هو ليس شهر أكل فقط، وإن كانت الأغلبية تحوله إلى مطعم مفتوح كبير. وهو ليس شهر مشاهدات تلفزيونية فقط، وإن كانت حمى الإقبال على الفرجة تصيبنا جميعا. وهو ليس شهر طقوس نتبارى في أدائها أمام الجميع، فقط لكي نؤكد لهم أننا نعيش أجواء الشهر الفضيل.
رمضان العبادة المفروضة، هو شهل تأمل وتدبر أولًا، وشهر توقف من أجل تقييم مامضى وتهييء ماهو آت، وهو شهر إحساس بمن لايملك قوت يومه في العادي من الأيام، وشهر دعوة إلى إشراك الفقراء فيما لدى الأغنياء من خير.
استقبلنا الخميس أفضل الشهور وأحسنها على الإطلاق، وسؤال ضروري الطرح يفرض نفسه عن علاقتنا الجماعية ، والأخرى الفردية، بهاته العبادة، وهل نؤديها على أفضل وجه؟ أم ترانا، كل حسب درجته، نقع فيالنقيض منها، فنسرف عوض أن نقتصد، ونبالغ عوض أن نتصرف بتعقل، ونتخم أنفسنا وعقولنا بأمور لاعلاقة لها بالشهر الفضيل، تحوله إلى مجرد مناسبة تباه بالبروتوكولات والشكليات عوض أن يؤثر على العمق فينا، وينعكس على أعمالنا وتصرفاتنا مع بعضنا البعض.
وحقيقة يفرح الإنسان عندما يشاهد الإقبال الكثير على التراويح وفق الطريقة المغربية، ويفخر بمشاهدالشيب والشباب وهم يملؤون ساحات المساجد بعدد كبير وغير قابل للعد. لكن نفس الإنسان، عندما يلتقي مع تصرفات عدد كبير منا من مرتادي هاته التراويح (السنة الجميلة والطيبة)، يتساءل إن كان لنا نصيب حقا من صلاتنا وصومنا وعباداتنا، أم أننا ننخرط في طقس جماعي دون تدبر حقيقي له ينعكس فعلا على تصرفاتنا الفردية، ويمتد أثره إلى الانعكاس على علاقتنا بمحيطنا القريب أولًا (الأقربون أولى بالمعروف،وفي المقربين أولى)، ثم يصل إلى المحيط الكبير الذي يجمعنا ببعضنا البعض، والذي يفترض، إن صلحت النية وصدقت العبادات، أن يكون محيطا مثاليا بكل مافي الكلمة من معنى.
يستحق منا رمضان، الشهر الفضيل، أن نسترجعه إلينا، وأن نستعيد الأصل فيه، قبل تنامي البدع، وتكاثرالتظاهر وسطوة الفرجة الدينية على العبادة حد إفراغها من معناها السامي والحقيقي.
نعرف أن جزءا من المشكل سببه تيار ظهر في المجتمعات العربية والإسلامية، حاول الاستيلاء على الدين،وأراد كتابته باسمه دون باقي المسلمين. ونعرف أن أذى هذا التيار كان كبيرا، وأن أثره كان وخيما على علاقتنا السوية الفطرية بدين الرحمة.
لكننا نعرف أيضا أن الزبد يذهب جفاء مثلما علمنا ديننا الحقيقي، ومتأكدون أن الأجيال الجديدة، والأخرى التي ستأتي ستعرف كيفية إزالة القشور السطحية التي لاتنفع الناس، لكي تصل إلى اللب الحقيقي للدين، وإلى المراد الفعلي منه، في رمضان، وأيضا في بقية شهور السنة غير رمضان.
رمضان كريم، وكل العام وأنتم بخير.
