جرت العادة في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تكون المحافظة هي السمة الغالبة على الأنظمة السياسية، في حين تنحو منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها الأحزاب والتيارات السياسية، إلى إحداث اختراقات داخل نسق المحافظة، دعما للتحرر وتحديث البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وقد ظلت القضية النسائية محورا أساسيا في هذا التجاذب بين محافظة الدولة والتحرر المفترض في البنى التنظيمية للقوى المضادة للسلطة.
ولم يشذ المغرب كثيرا بعد الاستقلال عن هذه القاعدة، إذ رفعت القوى المعارضة التي كانت تمثل القيم التقدمية لواء الدفاع عن المساواة والتحرر، في حين كانت الدولة تميل إلى المحافظة، مع بعض الخطوات التحديثية الحذرة.
وشكلت الأحزاب الديموقراطية حاضنة لمطامح النساء نحو التحرر والمساواة، ودافعت عن المشاركة السياسية للنساء، ودعمت العديد من الجمعيات النسائية، سواء أكانت تنظيمات موازية لها، أو كانت منظمات مستقلة بأفق تنويري حداثي.
ولذلك لم يكن مستغربا أن تكون أول امرأتين تلجان البرلمان منتميتين لحزبين منحدرين من الحركة الوطنية (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال).
كما لا يمكن إغفال الدعم السياسي الذي لاقته الحركة النسائية الديمقراطية من طرف القوى التقدمية في محطتين فارقتين: المطالبة بتحديث قانون الأحوال الشخصية، والخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.
غير أن الأمور انقلبت في اتجاه آخر، منذ تولي الملك محمد السادس للعرش، إذ في الوقت الذي انفتحت الدولة على المطالب النسائية، تراجعت الأحزاب على هذا المستوى، بما فيها حتى جزء كبير من الأحزاب الديموقراطية .
فخلال 25 سنة من حكم محمد السادس، تم تغيير قانون الأحوال الشخصية بمدونة الأسرة، التي كانت بمثابة ثورة هادئة لصالح إعادة هندسة العلاقات الأسرية على قواعد الإنصاف والمساواة والمسؤولية المشتركة للنساء والرجال.
كما كان الملك نفسه رائدا في فتح ورش تحيين هذه المدونة لتصحيح بعض ما بقي فيها من اختلالات تسمح باستمرار ما يمكن اعتباره يدخل في خانة التميييز في الحقوق على قاعدة الجنس.
كما ذهبت الوثيقة الدستورية التي تم إقرارها عبر استفتاء شعبي سنة 2011 في اتجاه الاقتراب أكثر من المواثيق الكونية لحقوق الإنسان، وفي اتجاه تجسير المسافات نحو إقرار المساواة الفعلية، عبر اعتبار المناصفة مبدأ وحقا دستوريا.
وهذه الدينامية هي التي أفضت إلى رفع التمثيلية النسائية في مجلسي البرلمان، وفي مجالس الجهات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، وإن لم نصل بعد إلى تحقيق مطلب “الثلث في أفق المناصفة”.
كما عرفت هذه المرحلة ارتفاع عدد النساء في المناصب العليا، وإن كانت أغلب التعيينات النسائية صادرة عن المؤسسة الملكية، مقارنة بالتعيينات التي تعود فيها سلطة التعيين إلى المؤسستين الحكومية أو التشريعية.
إن هذا التذكير كان ضروريا لبيان الوجه الحداثي للدولة، والذي أصبح مهيئا أكثر من أي مرحلة سابقة للمساهمة في الدفع بالحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للنساء إلى الأمام.
لكن الإعاقة اليوم للأسف، توجد في الحقل الحزبي، وحتى ارتفاع عدد النساء في المجالس المنتخبة، سواء التشريعية أو الترابية، كان بفضل القوانين الانتخابية التي أفردت لوائح خاصة بالنساء، ولم يكن بسبب اجتهاد أو قناعات حزبية، بدليل أن اللوائح العادية تكاد تخلو من النساء، وخصوصا ترتيبها على رأس اللائحة.
في الجهة الحزبية، ثمة انتكاسات تحولت إلى خيبات أمل لدى المناضلات المؤمنات بالمشاركة السياسية الفاعلة من موقع الندية والاستحقاق، وليس من منظور تأثيث الواجهة الحزبية فقط.
