ضغط الروسيطة ومتاهة التطبيقات.. حينما تدفع دماء السائقين ثمن فراغ القانون

بواسطة الأربعاء 3 يونيو, 2026 - 08:54

عند السادسة صباحا، لا صوت يعلو في مقهى شعبي صغير بالقرب من محطة القطار المسافرين سوى قعقعة فناجين القهوة الساخنة وزفرات متقطعة لشابين يحدقان في شاشتي هاتفيهما.
هنا، خلف مقود سيارات نظيفة اقتنيت بقروض منهكة، تدور رحى معركة يومية صامتة. معركة لم تعد تبحث عن الربح فقط، بل أصبحت، منذ الفاجعة الأخيرة التي راح ضحيتها السائق الشاب المنحذر من سيدي الطيبي والذي وجد مقتولا بمنطقة طماريس بجماعة دار بوعزة، بحثا عن أمان المعيشي.

الروسيطة التي تقصم الظهر

في زاوية من المقهى، يجلس عادل (34 سنة)، مجاز في القانون العاطل عن العمل، والذي وجد في التطبيق ملاذا وحيدا للهروب من شبح البطالة وإعالة والدته. تظهر على ملامحه علامات سهر طويل، وهو يروي لنا بمرارة عيش السائق في المنطقة الرمادية.
( كل صباح أشغل التطبيق وأنا واضع يدي على قلبي. لسنا خائفين من العمل، نحن خائفين من المجهول. الزبون الذي يركب معك لا تعرف هويته الحقيقية، والمنصات لا تحمينا، وإذا أوقفتك شرطة المرور، فأنت في نظر القانون ناقل سري تواجه حجز السيارة (الفوريان) وغرامات تثقل كاهلك) .
يتنهد عادل ويمسح على وجهه المتعب متابعا: ( الحادث الأخير لم يكن صدمة بل كان متوقعا. عندما تشتغل في قطاع غير معترف بك فيه، تصبح هدفا سهلا لكل شيء: للاعتداءات، للمطاردات في الشوارع، ولتصفية الحسابات) ..
هذه الوضعية المهنية المأزومة تضع السائقين بين مطرقة الحاجة اليومية وسندان ما يعرف محليا في الأوساط المهنية بـ الروسيطة أو الإيجار اليومي المرتفع الذي يفرضه أصحاب الكريمات (المأذونيات) على السائقين التقليديين، مما دفع بآلاف الشباب إلى الهرب نحو التطبيقات بحثا عن هامش ربح مباشر يذهب لعرق جبينهم، لا لجيوب مستفيدين من امتيازات تاريخية.

معركة كسر العظم بين المؤذونية والتطبيقات

على بعد خطوات من تجمع أصحاب التطبيقات، يصطف عثمان (52 سنة) بسيارة أجرته الحمراء الكبيرة. يقضي عثمان نصف يومه في السير بين نقط المدينة لتأمين الروسيطة لصاحب المأذونية، وما تبقى من دراهم قليلة يقتسمها مع عائلته.
يقول عثمان بلغة حاسمة ونبرة غاصبة (نحن لسنا ضد التطور، لكننا دفعنا الغالي والنفيس للحصول على رخصنا ونشتغل في إطار القانون وبضرائب واضحة. كيف يعقل أن يأتي شخص بسيارته الخاصة ودون رخصة مهنية لينافسنا في أرزاقنا؟ إذا أرادت الدولة تقنين التطبيقات، فعليها أولا إنصافنا وحمايتنا من هذه الفوضى) .

هذا الصدام الميداني اليومي يختزل في عمقه معركة صامتة بين بنيتين اقتصاديتين؛ بنية ريعية قديمة تتشبث بنظام الامتيازات والمأذونيات الموروث منذ عقود، وبنية رقمية جديدة تفرض نفسها بقوة الأمر الواقع وبطلب مجتمعي ملح، لكنها تفتقر لأبسط شروط الحماية والمهيكلة.

في انتظار شجاعة المشرع

في غياب نص قانوني صريح وواضح يعوض القوانين القديمة، تظل الحلول الترقيعية هي السائدة في المشهد، غير أن مصادر مهنية متطابقة تؤكد أن وزارة الداخلية لم تعد تملك ترف الوقت للتأجيل، خصوصا وأن البلاد مقبلة على تظاهرات دولية كبرى على رأسها كأس العالم، وهو ما يستدعي ثورة حقيقية في منظومة النقل الحضري تنأى عن منطق العشوائية.
المطلوب اليوم، حسب فاعلين نقابيين وحقوقيين، ليس هو محاربة التكنولوجيا أو تكريس الريع، بل إخراج هذا القطاع الحيوي من عتمة السرية إلى ضوء التنظيم، وذلك عبر فرض التثبت الرقمي الصارم من هويات الركاب والسائقين لحماية الأرواح، ودمج السائقين الشباب في نظام الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية لإنهاء حالة الهشاشة، فضلا عن إيجاد صيغة توفيقية تدمج مهنيي سيارات الأجرة التقليدية في الطفرة الرقمية، لكي لا تظل دماء الشباب على الأسفلت ثمنا لفراغ تشريعي طال أمده.
وإلى أن يتحقق هذا التحول التشريعي المأمول، يستمر عادل وأصدقاؤه في تصفح شاشات هواتفهم بنوع من الترقب، ينطلقون مع كل إشعار برحلة جديدة نحو شوارع البيضاء المترامية، يحدوهم الأمل في كسب قوت اليوم، والعودة إلى بيوتهم سالمين.

آخر الأخبار

كيف انتهى هشام جيراندو في منصات "الخونة" في الفضاء الرقمي؟
يعيش النصاب والهارب من العدالة هشام جيراندو، أسوأ أيامه في الفضاء الرقمي، بعدما تهاوت الأوهام التي بناها طوال سنوات حول نفسه كـ”صانع محتوى” مؤثر. فقد شكلت الضربات المتتالية التي تلقاها مؤخراً نقطة تحول جذرية في مساره الانحداري، فمن جهة، جاءت التسريبات المدوية لـ “أطلس هاكرز” (Atlas Hackers) لتعري حقيقة عملياته المشبوهة وتكشف المستور عن طرق […]
"جيل تمغربيت" تحذر من تداعيات العزوف عن التصويت
على بعد أيام من الاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، ومع ظهور بعض الدعوات المحرضة على عدم التصويت، دعت منظمة “جيل تمغربيت” المواطنين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، مؤكدة أن الإصلاح السياسي لا يتحقق برفض الآليات الديمقراطية. وحذرت المنظمة من العزوف عن التصويت في ظل اختلالات المشهد الحزبي، ما يستدعي حسبها الانخراط في […]
خالد بوطيب يسدل الستار على مسيرته الكروية
أعلن الدولي المغربي السابق خالد بوطيب، اليوم السبت، اعتزاله لعب كرة القدم نهائيا ووضع حد لمسيرته الاحترافية، بعد رحلة حافلة بالمحطات والمشاركات البارزة رفقة الأندية والمنتخب الوطني. وجاء إعلان بوطيب (39 عاما) من خلال مقطع فيديو نشره على حسابه الرسمي في منصة “إنستغرام”، استعرض فيه أبرز لحظات مسيرته الكروية، معبرا عن فخره الكبير بالمسار الذي […]