أولى جلالة الملك أهمية قصوى لقضايا الشباب المغربي وجعله في صميم النموذج التنموي الجديد، حيث دعا جلالة الملك، في أكثر من مناسبة وعبر خطب ورسائل إلى الحكومة والمؤسسات المعنية، إلى إعداد استراتيجية متكاملة لدعم هذه الفئة والبحث عن أفضل السبل لتحسين وضعها في إطار رؤية واقعية وطموحة، تجعل من الأجيال الصاعدة قاطرة للتنمية وحاملة لمشعل مغرب حديث ومتطور، خاصة وأن الشباب المغربي يمثل حوالي 33 في المائة من الساكنة.
شباب في مسار التنمية
في خطابه بمناسبة الذكرى الـ65 لثورة الملك والشعب سنة 2018، أكد جلالة الملك على دور الشباب في مسار التنمية الشاملة من خلال قوله «نحن اليوم ندخل في ثورة جديدة لمواجهة تحديات بناء المغرب الحديث، وإعطاء المغاربة المكانة التي يستحقونها، وخاصة الشباب، الذي يعد الثروة الحقيقية للبلاد».
وأضاف أنه «لا يمكن أن نطلب من شاب القيام بدوره وبواجبه دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك. علينا أن نقدم له أشياء ملموسة في التعليم والشغل والصحة وغير ذلك. ولكن قبل كل شيء، يجب أن نفتح أمامه باب الثقة والأمل في المستقبل»، كما أن «تمكين الشباب من الانخراط في الحياة الاجتماعية والمهنية ليس امتيازا لأن من حق أي مواطن، كيفما كان الوسط الذي ينتمي إليه، أن يحظى بنفس الفرص والحظوظ من تعليم جيد وشغل كريم».
وحمل بدوره الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 24 لعيد العرش مضامين الإشادة بالجدية والتفاني التي يبديها الشباب المغربي وتحفيزهم لتحقيق إنجازات رائعة. وركز الملك على دور الشباب المغربي وما حققه في كل المجالات، وأهم التحديات التي تواجه بلادنا في مجالات التنمية المستدامة وتطوير الطاقات المتجددة حيث حمل الخطاب عدة رسائل وتوجيهات مهمة تحمل في طياتها رؤى وتطلعات لبناء مستقبل واعد للمملكة المغربية.
وإذا كان تحدي التنمية في المغرب يعتمد على شباب حر ومزدهر يتمتع بالكفاءة وروح الإبداع وقيم المواطنة الحقة، فهو مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى المشاركة بطريقة فاعلة وبناءة في التحولات التي يعرفها المجتمع. وبالتالي فإن الرؤية الملكية لقضايا الشباب تسير بشكل متوان ومنسجم مع خطة وأهداف التنمية المستدامة 2030 والكفيلة بتأمين أسباب الازدهار للشباب بما يمكنهم من استثمار الفرص المتاحة والتغلب على التحديات الماثلة وجعل فضاءات الإبداع والابتكار وصقل المهارات هي مكانهم الطبيعي للاستجابة لطموحاتهم اللامحدودة وشغفهم بالمستقبل. ولتحقيق هذه الأهداف يولي المغرب، في هذا الإطار، أهمية خاصة لتعليم الشباب، حيث يوفر لهم فرصا مختلفة ومتجددة للتعلم، تضمن لهم التمتع بحقهم في الحصول على التأهيل المناسب، الكفيل بضمان اندماجهم الاقتصادي، وتحصيلهم المعرفي وارتقائهم الاجتماعي، بما يحصنهم من آفة الجهل والفقر، ومن التطرف والانغلاق. ويتم تحيين المنظومة التعليمية باستمرار كلما ظهر نقص على مستوى معين، حتى تكون ملائمة للتحولات المجتمعية وتنسجم مع التطور التكنولوجي لتلبية المطالب الملحة للمتعلمين.
