الشيخ العثماني:تعيين المنصوري مناسبة لإعادة بناء الوعي الفقهي بالسياسة الشرعية

بواسطة الخميس 1 أكتوبر, 2026 - 11:55

أثار تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية نقاشاً فقهياً وفكرياً، ولا سيما بعد خروج بعض الدعاة بتدوينات تنكر مشروعية إسناد هذا المنصب إلى امرأة، مستندين أساساً إلى حديث النبي ﷺ: “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”، وإلى بعض التصورات الفقهية القديمة المتعلقة بشروط الولاية والإمامة والقضاء. ومن ذلك الاستدلال بما نُسب إلى الشيخ قاسم أكحيلات من قوله: “ذكر ملكة سبأ في القرآن، دليل على خراب ولاية النسوية لا على قيامها”، مستشهداً بقوله تعالى على لسان بلقيس: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.

غير أن النقاش الجاد في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مقابلة حديث بحديث، أو آية بآية، ولا إلى انتصار لموقف مسبق، وإنما يحتاج إلى تحرير محل النزاع، وتمييز بين أنواع الولايات، وفهم طبيعة الدولة التي نتحدث عنها، ثم تنزيل النصوص والقواعد في ضوء مقاصد الشريعة وتغير الأوصاف السياسية والمؤسساتية.

دلالة فقهية

وأول ما ينبغي تصحيحه أن الحديث المشار إليه ثابت في صحيح البخاري، وليس موضع الإشكال في صحته من حيث الأصل؛ فقد ورد عن أبي بكرة أن النبي ﷺ لما بلغه أن الفرس ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”.  لكن صحة الحديث شيء، وتحديد دلالته الفقهية ومجال تنزيله شيء آخر. فالحديث ورد مرتبطاً بخبر سياسي محدد يتعلق بالفرس وتولي بنت كسرى السلطة في نظام ملكي إمبراطوري، ولم يرد في صيغة تشريعية صريحة من قبيل: “لا يجوز للمرأة أن تتولى كل ولاية من الولايات”، كما أن لفظ “أمرهم” لا يصح أن يُنزّل آلياً على كل وظيفة عامة في كل زمان ومكان .

وهنا تظهر أهمية القاعدة الأصولية في التمييز بين المنطوق ودلالة السياق، وبين الحكم المتعلق بوصف معين والحكم الذي يراد تعميمه على أوصاف مختلفة. فالسياسة الشرعية ليست مجموعة من القوالب التاريخية الجامدة، وإنما هي تدبير للمصالح وفق الضوابط الشرعية. ولذلك فإن اختلاف بنية الدولة يؤدي بالضرورة إلى اختلاف توصيف كثير من الوظائف السياسية والإدارية.

فالخلافة أو الإمامة العظمى في التصور الفقهي الكلاسيكي كانت مؤسسة سياسية ودينية مركبة، تجمع في شخص الإمام وظائف متعددة؛ كالقيادة العامة، وإدارة الجهاد، وتعيين الولاة والقضاة، والإشراف على بيت المال، وحماية الثغور، وغير ذلك. أما رئيس الحكومة في الدولة الوطنية الحديثة فليس خليفة ولا إماماً أعظم، ولا يجمع في شخصه جميع السلطات؛ بل يعمل داخل منظومة دستورية ومؤسساتية تتوزع فيها الاختصاصات بين مؤسسات الدولة، وتخضع السلطة للقانون وآليات الرقابة والمساءلة .

وهذه نقطة جوهرية يغفل عنها بعض الخطاب الدعوي حين ينقل أحكاماً صيغت في سياق الإمامة التاريخية ثم يضعها مباشرة على وظيفة سياسية معاصرة دون فحص الفارق بين المؤسستين.

اختلاف الولايات

كما أن الفقه الإسلامي ومدارسه المختلفة لم تكن على قول واحد في جميع الولايات المتعلقة بالمرأة. فحتى في القضاء، الذي كان أكثر حساسية في الفقه القديم، نجد فيه اختلافاً معتبراً؛ فقد ذهب الكثير من  الفقهاء إلى عدم تولي المرأة القضاء، بينما نُقل عن أبي حنيفة جواز قضائها في الأموال، ونُقل عن محمد بن الحسن وابن جرير الطبري القول بجواز ولايتها القضاء على وجه أوسع، مع وجود نقاش بين العلماء في صحة نسبة بعض هذه الأقوال وتحرير مراد أصحابها.  وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن المسألة ليست من النوع الذي يصح فيه ادعاء الإجماع المطلق على كل صور الولاية .

