من عميل أدرك أنه لم يعد بحاجة إلى وكيله، فهل ينقلب غالي حقا؟ أم أن النظام الجزائري سيجد وسيلة ما لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟ الأكيد أن فاتورة السلام التي رفعها غالي لن تُسدّد بالأوراق النقدية، بل بصفقة سياسية جديدة يعاد فيها توزيع الأدوار في لعبة الصحراء المغربية.

 *دكتور في الاعلام والسياسات الدولية

آخر الأخبار

منية بالعافية تستنطق التاريخ والأسطورة في روايتها "عيشوا لأجل آلهتكم"
في إصدار أدبي لافت يمزج بين عبق الأسطورة وشذرات التاريخ، أطلقت الكاتبة والإعلامية المغربية منية بالعافية روايتها الجديدة “عيشوا لأجل آلهتكم” (المركز الثقافي للكتاب 2026)، لتقدم من خلالها نسيجا سرديا يغوص في تعقيدات النفس البشرية وصراعات السلطة. تدور أحداث الرواية في فضاء مكاني يدعى “إيغود”، وهو عالم يبدو للناظر من الخارج واحة من السكينة والاستقرار، […]
حلم العدالة المجالية حين يتحول إلى ورش للنهضة والكرامة
التحولات الكبرى التي تشهدها الأمم، تبرز قرارات لا تقاس بمجرد أثرها الإداري المباشر، وبحجم إعادة رسم خارطة المستقبل.والمغرب اليوم، يمضي بثبات نحو تفعيل جيل جديد من برامج التنمية الترابية، لا يقوم بمجرد إجراء تقني أو مراجعة عابرة لهياكل بيروقراطية؛ بل هو في جوهره انتقال نوعي وشامل في فلسفة الدولة، وعهد جديد يقطع مع زمن المركزية […]
الثورة الـ 210 مليار درهم.. خارطة طريق مغربية لإنهاء البيروقراطية وبناء أقطاب جهوية منتجة
بين رهانات التمويل وضوابط الحكامة، يفتح المغرب ورشا استراتيجيا لتحديث التنمية الترابية بغلاف مالي يصل إلى 210 مليار درهم. في هذا الحوار، يحلل الدكتور محسن الجعفري، الباحث في الاقتصاد السياسي، أبعاد الانتقال نحو ‘منطق المقاولة’ في تدبير الجهات، وكيفية موازنة شركات المساهمة الجديدة بين النجاعة الاستثمارية والخدمة العمومية، في ظل سياق ماكرو-اقتصادي يطمح لفك الارتباط […]