مراكز للتأهيل والإدماج
تجسدت الرؤية الملكية عبر السهر على إحداث مراكز تكوين وتأهيل وإدماج الشباب، والمراكز السوسيوتربوية، والمركبات السوسيو – رياضية، وفضاءات التكفل بالشباب الذي يعاني من سلوكات الإدمان، مرورا بالفضاءات الموجهة للتكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال، وإنعاش الأنشطة المذرة للدخل، إضافة إلى برامج دعم الولوج إلى تمويل الشباب حاملي المشاريع، إلى غير ذلك من البنيات الأخرى، تجسد هذه المبادرات والإجراءات المقاربة الملكية وسياسة القرب، من أجل تنمية بشرية شاملة ومستدامة.
كما تندرج في هذا الإطار خارطة الطريق الجديدة الرامية إلى تطوير قطاع التكوين المهني التي ترتكز على برنامج مدن المهن والكفاءات. ويهم هذا البرنامج، الذي يكلف مبلغا استثماريا بقيمة 4,4 ملايير درهم، إنجاز 12 مدينة للمهن والكفاءات على مستوى مختلف جهات المملكة، والتي ستعد بمثابة منصات متعددة الأقطاب والتخصصات للتكوين المهني، ستستقبل كل سنة 34 ألف متدرب.
مدن للكفاءات والمهن
وكنموذج للتفعيل الميداني لانخراط الشباب في الحياة العملية تميزت سنة 2023 بإشراف الملك محمد السادس بمدينة تامسنا على تدشين مدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط – سلا – القنيطرة، البنية الرابعة من نوعها التي تفتح أبوابها لاستقبال الشباب في طور التكوين، بعد مدن المهن والكفاءات لسوس – ماسة، والشرق، والعيون – الساقية الحمراء، التي شرعت في تقديم التكوين للمستفيدين بين أكتوبر ونونبر 2022.
كما أن إبراز دور الشباب جاء واضحا في خطاب العرش الأخير (29 يوليوز) الذي أكد فيه جلالة الملك أن الشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم، بإنجازات كبيرة، وغير مسبوقة، كتلك التي حققها المنتخب الوطني في كأس العالم.
وتعددت المشاريع التي أطلقها الملك، والتي تعنى بالشباب وتلامس كافة المجالات، الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والرياضية، والكفيلة بضمان مستقبل آمن، والعيش في كنف مناخ يطبعه الاستقرار والازدهار والرفاهية، بالإضافة إلى الاستجابة لتطلعاتهم وانتظاراتهم المتعلقة بالتشغيل وتوفير فرص الشغل.
وفي هذا الإطار، فقد خصصت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مرحلتها الثالثة، والتي ترأس جلالة الملك مراسم إطلاقها في شتنبر 2018، حيزا هاما للشباب ضمن أولوياتها، حيث يقوم البرنامج الثالث للمبادرة على تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، من خلال العمل على إطلاق جيل جديد من المبادرات عبر دعم الشباب للحصول على فرصة أول عمل عن طريق تعزيز قابلية الشغل لديهم، ودعم إحداث المشاريع المدرة للدخل.
تمويل وتشجيع
وفي الاتجاه نفسه، وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب، في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية العاشرة، إلى «التنسيق مع المجموعة المهنية لبنوك المغرب، قصد العمل على وضع برنامج خاص بدعم الخريجين الشباب، وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي»، قبل أن يترأس جلالته حفل تقديم البرنامج المندمج لدعم وتمويل المقاولات في يناير الماضي، والرامي إلى دعم الخريجين الشباب حاملي المشاريع والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتمكينهم من الولوج للتمويل.
ومكن هذا البرنامج من تقديم جيل جديد من منتوجات الضمان والتمويل لفائدة المقاولات الصغيرة جدا، والشباب حاملي المشاريع والعالم القروي والقطاع غير المنظم والمقاولات المصدرة، إذ تهدف هذه المبادرة إلى إطلاق دينامية جديدة تدعم المبادرة المقاولاتية، وذلك لتعزيز الإدماج السوسيو-اقتصادي للشباب خاصة في المجال القروي.
وبالموازاة مع ذلك، تعد مدينة الابتكار سوس -ماسة التي أشرف الملك على تدشينها إحدى أبرز تجليات العناية الملكية السامية بالشباب في جانبها الاجتماعي والتربوي، إذ تساهم هذه الفئة من المشاريع في خلق فرص الشغل للشباب وتساهم في ضمان نمو شامل خدمة للمواطن.
