في عرف الطبيعة البشرية، تسقط الأقنعة عندما يوضع الإنسان أمام محك الحقيقة، أو عندما تتبدد الهالات المصطنعة حين تتحول “المظلومية” إلى أصل تجاري يُدار بمنطق الابتزاز والتدليس. ولعل بيان الحقيقة والتكذيب الصارم الذي نشره المحامي عبد الصمد الإدريسي مؤخراً، يشكل نقطة تحول مفصلية، ليس فقط في فضح الممارسات اللاأخلاقية لسليمان الريسوني، بل في تشريح عقلية ابتزازية ممنهجة اتخذت من التشهير والتزوير سلاحاً لتصفية الحسابات وبناء أمجاد وهمية على حساب ذمم الآخرين ومواقفهم.
إن قراءة متأنية في مضامين تدوينة عبد الصمد الإدريسي لا تكشف فقط عن حادثة معزولة أو سوء فهم عابر في العلاقة بين الطرفين، بل تميط اللثام عن “منهجية عمل” متكاملة الأركان، تعتمد على استغلال الثقة، وتحريف الوقائع، والتحول السريع من موقع “طالب الحاجة” إلى “المبتز المهدد”، ثم إلى “المزور المدلس” حين توصد في وجهه أبواب الرفض.
مشروع الكتاب: فخ الاستكتاب وصناعة البطولة الوهمية
انطلق المخطط المكشوف من محاولة سليمان الريسوني إصدار كتاب يعتزم نشره، محاولاً إضفاء الشرعية والمصداقية على محتواه عبر استكتاب محامين وسجناء سابقين. وقد تكون الفكرة في ظاهرها محاولة شرعية لتوثيق تجربة شخصية، لكن في باطنها، وحسب ما فضحته الوقائع، كانت مجرد فخ لابتزاز المواقف وتطويع ألسنة الناس لخدمة سردية أحادية تصنع من الريسوني بطلاً على حساب هتك عرض الحقيقة.
فالمنهجية هنا واضحة: طرق أبواب المحامين والشخصيات العامة بصفة “صاحب طلب”، مستجدياً مساهماتهم لتأثيث كتابه، لكن بمجرد أن يصطدم بقرار الرفض – وهو حق أصيل لكل حر يأبى الانخراط في مشاريع مشبوهة – يسقط قناع الاستجداء، ليظهر الوجه الحقيقي لسليمان الريسوني، وجه صاحب الإذعان الذي يخير ضحاياه بين الانصياع لرغباته أو مواجهة حملات التشهير.
من الاستجداء إلى الابتزاز: تشريح السقوط الأخلاقي
وتعتبر واقعة يوم 13 أبريل 2025، التي وثقها الأستاذ الإدريسي، دليلاً قاطعاً على هذا التحول المرضي. فبعد انقطاع تام للتواصل، وبمجرد خروجه من السجن بعد إدانته بتهم جنسية، تواصل الريسوني مع المحامي من رقم دولي (تونسي) طالباً مساهمته في مشروع هذا الكتاب المزعوم . وأمام الرفض القاطع للأستاذ الإدريسي، الذي واجهه مسبقاً باختلاقه لوقائع لم تحدث، انتقل الريسوني إلى المرحلة الثانية من المنهجية: وهي الابتزاز الصريح.
لقد وصل الانحدار الأخلاقي بالريسوني إلى ممارسة التهديد المباشر في حق الأستاذ الإدريسي: “فإما التعاون والمشاركة في الكتاب، أو نشر ادعاءات مكذوبة على لسان المحامي تحت ذريعة أنه سمعها من زملاء أو بقيت عالقة في ذهنه”! وهذا المنطق يعكس عقلية عصابات وليس عقلية قلم يزعم الدفاع عن الحريات، فكيف يمكن لمن يطرح نفسه ضحية للظلم أن يمارس أفظع أنواع الظلم المعنوي المتمثل في تقويل الناس ما لم يقولوه، واستعمال التهديد بضرب السمعة كأداة لليّ الأذرع؟
والشاهد هنا أن رد الأستاذ الإدريسي كان حازماً حين قال: “سليمان الذي كنت أعرفه، ليس هو من يتحدث معي الآن بمنطق فيه من الابتزاز والاختلاق أكثر من أي شيء آخر”. هذه الجملة تلخص حجم الصدمة في شخص تآكلت صورته حتى صار الابتزاز لغته الوحيدة.
التزوير كعقيدة: العثماني والإدريسي وآخرون في مرمى التدليس
لم تكن حالة الأستاذ عبد الصمد الإدريسي مجرد زلة عابرة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف الممنهج. عندما يفشل أسلوب الابتزاز، ويصر المستهدَف على موقفه الرافض للإذعان، ينتقل الريسوني إلى المرحلة الثالثة والأخطر: وهي التزوير والتدليس الكامل.
وفي هذه المرحلة، يتحول الخيال المريض إلى مادة للكتابة، حيث يتم اختلاق تصريحات، وتلفيق مواقف، ونسبة اقتباسات مزيفة لشخصيات وازنة بهدف تصفية الحسابات، وهذا بالضبط ما حدث مع رئيس الحكومة السابق، الدكتور سعد الدين العثماني، الذي وجد نفسه بدوره ضحية لادعاءات مفبركة لا أساس لها من الصحة. واليوم، يتكرر السيناريو حرفياً مع الأستاذ الإدريسي، وغداً مع آخرين.
إن هذا التكرار النمطي يثبت أننا لسنا أمام أخطاء مهنية، بل أمام “مؤسسة للتزوير” يقودها شخص فقد بوصلته الأخلاقية، مستغلاً تعاطف البعض في مرحلة سابقة، ليحوله إلى رصيد يبتز به الشرفاء. ويختلق لهم تصريحات، ويحور زيارات إنسانية كانت تهدف للبحث عن عفو (بطلب وإلحاح من أسرته)، ليجعل منها مادة لبطولات وهمية ومؤامرات لا توجد إلا في مخيلته.
حتمية فضح الابتزاز وضرورة التوثيق
أمام هذا العبث، لم يكن أمام عبد الصمد الإدريسي خيار سوى الخروج للعلن، ليس فقط للدفاع عن نفسه، بل لحماية الذاكرة الجماعية والرأي العام من التضليل، حيث إن إعلانه الاحتفاظ بكافة التوثيقات والمراسلات، واضطراره لنشر المحادثة الموثقة، يمثل خطوة مهمة لفرملة هذا العبث.
لقد أسقط هذا البيان ورقة التوت الأخيرة عن عورة ادعاءات الريسوني. فالذي زعم الصمود، تبين أنه كان يتوسل وساطات السياسيين عبر محاميه لطلب العفو. والذي زعم الدفاع عن الحقيقة، ثبت بالدليل القاطع أنه يحترف اختلاق الأكاذيب ويبتز بها الناس لملء صفحات كتاب وُلد ميتاً ومفتقداً لأدنى مقومات المصداقية.
وفي النهاية، لا يمكن بناء سردية تاريخية أو حقوقية على أسس من الكذب والابتزاز. فالتاريخ لا يرحم، والوثائق لا تكذب. وما ارتكبه سليمان الريسوني في حق شخصيات حاولت مساعدته يوماً ما، هو انتحار أخلاقي ومهني، يؤكد أن من اعتاد على تزوير الحقائق في الخفاء، لا محالة سيفضحه الله في العلن، وأن الابتزاز، مهما طال، لا ينتج إلا سقوطاً مدوياً لفاعله.
