ماكرون في المغرب.. زخم كبير وآفاق واعدة

بواسطة الثلاثاء 29 أكتوبر, 2024 - 09:06

زخم كبير يرافق زيارة الرئيس الفرنسي للمغرب، والتي وصفها الإعلام الفرنسي بـ«التاريخية»، سواء ما يرتبط منها بالجانب الاقتصادي أو السياسي، حيث تتم في ظرف مختلف عن مناسبات سابقة، ما يفتح الباب للحديث عن استراتيجية تعاون جديدة بين الرباط وباريس، عنوانها الأبرز التطابق الكبير في عدد من المحاور التي توحد مصالح البلدين.

العديد من التقارير، التي تناولت هذه الزيارة بالتحليل، كانت كلها مجمعة على أن الزيارة استثنائية بكل المقاييس، وأن ما سيتم التوقيع عليه من اتفاقيات، وما سيتم تناوله في لقاء جلالة الملك والرئيس الفرنسي، هو خلاصة مباحثات ثنائية امتدت لفترة من الزمن، تم في نهايتها توحيد جهود البلدين في برنامج مستقبلي للتعاون المعمق في عدد من القضايا والملفات، قائم على الندية والتوازن.

التحول الفرنسي في التعاطي مع قضية الصحراء، اعتبره متتبعون تغييرا في العقيدة الديبلوماسية الفرنسية، وربطوا إقدام قصر الإيليزيه على هذه الخطوة باقتناع تام بضرورة الانتقال لمرحلة جديدة من التعاطي مع قضايا فرنسا في القارة الإفريقية، بعد تبين قوة المغرب ومكانته في قارة فقدت فيها فرنسا نفوذها التاريخي.

وحسب الخبير الألماني، شتفن هوفنر، فإن تحول فرنسا لتبني مبادرة المغرب للحكم الذاتي، وبالتالي إدارة ظهرها للجزائر، مهم لاقتصادها، ويجعلها شريكا يحظى باحترام كبير في المغرب، مشيرا إلى أن انسحاب فرنسا من منطقة الساحل، وما رافق ذالك من ضعف سياسي واقتصادي، يؤشر لقناعة باريس بأهمية المملكة كشريك موثوق به للاقتصاد الفرنسي.

ويوضح مدير مكتب مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في الرباط أن هذه الخطوة السياسية ستفتح الباب كبيرا أمام الشركات الفرنسية، لرفع استثماراتها في الصحراء المغربية، مضيفا أن قطاعات الطاقة وتقنيات تحلية المياه ومشاريع البنية التحتية الكبيرة تحظى باهتمام خاص لديها.

وهذا ما يوضح حجم الوفد المرافق لماكرون في زيارته للمغرب، حيث يرافقه تسعة وزراء وأكثر من أربعين مسؤولا من مختلف القطاعات، من ضمنهم وزير الاقتصاد والمالية والصناعة، ووزيرة الزراعة والسيادة الغذائية والغابات، ووزير التعليم العالي والبحث، والوزيرة المفوضة المكلفة بملف الطاقة.

ويحمل الوزراء المرافقون لماكرون ملفات مشتركة مع نظرائهم المغاربة، تهم التعاون في قطاعات الصناعات التحويلية والطاقية، ومشاريع البنية التحتية، وتطوير التعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا الزراعية، ودعم مشاريع الأمن الغذائي المشترك بين المغرب وفرنسا.

وتبرز هذه المشاريع المشتركة، التي تم التحضير لها، من خلال لقاءات ثنائية، جرى العمل عليها في الفترة السابقة، تطابق وجهات النظر حول المصالح المشتركة التي تهم مستقبل البلدين، بعد استخلاص عدم جدوى استمرار حالة الجفاء التي طبعت علاقة البلدين لسنتين من الزمن، والتي كان من نتائجها ضياع عدد من الفرص التي تحقق الرفاه لشعبي البلدين.

وبعودة ماكرون للمغرب، بعد ست سنوات من الزيارة السابقة له للمملكة، يضع أيضا محل الاهتمام مجالات أخرى تهم تعزيز التعاون في المجال العسكري، حيث تراهن فرنسا، من خلال شركة إيرباص، على تعزيز تواجدها مع المغرب، في ظل انطلاق نواة صناعة عسكرية في المغرب، تراهن عليها فرنسا لشراكة تفتح لها مجددا السوق الإفريقية.

ويكشف هذا التوجه حجم المرافقين لماكرون في زيارته للمغرب، من رجال الأعمال والمستثمرين، والذين سيحضرون فعاليات «اللقاءات الاقتصادية المغربية/ الفرنسية»، التي يراهن عليها لخلق أرضية جديدة لتعاون استراتيجي بين البلدين، يتعدى حدود العلاقة الثنائية، لرسم تعاون مشترك لاقتحام السوق الإفريقية، اعتمادا على البنية الاقتصادية التي أسسها المغرب في عدد من دول القارة، وأيضا اعتمادا على المبادرة الملكية الأطلسية، التي ستسمح باقتحام سوق الساحل والصحراء.

