محمد السادس يقترح مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة مع إسبانيا ويرفض الضغوط السياسية

بواسطة السبت 10 أكتوبر, 2026 - 19:19

في خطابه أمام البرلمان، أشاد الملك محمد السادس بالنتائج التي حققها التعاون في مجال الهجرة مع إسبانيا، غير أنه اعتبر أن النموذج الحالي قد بلغ حدوده. وانتقد العوائق القانونية والقضائية التي تعرقل عمليات إعادة المهاجرين، ورفض الضغوط السياسية، معلناً عن مبادرة استراتيجية جديدة موجهة إلى شركاء المغرب.

خصص الملك محمد السادس جزءاً مهماً من خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، الذي ألقاه يوم الجمعة 9 أكتوبر أمام البرلمان المغربي، للعلاقات مع إسبانيا، ولا سيما التعاون في مجال الهجرة. وتكتسي تصريحاته أهمية خاصة في أعقاب الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة خلال الصيف الماضي، وما أثارته من توترات سياسية وإعلامية على ضفتي مضيق جبل طارق.

واستهل العاهل المغربي حديثه بالتذكير بمكانة المغرب الدولية باعتباره شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، يحترم التزاماته، ومن ثم يحق له أن ينتظر معاملة مماثلة من شركائه.

وفي ما يتعلق بالهجرة، أقر الملك بالنتائج الملموسة التي تحققت بفضل المقاربة التي اعتمدها المغرب، لكنه قدم تشخيصاً بالغ الدلالة، مفاده أن «النموذج الحالي للتعاون قد بلغ حدوده، كما تؤكد ذلك بوضوح الأزمات المتكررة».

ويشكل هذا التصريح المحور الأساسي للرسالة الموجهة إلى إسبانيا. فالملك محمد السادس لا يشكك في مكتسبات التعاون الثنائي ولا في أهميته الاستراتيجية، بل يعترف صراحة بالتقدم المحرز في مجالات مختلفة، ولا سيما مكافحة الهجرة غير النظامية. غير أنه يؤكد، في المقابل، أن الإطار الحالي ينطوي على محدوديات تحول دون الاستجابة الفعالة للتحديات الجديدة.

تعاون تؤكد نتائجه الإحصائيات الدولية

تتيح بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب الإحصائيات الأوروبية المتعلقة بتدفقات الهجرة، تقييم نتائج التعاون بين المغرب وإسبانيا من منظور أوسع من الأزمة التي شهدتها سبتة.

ووفقاً لإحصائيات المفوضية، انخفض عدد الوافدين بحراً عبر مسار غرب البحر الأبيض المتوسط بنسبة 68.6 في المائة بين سنتي 2018 و2025، منتقلاً من 57.264 إلى 17.993 شخصاً.

ويمثل هذا الانخفاض، الذي يقارب 40 ألف وافد سنوياً، تطوراً بالغ الأهمية، ويعكس تراجعاً كبيراً في تدفقات الهجرة غير النظامية عبر هذا المسار خلال السنوات الأخيرة.

وتدعو هذه النتائج، بالتالي، إلى وضع أحداث سبتة في سياقها العام. فالأزمة الظرفية، مهما بلغت خطورتها، لا يمكن أن تمحو حصيلة سنوات من التعاون في مجال الهجرة.

ومن هذا المنظور تحديداً، يكتسب الخطاب الملكي كامل دلالته، إذ يجمع بين الاعتراف بمكتسبات التعاون وعدم إخفاء محدوديات النموذج الحالي والحاجة إلى تطويره.

القرارات القضائية وصعوبات إعادة المهاجرين

يتمثل أحد أبرز جوانب الخطاب في الإشارة الصريحة إلى العوائق القانونية والقضائية التي تؤثر في التعاون في مجال الهجرة.

فقد أشار الملك إلى أن هذا التعاون يواجه حالياً تحديات مهمة ترتبط ببعض المقتضيات القانونية التي يعتبرها متجاوزة، وبقرارات قضائية بعيدة عن الواقع.

