التصوف المغربي والتحصين الجيوحضاري..البودشيشية أنموذجا

بواسطة السبت 30 مايو, 2026 - 11:09

بقلم الدكتور زكرياء لعروسي باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية

حين تدخل المجتمعات أطوار التأثر بالتحولات العميقة، التي تفرزها أنماط التدافعات الجيوستراتيجية العالمية، وتتزاحم داخلها المرجعيات المتعددة، وتتسارع وتيرة التفكك الرمزي الناتج عن اضطراب أنماط الانتماء، والدخول في صراعات ودوامات التشككات، تبرز الحاجة الملحة، إلى استحضار القوى الحافظة للتوازن الحضاري، وصون صرحها.. تلك التي لا يحكمها منطق التدافع الظرفي، وإنما منطق الامتداد التاريخي الذي يربط الأمة بأصولها المعنوية، ويمنح للوجود الجماعي قدرته على الاستمرار داخل الزمن. ومن هذا الباب يكتسب التصوف، باعتباره ثابتا من ثوابت الأمة، في التجربة المغربية دلالته الخاصة، باعتباره أحد الأنساق الروحية التي راكمت، عبر القرون، وظيفة تربوية وأخلاقية ووطنية، جعلت منه عنصرًا من عناصر الاستقرار الرمزي الذي حافظ على وحدة المجال الديني، وأمّن استمرارية المرجعية الجامعة للأمة المغربية.

مواجهة الاختراق الناعم

لقد أضحت التحولات الدولية المعاصرة تكشف، بصورة متزايدة، عن انتقال طبيعة الصراعات من المجال المادي الصرف إلى مستويات أكثر عمقًا وتعقيدًا، تتصل بإعادة تشكيل الوعي الجماعي وأنماط الإدراك، والتأثير في المرجعيات القيمية والرمزية للمجتمعات، بما يجعل الأمن الحضاري جزءًا لا ينفصل عن الأمن الاستراتيجي للدول. لذلك، يبرز ما يمكن تسميته بالتحصين الجيوحضاري، باعتباره قدرة الأمم على صيانة توازنها الروحي والثقافي والرمزي في مواجهة ديناميات الاختراق الناعم التي تنتجها العولمة المعيارية، والصناعات الرقمية العابرة للحدود، وآليات الهيمنة الإدراكية التي تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان وفق نموذج كوني متماثل، منزوع الخصوصية، ضعيف الصلة بذاكرته الحضارية ومرجعياته الأخلاقية.

 يتجاوز التدافع، ضمن هذه التحولات، السيطرة على الجغرافيا والثروات وموازين القوة، ويمتد ليشمل المجال الرمزي بما هو مجال لإنتاج المعنى وصياغة التصورات وتوجيه السلوك الجماعي، حيث غدت الهوية ذاتها ساحة للتدافع، وأصبح الإنسان معرضًا لاجتثاث هادئ من جذوره الثقافية والروحية عبر التدفق الكثيف للصور والقيم وأنماط العيش الموحدة. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى المؤسسات الروحية والتربوية القادرة على حماية التماسك المعنوي للمجتمع، وتجديد الصلة بالثوابت الجامعة، وبناء مناعة حضارية تحفظ للإنسان قدرته على التفاعل مع العصر دون الذوبان في نماذجه الاستهلاكية المهيمنة، بما يجعل التصوف المغربي، بما يحمله من رصيد تربوي ورمزي وأخلاقي، أحد المداخل الأساسية للمساهمة في هذا التحصين الجيوحضاري داخل السياق المغربي المعاصر.

لعب التصوف، تاريخيا، أدوارا ائتمانية، واكبت واجب الوقت، من منطلقات أن الصوفي ابن وقته، فبالإضافة إلى الممارسة التعبدية أو التجارب الوجدانية الفردية، يجسد أيضا بنية معنوية متكاملة تُنتج أنماطًا مخصوصة من الانتماء الوطني الوفي لعهود المواطنة، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والقيم، وبين الفرد ومحيطه، وبين الروحي والوطني، بما يسمح ببناء توازن دقيق بين متطلبات التزكية ومقتضيات العمران. ولذلك ارتبط تاريخ الزوايا والطرق الصوفية في المغرب بأدوار متعددة، امتدت من التربية والتعليم والإصلاح والدفاع عن وحدة الوطن، إلى الإسهام في صيانة المرجعية الدينية للمجتمع، ضمن علاقة ولاء تاريخية لإمارة المؤمنين باعتبارها الحاضنة الجامعة للثوابت الدينية والوطنية.

