الثلث المليء من فيلم بنسعيدي..

بواسطة الجمعة 19 مايو, 2023 - 13:26

دقائق طويلة من تصفيق بعد انتهاء عرض شريط “الثلث الخالي” في مسرح الكروازيط، الذي يستقبل أفلام فئة “أسبوعي السينمائيين”. أياد كثيرة تتقن التصفيق، لكننا نحتاج حاليا الأيادي التي تكتب. التصفيق لوحده مُمل ومرهق..

“ثلث خال، وثلث مليء وثلث سأمنح من خلاله عيني فرصة مشاهدة ثانية لفيلم بنسعيدي”

تأتي جملة الربط، التي يعطيها كاتب ركن الحق في أن تتصدر نصاًّ يوافق طريقة اشتغال مخرج على شريطه. تلك اللحظة الفارقة التي يقرر من خلال فوزي بنسعيدي الحالي، أن يزور مجدداً أسلوب فوزي بنسعيدي في بداية الألفية. هي المرحلة التي تؤرخ لبداياته، في شريطه الطويل الأول “ألف شهر”. انتظرنا نحو مائتين وأربعين شهراً، لمشاهدة كاميرا بنسعيدي تعود لتلتقط جمالية الفضاءات الشاسعة، بهدوء مستفز ومستهتر، وصاخب في بعض من أحيان. ترك فوزي بنسعيدي خلفه المجال الحضري الذي احتضن غالبية أعماله الأخيرة، وأفلت من سطوة الفضاءات المغلقة مانحاً شخصياته فرصة التحرك في فضاءات مفتوحة، صورها بإتقان وبأسلوب يقترب من ذلك الذي اعتمده في “ألف شهر”. جدية وسخرية فوزي بنسعيدي، حضرتا في أحلك الفترات القاسية التي تحملها أحداث شريط “الثلث الخالي”. شريط برأسمال زمني ساعتين وست من دقائق، وهو إنتاج مشترك مغربي وفرنسي وألماني وبلجيكي، لغة سينمائية ساخرة لفوزي بنسعيدي تصل أحياناً حد القسوة على القسوة، والاستخفاف بالفقر والعوز والحاجة وبقية الحقول الدلالية الدالة على قصر ذات اليد. هي سخرية بنسعيدي التي تقترب من تلك التي رأينا مثيلاً لها في “الزمن الباقي” لإيليا سليمان الذي حضر عرض الأمس، ثم هناك جدية ترافق تحركات فهد بنشمسي وعبد الهادي الطالب، وشكلا ثنائياً بنى عليه المخرج مشروع استرداد قروض صغرى من مقترضين لا حول لهم ولا قوة. تنطلق معهما في رحلة البحث عن المال حيث يسكن الفقر، وجلب الموارد من جيب مستنزفين استنزف بعضهم كل أوراق الأمل. “الثلث الخالي” رحلة، والرحلة نحو الجنوب تعيشها بلا ملل رفقة مهدي وحميد، ثم تدخل شخصيات أخرى على الخط. هاجر كريكع التي يخرجها بنسعيدي من عوالم التلفزيون، لتؤدي دوري سلمى وحادة في نفس الفيلم. كاميرا تتعقب الرحلة، وتتغزل بجمالية طبيعة تحتضن في الخلفية آلالام ساكنة تقاوم الفقر، وتقاوم القهر من أجل البقاء، وتناضل بطريقتها من أجل الحب. في الفيلم، يحضر ممثلون وممثلات اعتاد بنسعيدي الاعتماد عليهم مثل محمد الشوبي ونزهة رحيل وربيع بنجهيل وعبد الغني الصناك ومحمد حميمصة، مع مشاركة من إبراهيم خاي وزهور السليماني وإبراهيم شيشا. كل شخصية في الفيلم لا تشبه الأخرى إلا حين يتعلق الأمر بالتفنن في العبث، وفي فيلم بنسعيدي حتى شكل السيارة البسيطة التي تنقل مهدي وحميد تتغير بتغير وضعهما من الهزل للسوداوية، وتختفي حين تضيق السبل، وتعود لتظهر حين يرغب المخرج في إنهاء جولته. في “الثلث الخالي”، يصور بنسعيدي القرى التي تحتضن أشخاصاً يصرون على البقاء من أجل البقاء، ويصور الصحراء المغربية، ويجعلك تطمئن بأن ويلز وسكورسيزي وريدلي سكوت وهيتشكوك ليسوا الوحيدين القادرين على نقل جمالية صحرائنا لعيوننا. هناك مخرج مغربي يمكن بدوره أن ينقلك في جولته الميلونكولية، دون أن ينسى إمتاع عين المشاهد في طريقه نحو كشف استقواء الكائن الضعيف على الكائن المستضعف.