وتمكن مدينة الابتكار من تزويد الجهة ببنية تحتية تقنية للاستقبال، للتشجيع على روح المبادرة المقاولاتية وخلق مقاولات ناشئة مبتكرة عبر عملية الاحتضان، وتثمين نتائج البحث العلمي لفائدة القطاعات الاقتصادية والأنظمة الصناعية للجهة، والنقل التكنولوجي والتقريب بين المقاولات وبنيات البحث والتطوير.
أقطات متعددة
وفي سياق النهوض بالشباب دائما وتعزيز قدراتهم وكفاءاتهم، يشكل برنامج مدن المهن والكفاءات العمود الفقري لخارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني، حيث يهم هذا البرنامج، الذي قدم أمام جلالة الملك في 4 أبريل 2019، إنجاز 12 مدينة للمهن والكفاءات على مستوى مختلف جهات المملكة، والتي ستعد بمثابة منصات متعددة الأقطاب والتخصصات للتكوين المهني.
كما أن هذا البرنامج يدشن جيلا جديدا من مؤسسات التكوين المهني، يمكن من تعزيز قابلية تشغيل الشباب، ويرفع من تنافسية المقاولات، ويحفز على خلق القيمة على المستوى المحلي.
ينضاف إلى هذه المشاريع، التي تهتم بالشباب والرامية إلى جعله رافعة للتنمية، إشراف الملك على تدشين منصة الشباب «أركانة» للإنصات والتوجيه، وهو مشروع يروم تمكين الشباب من تحقيق ذواتهم وطموحاتهم، وكذا تزويدهم بوسائل متنوعة تمكنهم من تحفيز روح المبادرة والمقاولة لديهم، وتضمن لهم إدماجا سوسيو-اقتصاديا أحسن، فضلا عن إنجاز الفضاء الثقافي «دار ممكن» بحي لكويرة، وفضاء «نجوم سوس» بحي الفرح (بنسركاو المركز)، وذلك في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
ريادة الأعمال والابتكار
ومن محاور التوجيهات الملكية المتعددة للنهوض بقضايا الشباب وتقوية قدراته توجيه الاستثمار في التعليم. ولتجاوز تحديات التعليم واستثمار العنصر البشري وخاصة الشباب، قدم الملك تعليمات بتوجيه الاستثمار نحو تحسين جودة التعليم وتطوير المناهج التعليمية. «يجب أن تكون المدارس بيئة تشجع على التفكير النقدي وتنمية المهارات الشخصية للشباب». علاوة على تشجيع ريادة الأعمال والابتكار فالشباب المغربي يمتلك إمكانية الابتكار وريادة الأعمال، لذا يجب دعمهم من خلال توفير التمويل والدعم اللازمين لمشاريعهم وأفكارهم الابتكارية.
وفي السياق ذاته تبرز ضرورة دعم الشباب في مجالات التكوين والتأهيل من خلال توفير برامج التأهيل والتدريب، حيث يمكن توجيه الشباب نحو مجالات تطورية ومناسبة لقدراتهم واهتماماتهم. علاوة على تعزيز الوعي الاجتماعي والمشاركة السياسية وتشجيع مشاركتهم الفعالة في الحياة الاجتماعية والسياسية. إضافة إلى تعزيز العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية للشباب، حيث يمكن لهذه الفئة أن تلعب دورا مهما في تنمية المجتمع من خلال العمل التطوعي والمشاركة في المبادرات المجتمعية. ولتحقيق التقدم والتطور يتوجب تعزيز التعلم المستمر وتطوير مهارات الشباب في القراءة والتعلم المستمر ما يمكن أن يوسع آفاقهم ويزيد من معرفتهم.
ولتنزيل هذه الأولويات تشدد التوجيهات الملكية لمختلف الفاعلين أصحاب القرار ببلادنا علي ضرورة سن سياسات عمومية ناجعة خاصة بالشباب وتطوير منظومة تشريعية ملائمة وتوفير كل الإمكانيات لضمان ضرورة انبثاق نموذج وطني جديد للتمكين الاقتصادي والاجتماعي لشبابنا.