ترميم الوحدة الروحية

وإذا ما تأملنا في خطاب المؤسسات الصوفية لما لها من أهمية علمية، بما هي نصوص كاشفة عن طبيعة التحولات التي يعرفها الخطاب الديني المعاصر، وعن الكيفية التي يعاد بها بناء الشرعية الرمزية داخل المجال الروحي في سياق تتداخل فيه تحديات التواصل الرقمي، وبث خطاب العنف وانتهاك الحرمات، والإساءة للرموز، ونشر الأباطيل والجشع المادي، وأسئلة الامتداد المؤسساتي. نجد أنموذج البيان الصادر عن مجلس مقدمي الطريقة القادرية البودشيشية، في أبريل المنصرم، الذي لا يمكن اختزاله في بعده التوضيحي الظرفي، لأن بنيته الخطابية تكشف عن وعي متقدم بوظيفة الخطاب في إعادة إنتاج المعنى الجماعي، وترميم الوحدة الروحية، واستبقاء الصلة الجامعة بين السند التربوي والامتداد الوطني.

ويتجلى ذلك في الحضور الكثيف لمفاهيم السند والعهد والوفاء والثبات، وهي مفاهيم تتجاوز بعدها الوعظي لتؤدي وظيفة تأسيسية داخل البناء الرمزي للطريقة القادرية البودشيشية، بطبيعة الحال لا تحكمها نزوات الشهوة الفردية للأشخاص، ولا رسائلهم المشفرة التي لا يريدون أجوبة عليها (وقد أجابهم الوقت وصاحبه) ولا لفيفهم المقرون، إذ يتحول الثبات على العهد إلى صيغة لحفظ الاستمرارية الروحية، مع التشبث بالوصيتين، اللتين تؤكدان انتقال المشيخة إلى الدكتور مولاي منير، باعتبارها آلية لضمان انتقال المعنى داخل السلسلة التربوية، بما يحفظ وحدة الجماعة ويمنحها القدرة على تجاوز لحظات التحول الحساسة التي تعقب انتقال المشيخة، والتي نبهت في جوهرها لما يمكن أن يحصل من محاولات الادعاء، هنا وهناك، وضرورة تحصين الطريقة، وهنا تتجلى الخصوصية العميقة للشرعية الصوفية، باعتبارها شرعية تقوم على الامتداد المعنوي للسند، وعلى استمرار الوظيفة التربوية التي تحفظ وحدة المقصد وتماسك القصد.

ويكتسب حضور التشبث الكبير بإمارة المؤمنين، في عدة مواضع داخل هذا الخطاب دلالة ولاء وتشبت تتصل ببنية الوعي الديني المغربي نفسه، ذلك أن إمارة المؤمنين شكلت، عبر التاريخ، الإطار الجامع الذي انتظمت داخله مختلف التعبيرات الروحية والعلمية والمذهبية، بما أتاح للمغرب بناء نموذج ديني يقوم على التوازن بين السلطة والروح، وبين الدولة والتزكية وصون الثوابت الجامعة، ضمن وحدة حضارية حافظت على قدر كبير من الانسجام والاستقرار. ولذلك فإن استحضار الرموز الوطنية داخل المجال الصوفي يجسد تعبيرًا عن اندماج المرجعية الروحية في البناء الرمزي للدولة، بما يجعل الوفاء للوطن جزءًا من الوفاء للمعنى الجامع الذي ينتظم داخله مريدو الطريقة.. وإن إمارة المؤمنين شكلت الحصن الحصين في مواجهة دعوات الانحلال الفكري أو الأخلاقي، والادعاءات الباطلة والخروج عن الشرعية الروحية، حمايةً للملة والدين.

منطق الحضور التواصلي

ومن بين أبرز الأدوار في هذا الخطاب، نجد دلالة الدبلوماسية الروحية، باعتبارها أحد الامتدادات للوظيفة التاريخية للتصوف المغربي، ذلك أن التحولات الدولية المعاصرة أفسحت المجال أمام بروز أنماط جديدة من القوى الناعمة، تقوم على التأثير الرمزي والثقافي والأخلاقي، وهو ما منح للطرق الصوفية قدرة على المساهمة في الحوار الحضاري، وتعزيز صورة الإسلام المعتدل، وإنتاج شبكات تواصل عابرة للحدود، تستبقي البعد الإنساني للدين داخل عالم تتنامى فيه النزعات المادية والصراعات الهوياتية. ومن هنا يمكن فهم الامتدادات الدولية لبعض المؤسسات الصوفية، باعتبارها تعبيرًا عن انتقال الوظيفة الروحية من المجال المحلي إلى الفضاء الكوني، ضمن ارتباط ثابت بالثوابت الوطنية والمرجعية الدينية للمغرب.