ثم ماذا بعد؟ ملاك مؤسسات للقروض تسخر أناساً بسطاء، لجلب مال البسطاء، والفكرة هنا تعكس ما نعيشه في عالمنا الحالي من جشع ينسينا بأننا نهتم في بحثنا على المال بكل شيء وننسى الحياة. المال يتسلمه بشكل رمزي مهدي وحميد في آخر المطاف، وجزء منه سيصل ضمنياً لرواد الجشع. في رحلة البحث عن المال، ندوس على إنسانية الإنسان، ونترك الثلث الخالي خالياً حتى من تلك العفوية التي يقتات منها الكائن الذي لا يتوفر إلا على إنسانيته السائرة في طريق الانقراض.

“ثلث خال، وثلث مليء، وثلث سأمنح من خلاله عيني فرصة مشاهدة ثانية لعالم بنسعيدي”

لو كان بنسعيدي يقحم بعضاً من البهارات التي يبحث عنها بعضٌ من مبرمجي المهرجانات الكبرى، لكان الآن في المسابقة على السعفة الذهبية. هو لا يحتاج هذه البهارات، وشريطه الذي يترك المشاهد تائهاً في بعض من أحيان، فيه كثير من وضوح ممزوج بكثير من غموض. شريطه سيفتح نقاشات كثيرة، ولحسن الحظ أن فوزي بنسعيدي عاد للصور المساحات الشاسعة، لأنه يترك من خلالها مساحة واسعة لخيال المشاهد. هو سينمائي يتقن أسلوب التنافر، ويمنح نفسه الحق في ربط علاقة شرعية بين الهزل والسوداوية. هو مخرج له سينماه، وسينماه تمنحني الفرصة لكي أخط أركاناً عديدة. هو ركن أول، وستأتي أركان أخرى لاحقاً. أنا أصلا مجبر على اقتراف فعل الكتابة، لأن منتسبين كثر للسينما يحضرون العروض، ولا أدري حقّاً هل سيكتبون. ماذا سيكتبون أصلاً؟ هل سيستوعبون؟ المساكين، هم فقط حائرون، ويتساءلون. هم دائما يستاءلون، وللأسف الشديد لا رأي لهم. حتى حين يكونون رأياً، تسعفهم الكأس، لكنهم لا يتوفرون على العِبارة. هنيئاً فوزي بنسعيدي الذي قدم ويسترن تتناوب على قيادته السوداوية والشاعرية، وبالتوفيق لي ولكم ولكل الحائرين المتسائلين، والسلام.

آخر الأخبار

ضرب وإهانة وانتهاك لحرمة الجسد .. شهادة طبيبة مصرية تعيد نقاش انتهاكات الولادة إلى الواجهة
أعادت طبيبة مصرية النقاش حول موضوع الانتهاكات التي تتعرض لها النساء خلال الولادة، وذلك بعد نشرها لتدوينة تستعرض فيها جملة من الممارسات الصادمة التي تطال بعض الحوامل، منها التحرش، التعنيف اللفظي والجسدي، المعاملة المهينة، وعدم التدخل في الوقت المناسب. حديث الطبيبة أخرج مئات الشهادات إلى العلن من مختلف الدول العربية على مواقع التواصل، حيث تم […]
انخفاض طفيف في أسعار المحروقات
تفاعلت أسواق النفط بسرعة مع توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، التي  نصت في  أحد بنودها على فتح مضيق هرمز. تبعا لذلك، استفاقت أسواق النفط جميعها صباح يوم الخميس 18 يونيو 2026 على وقع تراجع سعر برميل النفط تحت عتبة 80 دولار. في التفاصيل، تراجع سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي قرابة […]
دراسة:محادثات 30 دقيقة توقع المغاربة في فخ الاحتيال الالكتروني
كشفت دراسة حديثة أجرتها شركة كاسبرسكي المتخصصة في الأمن السيبراني، أن 30 دقيقة كانت كافية لاستدراج ضحايا مغاربة للإيقاع بهم في فخ الاحتيال الالكتروني. وأوضحت الدراسة أن 49.3 في المائة من عمليات النصب التي تم رصدها في المغرب، تتم في إطار زمني لا يتجاوز نصف ساعة، حيث يتمكن المحتالون من استدراج الضحايا عبر محادثات واتساب، […]