بل إن الفقه الإسلامي نفسه عرف تمييزاً بين الولايات المختلفة، فلم يجعل الوالي والقاضي وصاحب الحسبة والوزير والكاتب والسفير وأهل الشورى في مرتبة واحدة من حيث الشروط والأحكام. ومن ثم فإن الانتقال من الحديث إلى القول بتحريم كل منصب سياسي أو إداري على المرأة يحتاج إلى خطوات استدلالية إضافية لا يكفي فيها مجرد إيراد الحديث. أما الاستدلال بقصة ملكة سبأ، فالأصل أن القرآن لم يورد قصتها بوصفها نموذجاً لفشل المرأة في الحكم، وإنما عرض جانباً مهماً من تدبيرها السياسي: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾، ثم قال مستشاروها: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. والقرآن بعد ذلك يذكر طريقة تفكيرها وتقديرها لعواقب الحرب، ثم يذكر إسلامها لله في خاتمة القصة.

لهذا لا يصح تحويل قصة ملكة بلقيس إلى دليل على “خراب” ولايتها كما ذهب الى ذلك الشيخ قاسم اكحيلات في تدوينته يوم أمس ؛ لأن القرآن لم يجعل جنسها محور المدح أو الذم، وإنما ركز على موقفها من الشورى والتدبير والاستجابة للحق. وهذه هي القراءة الأصولية التي تخرج من أسر الجدل الأيديولوجي إلى دلالة النص القرآني نفسه.

أما من يستشهد بكتاب الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي، فلا شك أنه من الكتب المهمة في تاريخ الفكر السياسي والفقه الإداري الإسلامي، وقد نظم فيه صاحبه أبواب الإمامة والوزارة والإمارة والقضاء وغيرها.  غير أن قيمة الكتاب العلمية لا تعني أن كل ما فيه يمثل نظاماً سياسياً ملزماً لكل دولة إلى قيام الساعة. فالماوردي فقيه عاش في القرن الخامس الهجري، وتناول دولة الخلافة والولايات التابعة لها، في سياق تاريخي ومؤسساتي محدد. والدراسات المعاصرة نفسها تنبه إلى أن كتابه كان محاولة لتنظيم النظرية السياسية الإسلامية في ضوء الدولة التي عاصرها ومشكلاتها الواقعية .

مفهوم الولاية السياسية

ومن الخطأ المنهجي إذن تحويل كتاب فقهي تاريخي إلى “دستور أبدي” للدولة الحديثة. فالماوردي نفسه كان يمارس اجتهاداً في واقعه، ومن الوفاء لمنهجه أن نمارس نحن كذلك الاجتهاد في واقعنا، لا أن نجمد اجتهاده ثم نسمي الجمود وفاءً للتراث.

وفي الدولة الوطنية الحديثة، لم تعد الولاية السياسية مؤسسة واحدة يحتكرها شخص واحد، بل أصبحت شبكة من المؤسسات والاختصاصات والقوانين. وفي المغرب مثلاً، ينص الفصل 47 من الدستور على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، مع تنظيم العلاقة بين رئيس الحكومة والملك ومجلس الوزراء ضمن البناء الدستوري.  

ومن هنا فإن السؤال الفقهي المعاصر الذي يجب ان يطرح على كل مسؤول تم تعيينه ليس هل هو رجل أو امرأة؟  وإنما هل تتوفر في الشخص المعين شروط الكفاءة والأمانة والقدرة على تحمل المسؤولية، وهل يمارس اختصاصه داخل نظام يحقق العدل والمصلحة العامة للمواطنين والمواطنات ؟ وهذه المعاني أقرب إلى روح الشريعة من جعل الذكورة وحدها مناطاً عاماً لكل وظيفة سياسية.

فالقرآن يقرر قاعدة الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومناط الاختيار هنا هو أداء الأمانة والعدل. كما أن قاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة” تكشف جوهر السياسة الشرعية؛ بحيث السلطة ليست امتيازاً جنسياً، وإنما أمانة ومسؤولية وتحقيق للمصلحة. ولا يعني هذا إسقاط الخلاف الفقهي القديم أو إنكار أن جمهوراً من الفقهاء اشترط الذكورة في الإمامة العظمى، وإنما يعني وضع ذلك الخلاف في موضعه الصحيح، وعدم توسيعه بلا دليل ليشمل كل أشكال المشاركة السياسية والإدارية المعاصرة.

كما أن قول بعض الدعاة إن مجرد تعيين امرأة في منصب سياسي يعني مخالفة صريحة للشريعة يحتاج إلى مزيد من التحرير؛ لأن الحكم على المنصب يتوقف على حقيقته واختصاصاته، لا على اسمه فقط. فما كان من خصائص الإمامة العظمى لا يلزم أن يكون حكمه حكم الوزارة أو الإدارة أو القضاء أو التمثيل السياسي أو رئاسة الحكومة في الدولة الحديثة.

