سفير الإمارات في المغرب يكتب: التعاون الثقافي الإماراتي المغربي: مبادئ راسخة وآفاق واعدة

بقلم: سعادة/ العصري سعيد الظاهري سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بالرباط

AHDATH.INFO

إن التعاون الثقافي قيمة استراتيجية في رسم طبيعة العلاقات الثنائية بين الدول، وهي السبيل الأمثل لمساهمة الشعوب في تعزيز العلاقات الودية والمستدامة بينهما، وكلما تقاربت وتوافقت الشعوب ازدهر التعاون الإقليمي بين الدول، وكلما تشنجت هذه العلاقات واتخذت مسار الصراع الثقافي والتعصب وعدم تقبل الآخر، تنعكس سلبيا على التعاون المشترك وتقوض التقدم الدبلوماسي بين الحكومات، ولهذا وعبر تاريخ الحضارات كانت وما زالت مختلف التجليات الثقافية والتراث الثقافي القوة المرنة في جمع الناس والمجتمعات لما لها من دور مميز ومواز في تحقيق الازدهار والتنمية المستدامة.
وانطلاقا من هذه القناعة، شكل التعاون الثقافي بين دولتي الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية الشقيقة لبنة أساسية في مسار العلاقات الأخوية والإنسانية بين البلدين، بحيث عزز ذلك من الشراكة المتطلعة نحو مستقبل أفضل للعلاقات الثنائية وللمصالح الحيوية على مختلف الأصعدة. ويحظى هذا التعاون الوثيق بأهمية قصوى لدى القيادة الرشيدة للبلدين، وتعتبره إحدى دعائم الأمن القومي أمام تحديات العصر، التي يفرضها عالم على أعتاب مرحلة جديدة. عالم تخترقه ثقافة النزعة القومية والإقصاء والاستبعاد والعنف. ومن خلال التلاقح الثقافي، نستطيع بناء صداقات بين الشعوب وتنمية إنسانها الحامل لقيم التسامح والعيش المشترك في آفاق إنسانية رحبة. ولذلك، يبقى التبادل الثقافي والتعليمي غاية نبيلة تصبو إلى تعزيز التفاهم والتناغم ومد جسور التعاون والحوار، وخلق علاقات طيبة بين الشعبين اللذين تربطهما عدة قواسم مشتركة، وينتميان إلى ثقافة كانت وستظل متطلعة للعالمية، تنشد قيم السلم والحوار ومبادئ التعدد والاختلاف.
كان للرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة ووعيها المبكر بأهمية البعد الثقافي في التنمية الشاملة، الفضل في توفير الظروف المواتية لتطوير الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية، بوصفها استراتيجية وطنية تهدف إلى النهوض بالقطاع وتعزيز حجمه وزيادة إمكانياته، وتحفيزه ليكون ضمن أهم عشر صناعات اقتصادية بالدولة، وتهدف الاستراتيجية التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربي إلى تعزيز مكانة الدولة على خريطة الإبداع الثقافي العالمي ومؤشرات التنافسية العالمية في هذا المجال، وإبراز دور دولة الإمارات المحوري في تمكين وإلهام الكفاءات البشرية المبدعة، وأن تكون الوجهة الجاذبة للمبدعين في المجال الثقافي من مختلف أنحاء العالم. كما تنفتح على باقي الثقافات العالمية من خلال مواصلة استضافة المهرجانات السنوية للاحتفال بالثقافات المتعددة حول العالم ورعاية المعارض الفنية ودعم مبادرات إحياء الموروث الثقافي وتثمينه.
نعم إن هذه الرؤية الطموحة الواعدة هي بمثابة حلم مشترك مفتوح على شعوب العالم المؤمنة بقيمها ومبادئها. وتأتي المملكة المغربية الشقيقة على طليعة الدول الداعمة لها، إن لم نقل إنها كانت سباقة في هذا المضمار. علاوة على هذا، هناك قواسم مشتركة بين الإمارات والمغرب تطال كافة مناحي الحياة الثقافية، بحيث إن الشعبين الإماراتي والمغربي يتميزان بالغنى الثقافي ويتقاسمان ولع الاهتمام بالثقافة وترسيخ الموروث الثقافي بكل تفاصيله في الذاكرة الإنسانية الحية، وتربط بينهما أواصر أخوية وعلاقات تاريخية تعود لسنين طويلة غزلتها عادات وتقاليد مشتركة ومتقاربة يصعب التمييز بينهما. ونعثر عليها بين صفحات التراث بمختلف مكوناته وعناصره التي ترسم صورة بانورامية لطبيعة روح هذين الشعبين المحبة لقيم الحب والتسامح والحياة. ولأجل تحصين هذه الروح المبدعة واستمرار شعلتها متوقدة في درب الخلق الفكري والإبداع، كان لزاما تأسيس وبلورة هذا التعاون والبحث عن آليات تدعمه وتفتح قنوات للحوار والتكامل وتوحيد الرؤى حتى تنسجم مع الدينامية المنطلقة للثقافة الإماراتية والمغربية.