ولا يقف المشهد الجديد للعلاقات المغربية الفرنسية عند مسألة الاعتراف بمغربية الصحراء، والمصالح الاقتصادية، بل تبرز الأهمية في كون التصور هو أشمل، ويتعدى ذلك، حيث يوجد ضمن الوفد الوزاري لماكرون، وزير الداخلية، الذي من المرتقب أن يجري مباحثات تهم الملفات الأمنية المشتركة بين البلدين، خاصة ما ترتبط بمكافحة الجريمة والإرهاب وقضايا الهجرة، وهي قطاعات أصبح للمغرب فيها باع كبير، وأضحى مرجعا في العالم، بفضل حنكة قيادة عبد اللطيف حموشي لأجهزة الأمن وفق مقاربة حديثة ومبتكرة.

وفي السياق ذاته، يحضر وزير الدفاع سيبستيان لوكورنو، الذي من المتوقع أن يفتح ملفات التحديات الأمنية في المنطقة، مع نظرائه المغاربة، إلى جانب بحث تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، أخذا بعين الاعتبار العلاقات المتميزة للمغرب مع عدد من دول القارة الإفريقية، حيث اكتسبت المملكة سمعة كبيرة، وأضحت مخاطبا أساسيا، سواء في منطقة الساحل والصحراء، أو في غرب القارة، أو حتى في منطقة القرن الإفريقي.

ومن شأن هذه الزيارة أن تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين المغرب وفرنسا. علاقة عنوانها الأبرز رابح/ رابح، بعد مرحلة كانت تتسم بالتنافس، خاصة بعد اقتناع باريس بعدم قدرتها على عودة شغل مكانتها السابقة في إفريقيا، دون الاعتماد على دعم المملكة، في ظل دخول لاعبين جدد للقارة، واشتداد المنافسة بين عدد من القوى لاقتحام القارة، وهو ما جعل عددا من الأصوات الفرنسية تطالب ماكرون بإعادة النظر في سياسة فرنسا بإفريقيا.

ففي غشت الماضي، دعا 94 نائبا من مختلف الأحزاب السياسية، في رسالة مفتوحة، إيمانويل ماكرون، إلى تغيير سياسة فرنسا في إفريقيا تغييرا جذريا، حيث تساءل النواب، في رسالتهم التي نشروها في يومية «لو فيغارو»: «هل بعد فرانس أفريك، نحن محكومون بانحسار فرنسا في إفريقيا؟». وقالوا إن الجميع مدرك اليوم تراجع النفوذ الفرنسي في المستعمرات الإفريقية، كنتاج تراكم جملة من الأخطاء على مدى العقود الماضية.

واعتبروا أن مسؤولية ماكرون تتمثل في أنه لم يتدخل لتدارك الأمر وأصر على اتباع الإستراتيجية التقليدية التي لم تعد تروق الأفارقة. بل أكثر من ذلك، باتت شعوب تلك المستعمرات تتظاهر ضد فرنسا وترحب بالانقلابات التي تقطع مع باريس بغض النظر عن الجهة التي تقف وراء الانقلابات ومدى قدرتها على إخراج البلدان، التي حدثت فيها هذه الانقلابات من أزماتها الاقتصادية والأمنية.

ويبدو أن التغيرات الجديدة في المشهد العالمي، خاصة بعد اعتراف لاعبين كبار بمغربية الصحراء، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانيا، كان له تأثيره الكبير في دفع باريس لمراجعة موقفها.

وهكذا جاء الإعلان الجديد عن قيام ماكرون بزيارة دولة للمغرب، وقبله إصدار باريس لموقف داعم لمغربية الصحراء، ليكشف عن تغلب الواقعية واقتناع فرنسا بضرورة تغيير موقفها على حساب منطق التوازن في التعاطي مع المغرب والجزائر، لتنتهي بذلك سنتان من الفتور والأزمة الصامتة بين باريس والرباط، وعودة تقارب وتطبيع حقيقي للعلاقات بين الرباط وباريس، عنوانها فتح صفحة جديدة قائمة على الندية والتوازن بين فاعلين أساسيين في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

آخر الأخبار

مؤسسة وسيط المملكة توثق تجربتها في حماية الحقوق والوساطة بتقديم إصداراتها بمعرض الكتاب
قدمت مؤسسة وسيط المملكة، خلال ندوة أمس السبت بالرباط، باقة من الإصدارات التي توثق تجربة المؤسسة في مجال حماية الحقوق والوساطة المؤسساتية، بهدف تكريس دور الكتاب والمعرفة في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق. وتقترح هذه الأعمال، المعروضة في إطار مشاركة المؤسسة في الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب تحت شعار […]
" PACTE TPME  "..مخطط جديد لتسريع نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة
في إطار التعاقد الذي يجمع الدولة بوكالة “مغرب المقاولات”، تم إطلاق مخطط تسريع نمو وتحول المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة ” PACTE TPME”. جاء ذلك خلال حفل ترأسه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، يوم الأربعاء الماضي بالرباط، بحضور كل من وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، شكيب العلج. بالنسبة […]
إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بتطوان
تم، أمس السبت، بتطوان إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بين الجماعات على مستوى مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي”. وتم تسليم الحافلات للمفوض له النقل الحضري وشبه الحضري للنقل الجماعي بواسطة الحافلات بجماعات مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي” شركة “إيصال تطوان” وهي شركة منبثقة من شراكة تجمع بين الشركة المغربية للنقل […]