ولا تجد المناضلات النسائيات حرجا في التصريح العلني بوجود علامات دالة على نوع من الذكورية المتفشية في التنظيمات الحزبية، والمشبعة ببقايا الوصاية على النساء، واعتبارهن فاقدات للأهلية السياسية..
ويحصل هذا رغم أن الواقع والتجربة يفندان هذه الرؤية القاصرة حتى عن استكناه وملاحظة التحولات التي طرأت داخل المجتمع.
ويكفي الرجوع إلى أرشيف البرامج الحوارية في السنوات العشر الأخيرة، لنصطدم أن ممثلي الأحزاب في هذه البرامج في أغلبهم من الرجال، ونادرا ما تمثل امرأة حزبا ما، وحتى إن حصل هذا، وهو من النادر، فغالبا حين يكون الموضوع المطروح للنقاش مرتبطا بقضايا النساء حصرا.
ويكفي أيضا العودة إلى سلسلة المشاورات التي تستدعى لها الأحزاب لنقاش قضايا أو قوانين مصيرية، بحيث يتم إقصاء عضوات الأمانات العامة والمكاتب السياسية من المشاركة فيها، بما فيها حتى المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومات بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية.
ومع هذا الإقصاء والتهميش، يتم اتهام النساء، سرا أو علنا، بأنهن يسعين إلى الحصول على منافع ريعية من خلال العمل الحزبي أو العمل السياسي.
في حين أن المجهود الذي تبذله نساء الأحزاب لا يتم تثمينه ولا الاعتراف به، رغم أن البنيات الاجتماعية وإن عرفت تطورات ملحوظة، فإنها ما زالت تمنح الرجال امتيازا في التحرك بحرية في المجال الحزبي التنظيمي أكثر مما تمنحه للنساء باعتبار مسؤولياتهن الأسرية التي لا يمكن تفويتها في الشروط الحالية.
في الاجتماعات الأخيرة لوزير الداخلية مع رؤساء الأحزاب المعنية بمناقشة القوانين الانتخابية، وفي خطوة إجرائية سريعة تفاعلا مع مضمون خطاب العرش، الذي دعا فيه الملك إلى فتح مشاورات من أجل الوصول إلى تحيين القوانين الانتخابية قبل متم السنة الجارية، حدد الوزير نفسه سبعة محاور على الأحزاب أن تقدم اقتراحات للتعديل بخصوصها، وكان من بين هذه المحاور محور خاص بدعم التمثيلية السياسية للنساء.
لكن خلال اللقاءات الخاصة بكل حزب على حدة مع وزير الداخلية، لم تر الأحزاب أي بد من إشراك النساء في الوفد الذي سيعرض مذكراتها الحزبية على الجهة المكلفة بالمشاورات (وزارة الداخلية).
فباستثناء حزب ترأسه امرأة، وحزب رافقت أمينه العام وزيرة لها علاقة مباشرة بالموضوع، فإن باقي الأحزاب ألغت النساء من المشاركة في هذه المشاورات، رغم أن دعم التمثيلية النسائية في البرلمان واحد من المحاور السبع الأساسية للنقاش، ورغم أن الكثير من النساء ساهمن في وضع هذه المذكرات، وخصوصا في الشق المتعلق بالتمثيلية النسائية.
لقد أصبحت الكثير من النساء بشعرن بالإقصاء، وبالاستغلال لتأثيث الواجهة بهن في مناسبات خاصة ومحددة، ثم بعد ذلك يتم تهميشهن..
وهو ما يخلف شعورا بعدم تثمين مجهودات النساء، مما دفع بالكثير منهن إلى الانتقال نحو الفضاء المدني، واعتباره حصريا الحقل الأنسب للدفاع عن التمكين السياسي نفسه للنساء..
وذلك بعيدا عن الذكورية التي انتصرت حتى داخل التعبيرات الحزبية التقدمية، وهو ما يذكر بما حصل في التسعينيات وبداية الألفية من هجرة مجموعة من المناضلين الشباب نحو العمل في المجتمع المدني بسبب استعصاء الأحزاب على التشبيب.
لقد خسرت جزء من أحزابنا رهان التشبيب والتأنيت. ، مما يعني أن هذه الأحزاب تفضل وضعية الستاتيكو، على مغامرة التجديد .