تضرب جذور التلاقح الثقافي بين دولة الإمارات وشقيقتها المملكة المغربية في عمق التاريخ. واتخذت طرقا وأشكالا بحسب الإمكانات التي أتاحتها أطوار التاريخ المتعاقبة، ولعبت فيها المؤسسات الرسمية وغير رسمية أدوارا محورية في التعريف بالإنتاجات الثقافية من خلال الندوات واللقاءات العلمية والدورات التكوينية ومعارض الكتاب والمهرجانات الفنية والأيام الدراسية الثقافية، وغيرها بالبلدين. وفي هذا الصدد؛ أستذكر تجربة متميزة ساهمت في التواصل الثقافي بين البلدين، وهي "مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية"، وما راكمته من منجزات بحيث تفوق 90 كتابا ناهيك عن المقالات والدراسات التي توثق لتاريخ علاقة هذين البلدين الشقيقين.
واستمر هذا التعاون يكتب قصته عبر الأيام والأعوام بمداد الاعتزاز بالذات والاحترام المتبادل ليشهد في السنين الأخيرة تدفقه اللافت ووهجه الساطع الذي طال مختلف مفاصل الجسد الثقافي. وما يجسد هذا الوهج والتدفق هو احتضان عاصمة الإمارات العربية المتحدة أبو ظبي من الفترة الممتدة من 4 إلى 11 ديسمبر 2015 لمعرض "الأسبوع المغربي التراثي"، والذي احتضنه مركز أبو ظبي الوطني للمعارض ونادي أبو ظبي للفروسية، وذلك تحت رعاية جلالة الملك محمد السادس والمغفور له سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان "رحمه الله"، تزامناً مع احتفالات الإمارات العربية المتحدة باليوم الوطني الرابع والأربعين.
وفي سنة 2016 شاركت دولة الإمارات في الدورة الـ (10) كضيف شرف في مهرجان الناظور الدولي للشعر بمدينة الناظور بشمال المملكة المغربية، برعاية "هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام". كما شاركت في الدورة الثانية عشرة وكذلك الدورة الثالثة عشرة 2017 من موسم طانطان الثقافي المقام بجنوب المملكة، والذي شكل فرصة للتعريف بجهود الإمارات في تسجيل عناصر التراث المعنوي ضمن قائمة اليونسكو للتراث الإنساني غير المادي.
هذا غيض من فيض التعاون الثقافي المستمر في الزمن بشكل متطور والمثمر بالنتائج التي تنعكس إيجابا على حياة الشعبين، ومن خلاله يستطيعان استيعاب ما يدور حولهما وفهم القضايا الكبرى التي تشغل ضمير العالم. فالاهتمام بالتثقيف والثقافة هو: أولا ضرورة لا غنى عنها حتى نفهم ذواتنا ونفهم الآخر في نفس الوقت. وثانيا: نبني من خلال هذا التعاون بناء أرضية ثقافية لفتح أبواب والتواصل ونمد يدا للتعاون والتضامن لكي نعيش بأمن وسلام. ويمكننا أيضا بواسطة هذه القوة الناعمة أن نسمع صوتنا ونوصل قضايانا العادلة. وتكون مساهمتنا في البناء الحضاري متوافقة مع قيمنا وثقافتنا المنفتحة التي تنشد السلم والسلام لكافة شعوب الأرض.
ومن خلال ما تقدم ذكره، أنه من الأهمية بمكان الحرص على مواصلة الجهود المبذولة رغم الإرباك الذي فرضته تداعيات جائحة كوفيد19 في تحقيق الإنجازات على كافة الأصعدة، والمضي قدما نحو آفاق جديدة من التميز والازدهار في التعاون والتبادل الثقافي بين البلدين من خلال النهوض بسبل التعاون الثقافي وتبادل المراكز الثقافية والتعليمية بما يلبي تطلعات القيادة العليا وشعبي البلدين التي تستمد مناعتهما من أسس الأخوة الصادقة والتضامن الدائم والتعاون المثمر التي أرسى أسسها المغفور لهما الملك الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان" طيب الله ثراهما".

تعليقات الزوّار (0)