خطر اختزال التراث الفقهي

إن الخطر الحقيقي على الخطاب الديني اليوم ليس في اختلاف الفقهاء، وإنما في اختزال التراث الفقهي في رأي واحد، ثم تقديمه للناس باعتباره الإسلام كله، مع أن تاريخ الفقه نفسه يثبت تعدد الاجتهادات وتنوعها. كما أن من مقاصد الشريعة رفع الحرج، وتحقيق العدل، وحفظ النظام العام، وتحقيق مصالح الناس، وتنزيل الأحكام على الوقائع وفق أوصافها الحقيقية.

ولذلك فإن من حق الداعية أن يناقش الحديث ودلالته، وأن يعرض القول الفقهي الذي يمنع المرأة من بعض الولايات، لكن ليس من المنهج العلمي أن تتحول المسألة الخلافية إلى أداة لتجريم المخالف، أو إلى حكم قطعي على دولة ومؤسساتها لمجرد أن المرأة أسند إليها منصب سياسي.

إن التجديد الفقهي الرشيد لا يعني إلغاء النصوص ولا تذويب الأحكام، وإنما يعني الانتقال من فقه الأشكال التاريخية إلى فقه المقاصد والوظائف والواقع. فالمرأة التي تتولى وزارة أو إدارة أو قضاء في دولة حديثة لا يمكن قياس وظيفتها بصورة آلية على خليفة يجمع السلطات الدينية والسياسية والعسكرية والقضائية في شخصه.

ومن ثم، فإن النقاش حول تعيين فاطمة الزهراء المنصوري ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة بناء الوعي الفقهي بالسياسة الشرعية، لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فمن أراد الاستدلال بالحديث فعليه أن يحرر دلالته ومناطه، ومن أراد الاعتراض عليه أن يبين وجه ذلك أصولياً، ومن أراد الاحتجاج بالماوردي فعليه أن يقرأ الماوردي في سياقه التاريخي والمؤسساتي. أما نقل نصوص القرون الماضية وإسقاطها مباشرة على الدولة الوطنية الحديثة، دون تكييف ولا تحقيق للمناط، فهو أقرب إلى النقل الحرفي منه إلى الاجتهاد الفقهي.

وختاما، ان احترام النص لا يعني تجميد فهمه، واحترام التراث لا يعني تحويل اجتهادات الفقهاء إلى نصوص مقدسة، والتمسك بالمذهب لا يعني إلغاء مقاصد الشريعة. لقد كان أئمة الفقه الكبار أبناء واقعهم، اجتهدوا في ضوء نصوصهم ومقاصدهم وأحوال مجتمعاتهم؛ ومن الوفاء لهم أن نفعل الشيء نفسه. فالشريعة جاءت لتحقيق العدل والمصلحة وصيانة الأمانة، وهذه المعاني لا تتغير بتغير جنس المسؤول، وإنما تتعلق بكفاءته وأمانته وقدرته على القيام بما أُسند إليه من مسؤولية.

آخر الأخبار

​2.7 مليار درهم لتجهيز محيط ومرافق "ملعب الحسن الثاني الكبير"
حسم التكتل الاستثماري الشامل لشركتي “CMS” و”GTR” صفقة التهيئة الخارجية لـ “ملعب الحسن الثاني الكبير”، بعرض مالي يبلغ 2.7 مليار درهم، ليواصل المشروع خطواته التنفيذية نحو الموعد المونديالي. وتشمل أعمال هذا الشطر إقامة المداخل الرئيسية والطرق والمواقف، إلى جانب بناء الممرات العلوية والأنفاق المخصصة لخدمة الجماهير، وتأسيس المباني الوظيفية المساندة لإدارة المجمع الرياضي وتأمينه. كما […]
مذكرة نسائية تدعو المنصوري لإدماج قضايا المساواة ضمن أولويات البرنامج الحكومي
وجهت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة ،بتاريخ 30 شتنبر 2026، مذكرة الى رئيسة الحكومة  فاطمة الزهراء المنصوري، بشأن ادماج قضايا النساء والمساواة ضمن اولويات البرنامج الحكومي للفترة 2027-2031، وذلك في سياق تشكيل الحكومة الجديدة وبلورة التوجهات والاولويات التي ستؤطر عملها خلال الولاية المقبلة.  وتنطلق المذكرة من اعتبار قضايا النساء والمساواة قضايا عرضانية، تتقاطع مع مختلف السياسات […]
وفاة سيدة بلدغة أفعي يعيد النقاش حول غياب الأمصال المضادة لسموم الأفاعي
أعادت فاجعة وفاة سيدة بعد تعرضها للدغة أفعى بدوار أكدي بإقليم طاطا ، النقاش حول غياب الأمصال المضادة لسموم الأفاعي، ما يعني ارتفاع خطر الموت في ظل إمكانية التعرض لحوادث مماثلة سبق أن عرفها الإقليم وعدد من أقاليم المملكة خلال السنوات الماضية. وجدد هذا الحادث الدعوات المجتمعية والحقوقية، من أجل المسارعة تقوية المنظومة الاستعجالية لضمان […]