لم تكن مفاجأة انتخابات 23 شتنبر في الأقاليم الجنوبية مرتبطة بالأسماء أو الأحزاب فقط، بل بالناخبين أنفسهم، فبينما استقرت المشاركة وطنيا عند 38.08 في المائة، سجلت العيون الساقية الحمراء نحو 77 في المائة، والداخلة وادي الذهب 61 في المائة، وكلميم واد نون أكثر من 53 في المائة، ليتصدر الجنوب المشهد بفارق كبير.
والأهم أن الأمر ليس قفزة ظرفية، ففي العيون الساقية الحمراء انتقلت المشاركة من 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، ثم 66.94 في المائة سنة 2021، لتصل إلى 77 في المائة سنة 2026. أربع محطات انتخابية تسجل فيها نسبة الحضور إرتفاعا متواصلا، ما يعني أن المشاركة تحولت من رقم انتخابي إلى سلوك سياسي متكرر ومتراكم.
فقد كان ممكنا تفسير نسبة مرتفعة في استحقاق واحد بالتعبئة أو حدة المنافسة أو خصوصية المرشحين، لكن استمرار المنحى خمسة عشر عاما يوضح الصورة ان الناخب في الجنوب يتعامل مع الانتخابات كقناة مباشرة لاختيار من يدبر الشأن العام ومن يحمل مطالبه إلى المؤسسات.
وقد سبقت الاقتراع حملة شديدة التنافس، خاصة في العيون، حيث خاض 22 حزبا السباق على ثلاثة مقاعد، وتحولت الأحياء والقاعات والتجمعات القبلية إلى فضاءات للتنافس والتعبئة. فجاءت المشاركة المرتفعة امتدادا لحركية سابقة لا ظاهرة اللحظة الأخيرة.
وتكشف الانتخابات أيضا أن القبيلة لا تزال حاضرة في البناء الاجتماعي وشبكات التعبئة، مع لقاءات مكثفة لشيوخ وأعيان ووجهاء دعوا إلى المشاركة أو دعموا مرشحين مختلفين. لكن استمرار العامل القبلي لا يعني أن المؤسسة الانتخابية أصبحت امتدادا آليا للقبيلة، بل إن البنية الاجتماعية التقليدية نفسها تتحرك داخل قواعد المنافسة الانتخابية، فالقبائل لا تتجمع خلف مرشح واحد ولا تصوت لحزب واحد، بل تتوزع المواقف والتحالفات وقد يصل التنافس إلى داخل المكون الاجتماعي نفسه، أي أن القبيلة بقيت مؤثرة لكنها لم تلغ التعددية الحزبية أو صندوق الاقتراع، بل أصبحت أحد عناصر صناعة الاختيار الانتخابي إلى جانب الحزب والمرشح والبرنامج والمصالح المحلية.
