الخرجة المسيئة التي استهدفت فنانة مغربية من المفروض أن لا تُقرأ باعتبارها مجرد زلة فردية أو تدوينة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
القضية أعمق من ذلك بكثير. نحن لسنا أمام رأي مختلف أو نقد فني أو موقف سياسي، بل أمام خطاب يكشف خلفية فكرية وأخلاقية تبيح الانتقاص من النساء وتحول أجسادهن إلى مادة للسخرية والتجريح.
الاستهزاء الموجه لفنانة مغربية انحدر إلى مستوى أكثر خطورة حين استهدف جسد امرأة ومظهرها. وعندما يعجز البعض عن مناقشة الأفكار والمواقف، ويلجأ إلى التنقيص من المرأة عبر السخرية من شكلها أو جسدها، فإنه لا يسيء إليها بقدر ما يكشف عن حدود خطابه وعن النظرة التي يحملها تجاه النساء. إنها لغة لا تعبر عن قوة الحجة، بل عن ضعفها، ولا تعكس الثقة في الأفكار، بل الخوف من الاختلاف. بل وتكرس نظرة قاصرة ” لبيدية” قروسطية تحيل على مجتمعات بائدة، تجاوزتها المجموعات البشرية منذ قرون، وأقرت بتخلفها الشرائع الكونية والقيم الانسانية، التي ينخرط المغرب فيها منذ سنوات، ويسعى جاهدا لتكييف ترسانته القانونية مع رزنامتها المتجددة.

الفنانة المغربية، كيفما كان مجال اشتغالها أو طبيعة إبداعها، مواطنة كاملة الحقوق والكرامة، ولا يمكن أن تصبح هدفا للتنمر أو الإهانة لأنها اختارت التعبير عن نفسها عبر الفن. فالفن ليس تهمة، والإبداع ليس مدعاة للاحتقار، والرقص أو الغناء لا ينتقصان من قيمة صاحبهما. أما العار الحقيقي فهو تحويل جسد المرأة إلى أداة للمزايدة الأخلاقية أو لتصفية الحسابات السياسية.
والأكثر إثارة للانتباه أن مثل هذه الخرجات لا تبدو دائما معزولة عن محيطها الفكري والسياسي. فهي تعكس، في كثير من الأحيان، تصورا محافظا للمرأة، لا يتقبل حضورها الحر في الفضاء العام، وينظر بعين الريبة إلى الفن والثقافة وكل أشكال التعبير المنفتحة. وحين يجد هذا الخطاب من يبرره أو يتسامح معه أو يلتزم الصمت تجاهه، فإنه يتحول من مجرد رأي فردي إلى مؤشر على أزمة أعمق في الثقافة السياسية نفسه
.