وبحسب العاهل المغربي، فإن اجتماع هذه العوامل يعرقل إعادة القاصرين والأشخاص الذين يدّعون دون وجه حق صفة لاجئين، كما يشجع نشاط الشبكات الإجرامية المتورطة في الهجرة غير النظامية.

وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة في ضوء أحداث سبتة، حيث احتلت القيود القانونية المتعلقة ببعض أشكال الإرجاع، والصعوبات المرتبطة بتنظيم عمليات العودة، مكانة مركزية في النقاش السياسي الإسباني.

وتسلط هذه الرسالة الضوء على مسألة كثيراً ما يتم تهميشها في خضم الجدل، وهي أن فعالية التعاون في مراقبة الحدود لا تعتمد حصرياً على أداء السلطات المغربية، بل ترتبط أيضاً بالإطار القانوني الإسباني، وقرارات محاكمه، وآليات إعادة القبول المتاحة فعلياً.

ذلك أن تدبير الحدود لا يمكن فصله عن الإمكانيات القانونية لإعادة الأشخاص الذين دخلوا بطريقة غير نظامية. فعندما تصبح إجراءات إعادة القبول صعبة التطبيق، قد تفقد آليات التعاون جزءاً من فعاليتها.

ولا يعني ذلك اعتبار الضمانات القضائية أو حقوق المهاجرين عوائق ينبغي تجاوزها، وإنما يتعلق الأمر بضرورة إرساء إجراءات فعالة للعودة، تتوافق مع الالتزامات القانونية الوطنية والدولية، ومع حماية الأشخاص في وضعية هشاشة، ولا سيما القاصرين.

وعليه، فإن التفكير الذي يفتحه الخطاب الملكي يتجاوز مجرد مراقبة الحدود، ليشمل أيضاً ملاءمة الأدوات القانونية والمؤسساتية التي تؤطر التعاون في مجال الهجرة.

رسالة في مواجهة الاتهامات والضغوط

يتضمن الخطاب أيضاً رداً سياسياً على الاتهامات التي وُجهت إلى المغرب خلال الأشهر الأخيرة.

فمن دون ذكر أي حزب سياسي أو وسيلة إعلامية بالاسم، انتقد الملك محمد السادس التصريحات التي يعتبرها غير مسؤولة، والصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، فضلاً عن توظيفها السياسي لقضية الهجرة.

ثم أكد موقفاً واضحاً لا لبس فيه، مفاده أن «الشراكة اختيار سيادي والتزام طوعي، لا يمكن أن يخضع لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز».

ويمكن قراءة هذه الكلمات في ضوء الاتهامات التي نسبت إلى المغرب مسؤولية متعمدة عن أزمة سبتة، وكذلك المقترحات التي طرحها بعض المسؤولين السياسيين الإسبان بهدف إخضاع التعاون الثنائي لشروط معينة أو التشكيك فيه.

فمنذ اندلاع الأزمة، اتسم النقاش السياسي الإسباني باتهامات بالغة الخطورة، تراوحت بين الادعاء بوجود تقاعس متعمد من جانب السلطات المغربية، والزعم بتنظيم تحركات المهاجرين. غير أن هذه الاتهامات ينبغي التمييز بينها وبين الوقائع الثابتة والأدلة القابلة للتحقق العلني.

ولا يدخل الملك في تفاصيل هذه السجالات، بل يميز بين الرغبة في الحفاظ على علاقة استراتيجية مع إسبانيا، ورفض تحويل هذا التعاون إلى أداة للضغط السياسي.

ومن هذا المنظور، ينبغي أن يقوم التعاون في مجال الهجرة على الالتزامات المتبادلة والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على علاقة يستطيع فيها أحد الطرفين فرض مطالبه بشكل أحادي.

وهكذا، فإن الرسالة موجهة إلى إسبانيا، ولكنها تشمل أيضاً، على نطاق أوسع، شركاء المغرب الأوروبيين: فالتعاون التزام طوعي بين دول ذات سيادة، ويقتضي استمراره الثقة والاعتراف المتبادل.