كما تكشف هذه التحولات عن انتقال الفاعل الصوفي من منطق الانغلاق الرمزي إلى منطق الحضور التواصلي داخل المجال العمومي، حيث أصبح الخطاب الصوفي معنيًا بتوضيح مواقفه، والدفاع عن صورته، ومواجهة حملات التشويه والتأويل، بما يعكس تحولا عميقًا في طبيعة اشتغال السلطة الرمزية داخل العصر الرقمي. فالمجال الافتراضي لم يعد مجرد فضاء للتواصل، ويسعى لأن ينصب نفسه حكما لإنتاج الشرعية وإعادة تشكيل الرأي العام، الأمر الذي جعل المؤسسات الروحية مطالبة بإعادة بناء أدوات خطابها بما يحقق التوازن بين الوقار التقليدي ومتطلبات التواصل المعاصر.

وتبقى القيمة المركزية التي يحملها التصوف المغربي كامنة في قدرته على إعادة وصل الإنسان بأفق المعنى، داخل زمن تتسارع فيه مظاهر التفكك الروحي والجفاف القيمي، إذ تغدو التربية الروحية مجالًا لصناعة الإنسان المتوازن، القادر على الجمع بين الانتماء الديني والوعي الوطني، وبين الإيمان الأخلاقي والمشاركة الإيجابية في العمران. لذلك تستعيد الزوايا وظيفتها الحضارية باعتبارها مؤسسات لإنتاج السكينة الجماعية، وحفظ الاعتدال، وتكوين الوعي الأخلاقي الذي تحتاجه المجتمعات لصيانة وحدتها واستقرارها.

توازن وجودي

إن دراسة الخطاب الصوفي المعاصر أصبح مدخلًا لفهم تحولات الانتماءات والمجتمعات والشرعية والهويات داخل المغرب المعاصر، بما يجعل التصوف أحد الفاعلين الرمزيين القادرين على الإسهام في إعادة إنتاج التوازن الحضاري، وحفظ الاستمرارية المعنوية للأمة، ضمن أفق تتكامل فيه التربية الروحية مع مقتضيات البناء الوطني، وتتصل فيه التزكية بمسؤولية الإسهام في صناعة الحياة الطيبة التي تحفظ للإنسان كرامته، وللوطن وحدته، وللمجتمع تماسكه المعنوي والأخلاقي.

وفي خضم التحولات الكونية المتسارعة، وما تفرزه العولمة من إعادة تشكيل متواصلة لأنماط العيش والإدراك والانتماء، تبرز الحاجة الحضارية إلى هذه المؤسسات الروحية قوية، بما هي فضاءات لحفظ التوازن الوجودي للإنسان، وحماية الخصوصيات الثقافية من الذوبان داخل منطق التنميط الكوني السلبي الذي تسنده الصناعات الرقمية العملاقة وآليات التأثير الرمزي الجديدة. ذلك أن الثورة التكنولوجية المعاصرة، بما أتاحته من تدفق هائل للصور والمعاني وأنماط الحياة، أفرزت نموذجًا إنسانيًا مائعا، سريع التلقي، هشَّ الصلة بجذوره الروحية ومرجعياته الحضارية، تتنازعه أنماط استهلاكية متشابهة تسعى إلى إنتاج فرد منزوع الخصوصية، تتحكم فيه الخوارزميات أكثر مما توجهه القيم، وتصوغ وعيه المنصات الرقمية أكثر مما تصوغه مؤسسات التربية والثقافة والروح. ومن هنا تستعيد المؤسسات الصوفية والتربوية أهميتها، باعتبارها مجالات لإعادة بناء الإنسان من الداخل، الإنسان الكوني بوعيه وتفاعله مع محيطه الداخلي والخارجي، وقبوله للآخر وبث مكارم الأخلاق، مع صيانة المعنى في زمن التشيؤ، وحفظ القدرة على التمييز الأخلاقي في عالم تتسارع فيه عمليات تسليع الوعي وتفكيك الروابط الجامعة.

