أثار الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، أمام المجلس الوطني للحزب، نقاشا واسعا بشأن مدى قدرة السياسات العمومية التي تقودها الحكومة على الاستجابة لانتظارات الطبقة الوسطى وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة.
وبرز في الخطاب تركيز واضح على حصيلة الحكومة وما تعتبره إنجازات تحققت خلال السنوات الأخيرة، من بينها الرفع التدريجي للأجور، وتخفيف العبء الضريبي على بعض الفئات، وتعميم التغطية الصحية، إلى جانب إطلاق برامج للدعم المباشر والسكن والتمكين الاقتصادي. وهي معطيات قدمها بركة باعتبارها مؤشرات على توجه اجتماعي يروم تعزيز القدرة الشرائية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
غير أن هذه الأرقام والبرامج أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول مدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الإحساس بصعوبة الأوضاع الاقتصادية لدى شرائح واسعة من المجتمع.
ويرى متابعون أن الخطاب السياسي، مهما حمل من مؤشرات وأرقام، يظل مطالبا بالإجابة عن سؤال أساسي يتعلق بمدى إحساس المواطنين بأثر هذه السياسات على واقعهم المعيشي، خصوصا بالنسبة للطبقة الوسطى التي تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار السكن والخدمات الأساسية وتكاليف التعليم والصحة والنقل.
كما شكل ملف القدرة الشرائية أحد أبرز محاور خطاب الأمين العام لحزب الاستقلال، باعتباره موضوعا يحظى بأولوية خاصة لدى الرأي العام. ورغم تأكيد الحزب على حجم الاعتمادات المالية المخصصة للدعم الاجتماعي وبرامج الحماية، فإن العديد من الأصوات تعتبر أن الأثر الملموس لهذه الإجراءات لا يزال دون مستوى التطلعات، وأن الهوة بين المؤشرات الرسمية والشعور العام لدى المواطنين ما تزال قائمة.
وفي الجانب الاقتصادي، دافع بركة عن توجهات الحكومة الرامية إلى تعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية، من خلال تشجيع الصناعة المحلية والانخراط في القطاعات الواعدة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر وسلاسل القيمة العالمية. غير أن هذا التوجه يثير بدوره نقاشا حول مدى استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من هذه الأوراش، وحول قدرتها على خلق فرص شغل كافية ومستدامة، خاصة في ظل استمرار معدلات البطالة، ولاسيما وسط الشباب.
كما لم يغب عن النقاش موضوع الفوارق الاجتماعية والمجالية، إذ يرى متابعون أن البرامج الحكومية الموجهة لمحاربة الفقر والهشاشة، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في تقليص التفاوتات بالشكل المطلوب، سواء بين المدن والقرى أو بين مختلف الفئات الاجتماعية.

ويثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى انسجام الخطاب السياسي لحزب الاستقلال، الذي يقدم نفسه كمدافع عن الطبقة الوسطى والفئات الاجتماعية المتوسطة والضعيفة، مع بعض الاختيارات الاقتصادية التي رافقت المشاركة الحكومية، والتي يعتبرها منتقدون أقرب إلى منطق السوق والليبرالية الاقتصادية منها إلى المقاربة الاجتماعية التي يرفعها الحزب في أدبياته.
وشدد نزار بركة على أن الثقة تشكل المدخل الأساسي لبناء تعاقد جديد مع المواطنين، مؤكدا أن العمل الحكومي يهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمغاربة.
غير أن متابعين للشأن السياسي يرون أن استعادة الثقة لا ترتبط فقط بحجم البرامج والإعلانات، وإنما بقدرة السياسات العمومية على إحداث تغيير حقيقي يشعر به المواطن في دخله ومستوى عيشه وجودة الخدمات التي يتلقاها، معتبرين أن المعركة الحقيقية لا تزال قائمة على أرض الواقع، حيث تختبر يوميا فعالية الوعود والبرامج أمام انتظارات المجتمع وتحدياته المتزايدة.