مقترح جديد لإسبانيا والشركاء الأوروبيين

لا تكمن أبرز مستجدات الخطاب في تشخيص الصعوبات الراهنة فحسب، بل أيضاً في الإعلان عن مبادرة دبلوماسية جديدة.

فقد أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تروم الدفع نحو توجه جديد يتمحور حول ثلاثة مرتكزات: التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.

ورغم أن المضمون الدقيق لهذه الوثيقة لم يُكشف عنه بعد، فإن الإعلان يعكس رغبة في إدراج قضية الهجرة ضمن إطار أوسع للعلاقات بين الدول.

وبموجب هذا التوجه، لن تظل الهجرة تُعالج حصرياً باعتبارها مسألة مراقبة للحدود، واعتراض محاولات الدخول غير النظامي، وإعادة المهاجرين، بل ستُربط بدرجة أكبر بالتنمية الاقتصادية، وفرص الشغل، والاستثمار، واستقرار بلدان المنشأ والعبور.

وتستند هذه المقاربة إلى حقيقة معترف بها على نطاق واسع، مفادها أن التحركات المهاجرة تتأثر بالفوارق التنموية، والفرص الاقتصادية، وآفاق المستقبل المتاحة للسكان، ولا سيما الشباب.

فبين بلدان متجاورة تعرف تفاوتات مهمة في مستويات العيش، تشكل محاولات الهجرة، سواء كانت نظامية أو غير نظامية، ظاهرة مستمرة. ولذلك، لا يمكن أن ترتكز الاستجابة حصرياً على التدابير الأمنية، مهما كانت ضرورية.

بل ينبغي أن تشمل أيضاً سياسات التنمية وخلق فرص الشغل والتعاون الاقتصادي، بما يسمح بالتأثير في العوامل التي تغذي الهجرة.

وقد يفتح هذا التوجه مجالاً جديداً للحوار بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. غير أنه سيكون من الضروري انتظار تقديم الوثيقة المعلن عنها لمعرفة الالتزامات المقترحة، والآليات المرتقبة، والتعديلات المحتملة على إطار التعاون القائم.

من أزمة سبتة إلى مراجعة نموذج التعاون

يطرح الخطاب الملكي تحولاً في المقاربة في لحظة دقيقة من العلاقات المغربية الإسبانية.

فخلال الأشهر الأخيرة، انصب جزء كبير من النقاش السياسي الإسباني على تحديد المسؤوليات عن أزمة سبتة، وعلى تصرفات قوات الأمن المغربية، والاتهامات المتعلقة بتوظيف مفترض للتحركات المهاجرة لأغراض سياسية.

وقد أدى هذا الجدل، في بعض الأحيان، إلى تهميش النتائج التي تحققت خلال السنوات السابقة، والصعوبات القانونية المحيطة بعمليات الإرجاع، وضرورة الحفاظ على تعاون دائم بين البلدين.

ولا ينخرط الملك محمد السادس في هذا السجال، ولا يرد على الاتهامات بشكل فردي، بل ينقل النقاش إلى مستوى آخر، يتعلق بالمحدوديات البنيوية لنظام تعاون أصبح، رغم نتائجه، مطالباً بالتكيف مع واقع قانوني وهجروي وإقليمي جديد.

وهكذا، يقدم العاهل المغربي ثلاث رسائل متكاملة: المغرب يعترف بمكتسبات الشراكة مع إسبانيا، ويعتبر مراجعة آلياتها أمراً ضرورياً، ويرفض أن تتم هذه المراجعة تحت الضغط أو التهديد.

ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بالتشكيك في مبدأ التعاون، بل بالدعوة إلى إعادة تحديد أسسه.

وسيتيح موقف إسبانيا والشركاء الأوروبيين من المبادرة المعلن عنها معرفة ما إذا كانت هناك إرادة مشتركة لترجمة هذا التشخيص إلى إطار جديد للتعاون.