 إن التصوف، باعتباره ثابتا من الثوابت الجامعة، من حيث هو تربية على الحضور القيمي، وتزكية للباطن، وربط للإنسان بأفق التعالي عن سفاسف الأمور، يتيح إمكان مقاومة الاختزال المادي للوجود، ويمنح للهوية بعدها الحيوي المتجدد، القادر على التفاعل مع العصر دون التفريط في الأصول الجامعة، وجعل الآخر يؤمن بجديتها وأصالتها وراهنيتها، ولذلك تغدو الحاجة إلى المؤسسات الروحية حاجةً حضارية تتصل بأمن المجتمعات الرمزي، وبقدرتها على حماية ذاكرتها الثقافية واستمرارها التاريخي، داخل عالم تتعاظم فيه الضغوط المؤدية إلى تفكيك الهويات وإعادة تشكيلها وفق نماذج لا تعترف إلا بالإنسان المستهلك، المنفصل عن تاريخه، والمجرد من انتمائه الروحي والحضاري.

ومن المهم أيضا استحضار خصوصية التصوف المغربي، الذي يستمد رسوخه من كونه لم يتشكل باعتباره ظاهرة هامشية معزولة عن البنية العميقة للمجتمع، وإنما تداخل، عبر الامتداد التاريخي الطويل، مع مختلف مظاهر الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية، حتى غدا أحد المكونات المؤسسة للوجدان الجماعي المغربي، والحامل لقدر كبير من الذاكرة الروحية المشتركة. فقد أسهمت الزوايا والطرق الصوفية في تشكيل المجال الديني للمغرب، من خلال وظائف متعددة امتدت من التربية والتعليم والتحفيظ والإصلاح بين الناس، إلى إيواء العابرين وإغاثة المحتاجين ورعاية التماسك الاجتماعي داخل البوادي والحواضر، بما جعل التصوف حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، باعتباره ثقافة روحية متغلغلة في العادات والرموز والاحتفالات وأنماط التدين الشعبي المعتدل. ولذلك ظل التصوف، في التجربة المغربية، مجالًا لإنتاج السكينة الجماعية، وحفظ التوازن بين الشريعة والحقيقة، وبين التدين والسلوك، ضمن نموذج ديني اتسم بالاعتدال والوسطية والقدرة على استيعاب التنوع دون أن يفقد وحدته المرجعية. وتزداد الحاجة لهذا الحضور والامتداد الصوفيين وضوحًا في اللحظات التي تعرف فيها المجتمعات اضطرابًا قيميًا أو توترًا هوياتيًا، حيث تستعيد المؤسسات الروحية دورها في إعادة ترميم المعنى الجماعي، وتثبيت الإحساس بالانتماء، وبعث قيم التضامن والوفاء والتراحم، بما يؤكد أن التصوف المغربي عنصرًا حيًا ومتجددًا داخل البناء الحضاري للمغرب، قادرًا على التفاعل مع التحولات مع حفاظه على جوهره التربوي والروحي الأصيل.

آخر الأخبار

في رحيل ادغار موران.. العالم يفتقد فيلسوف النور والحكمة
حين أطفأ آخر الحكماء مصباحه  كان واحداً من آخر العقول الكونية الكبرى التي عبرت القرن العشرين بكامله تقريباً، ثم واصلت طرح الأسئلة نفسها على القرن الحادي والعشرين. وبرحيله عن عمر ناهز 104 سنوات، يودع العالم شاهداً نادراً على زمن كامل، عاش حروبه وأحلامه وانكساراته، وحاول أن يفهمه دون أن يسقط في يقين أعمى أو أيديولوجيا […]
لنعد إلى خرفاننا !.. ''Revenons à nos moutons''
‎الآن، وقد وضعت “حرب الحولي” أوزارها، نزعم أننا نستطيع الحديث بهدوء، أو بشيء كالهدوء مع بعضنا البعض، دون أن ندخل في أي شنآن من أي نوع مع أي كان، ونستطيع طرح بعض الأسئلة دون خوف من أن يطولنا سلاح “الجناوا”، والسكاكين المعدة للذبح الذي تم بالشكل الذي تم به على كل حال. ما الذي وقع […]
تجلب آلاف السياح..."ليردا" احتفالات الحلزون الذي أعطى للمدينة مكانة سياحية
“لييدا” كما تسمى حاليا بالاسبانية، او “ليريدا” كما اسماها العرب خلال فتوحاتهم. لعلها اخر مدينة وصلها المسلمون في فتوحاتهم لشبه الجزيرة الايبيرية، والتي تمزح بين التاريخ الروماني، الاسلامي، ثم مرحلة ما بعد ذلك كله.. تحتفل ليريدا سنويا بواحد من أكبر المهرجانات “الغريبة”، والذي يجلب الافا من السياح والزوار، إضافة لاشريك إعداد كبيرة من اهالي المدينة، […]