علاقة استراتيجية مدعوة إلى التطور

يأتي خطاب الملك محمد السادس في سياق تتجاوز فيه العلاقات بين المغرب وإسبانيا قضية الهجرة بكثير.

فالبلدان يرتبطان بعلاقات اقتصادية وتجارية وإنسانية وأمنية وثيقة للغاية. ويشكل استقرار هذه العلاقة قضية مهمة ليس فقط بالنسبة إلى الرباط ومدريد، بل أيضاً بالنسبة إلى الفضاء الأورو-متوسطي برمته.

ويشكل التعاون في مجال الهجرة جزءاً من هذا الترابط المتبادل. ولا يمكن اعتباره خدمة أحادية الجانب يقدمها بلد لفائدة بلد آخر، بل مسؤولية مشتركة تتوقف نتائجها على التزام الطرفين معاً.

وفي هذا الإطار يندرج مطلب المعاملة بالمثل الذي عبّر عنه الملك.

ويمكن تلخيص رسالة الملك محمد السادس في فكرة محورية: المغرب يظل مستعداً للتعاون مع إسبانيا، لكنه يعتبر أن النموذج الحالي قد استنفد جزءاً من قدرته على الاستجابة، وأن الوقت قد حان لإعادة صياغته على أسس جديدة من المعاملة بالمثل والفعالية والاحترام المتبادل.

ومن خلال التذكير بمكتسبات التعاون، وتحديد العوائق التي تحد من فعاليته، والإعلان عن مبادرة استراتيجية جديدة، يفتح العاهل المغربي الباب أمام تفكير يتجاوز الخلافات الظرفية.

وهكذا، قد تتحول أزمة سبتة من مجرد محطة توتر في العلاقات الثنائية إلى نقطة انطلاق لمراجعة أعمق للتعاون في مجال الهجرة بين المغرب وإسبانيا وأوروبا.

ويبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان شركاء المغرب سيستجيبون لهذا المقترح، من خلال إعطاء الأولوية لمقاربة تقوم على التعاون والمسؤولية المشتركة والبحث عن حلول مستدامة.

آخر الأخبار

النصيري يسجل هدفه الخامس بدوري "روشن" السعودي
سجل الدولي المغربي يوسف النصيري مهاجم نادي الاتحاد هدفه الخامس في دوري روشن السعودي للمحترفين لكرة القدم “روشن” هذا الموسم، وكان في شباك الدولي المغربي الآخر ياسين بونو حارس الهلال. وجاء هذا الهدف في قمة الجولة الثامنة أمام نادي الهلال في المباراة التي أقيمت مساء اليوم السبت، حيث سجل النصيري هدفا لفريقه في الدقيقة 22 […]
أسود الفوتسال يواصلون استعداداتهم لمواجهة المنتخب الجزائري
يواصل المنتخب الوطني المغربي للفوتسال استعداداته لخوض مباراته الأولى في نهائيات كأس إفريقيا، التي تحتضنها المملكة المغربية خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 21 أكتوبر الحالي، أمام المنتخب الجزائري، في المباراة التي ستجرى الاثنين القادم، بالقاعة المغطاة التابعة لملعب الأمير مولاي عبد الله بمدينة الرباط، ابتداء من الساعة الثامنة مساء. وركز هشام الدكيك، مدرب المنتخب […]
إصابة لاعب الرجاء ضد المغرب الفاسي لا تدعو إلى القلق
تلقى الطاقم التقني لفريق الرجاء الرياضي لكرة القدم خبر سارا بخصوص الإصابة التي تعرض لها عميد الفريق بدر بانون، خلال المواجهة الأخيرة أمام المغرب الفاسي الخميس الماضي لحساب الجولة الثالثة من البطولة الاحترافية. وغادر بانون أرضية الملعب الشرفي بمكناس الذي احتضن المباراة في حدود الدقيقة 78 متأثرا بالإصابة، قبل أن يسارع المدرب الإسباني باكو خيميز […]