محمد كلاوي يكتب: أسواق الثقافة الجديدة

محمد كلاوي

AHDATH.INFO

إن التطور الهائل للمنظومة التقنية الذي انطلقت بوادره الأولى مع نهاية القرن التاسع عشر واستكمل ذروته عند متم القرن الماضي، قد ضاعف من مسافة التباعد بين التقدم العلمي ومجموع القيم الأخلاقية والاجتماعية. فالإشكالات الجديدة التي أصبحت تواجه الإنسانية تعود بالأساس إلى كون الثورات التقنية لا تراعي المحددات الروحية ولا تخضع لثقل الأبعاد الميتافيزيقية في تمييز ما هو انساني وما هوغيرإنساني وما هو خير وما هو شر... في نسج العلاقة بين الحضارات والأمم، أي بين تلك التي تتحكم في سير آليات التطور وتلك التي ليس لها عليه أي سلطان. من هنا مبعث القلق الوجودي الذي يؤرق المثقف المعاصر حيث أصبح يخشى أن تؤدي الوتيرة المتسارعة للتقنية على حساب المبادئ إلى انتفاء كل الخصال التي تحفظ للإنسان إنسانيته.

وفي الوقت الذي كانت فيه الآمال تعقد على التقارب بين الشعوب بفضل العولمة والتكنولوجيا الرقمية، فلا يظهر إلى حدود اليوم أن الوحدة المنشودة بين الثقافات تسير في الوجهة المأمولة. وعلى العكس من ذلك، بدأت تلوح في الآفاق مؤشرات عدة تدفع إلى الاعتقاد بأن العالم العربي ـ الإسلامي بالخصوص، لم يستطع الاندماج في هذه الوجهة للتاريخ، بل إنه ما فتئ يقاوم بشراسة يائسة كل رغبة للجنوح في هذا الاتجاه، إن لم نقل إنه يسير في الطريق المعاكس. وعلى أية حال فلربما يكون من البديهي أن تنجب العولمة ـ وفقا لسنن الطبيعة ـ المنبوذين من أبنائها والخارجين عن منطق سيرها.

صحيح أن انتشار القيم الديمقراطية ومفاهيم حقوق الإنسان المتفرعة عنها قد عبد سبيل الارتقاء إلى المعرفة، لذا شهد الحقل الثقافي تغييرات حاسمة تأثر بفعلها الدور الطلائعي للمثقف التقليدي ـ وهذا ما يحدونا بالأساس إلى طرح هذه اللبنات بغية التأمل والتفكير في الوضع الراهن الذي يوجد عليه المثقفون الجدد والكيفية التي يستغلون بها مجتمع الفرجة أو يستغلهم بها، كروافد للترويج الثقافي بغض النظر عن قيمة منتوجاتهم الحقيقية في دائرة العلم والمعرفة. ولقد كان بالإمكان ألا يستأثر هذا الواقع الجديد بالاهتمام لولا أن التوظيف الذي يقوم به للحياة الثقافية من لدن هؤلاء المثقفين أو الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم كذلك، لا تخلو من انعكاسات جلية، سلبية في الغالب، على طريقة التفكير والعمل عند المتلقي. قد يكون من المفترض مبدئيا ألا ينزعج الديمقراطيون من هذا الاكتساح الذي يختلط فيه الحابل بالنابل وألا يروا فيه عائقا ما داموا يؤمنون بالحق في الاختلاف والحق في التعبير، غير أنهم مطالبين بالموازاة بعدم التخلي عن دورهم في الترشيد والتحذير من خطر هذا &الفائض في الديمقراطية& الذي يخلط بين الثقافة والتمييع الفكري وبين العلم والتبليد. ذلك أن المسألة تحتمل حجما أكثر خطورة في المجتمعات غير المحصنة ديمقراطيا والغير مهيأة عقلانيا أمام زحف الصور والتعاليق. فحين تكون نسبة الأمية على درجة مهولة من الارتفاع ويكون الرأي العام في جهل لحقيقة الأمور، فإن كل الانزلاقات المحتملة قد تتسرب تحت ذريعة الحرية والحق في الإعلام، فمنذ سنوات ونحن نشهد كيف أصبحت التنافسية بين قنوات التواصل العربية رديفا للأدلجة بعد أن تحولت شاشاتها إلى منابر دعائية باسم الحوار وتبادل الأفكار دون أن تجد لها أدنى صدى كل النداءات المتعالية، هنا وهناك، من طرف دعاة الخطاب العقلاني.

في نفس السياق، لم يكن غريبا، إلى حد ما، أن تتواكب موجة التطرف في الخطاب الإعلامي الغربي، الساعي دوما إلى اقتناص المواضيع المثيرة، مع احتضان بعض الفنانين من أمثال الشاب خالد والشاب مامي والفكاهي جمال الدبوز وبعض المبدعين كالروائي سلمان رشدي وحتى بعض الكتبة المزعومين مثل تسليمة نسرين... والذين لو قدر لهم أن ظهروا في ظرفية مختلفة، لداستهم عجلة اللامبالاة، وليست هذه المفارقة حكرا على الإعلام المكتوب أو المرئي، إذ أن هناك فئة من الدارسين الجامعيين قد وجدوا ضالتهم في &الإسلامولوجيا& باعتبارها قناة جاذبة لحد جعلوا منها مهنة. ليس معنى هذا أن بعضا من أعمالهم لم تكن على قدر من الأهمية، لكن ولادتها في أحضان الموضة الثقافية قد بدد كثيرا مما تكتسيه من مصداقية، من هنا تتشرع كل الأسئلة حول ما إذا كانت الاستلهامات والأحكام المرعبة لهؤلاء حول الاكتساح العارم للمد الأصولي هي التي أضفت عليه شرعية الوجود وضخمت من حجمه الحقيقي لتنتهي إلى وضع بعض المجتمعات تحت هول خطر إسلامي، هو محتمل أكثر مما هو حتمي. إنه الوجه الآخر للتطرف، ذلك الذي تخفيه أقنعة ليس بمقدور أصحابها تعريته.

من ناحية أخرى تندرج مثل هذه المبادرات التمييعية للثقافة في العالم العربي ضمن الاستراتيجية المعهودة للسلطة والرامية إلى احتكار الحقل السياسي عبر تزكية اللاتسييس الجماعي، وهي مبادرات سبق تفعيلها عبر أساليب أخرى بهدف تكسير كل محاولة لتنمية الحس النقدي لدى المواطن، وقد لعبت القنوات الفضائية دورا خطيرا في هذا الاتجاه إذ يكفي التنقل عبرها للتحقق من ذلك، غير أن هذا المسلسل القاضي بتحييد الحياة السياسية لم يعد سهلا أو ذا جدوى بعد أن تم احتواء الحياة العامة ضمن التحولات التي ترافقت مع الحملة الضاغطة للثورة التكنولوجية الجديدة.

فإذا ما لم يستوعب صانعوا القرار حتمية هذا التغيير فإنهم سيتمادون في غفلة عن حركية الزمن، في فبركة سياساتهم الترقيعية التي تتأسس خارج منطق العصر وبالمقابل سوف تظل ولو مرحليا نسب كبيرة من عموم الناس، في التماهي مع إغراءات الخطب المشحونة والواعدة للمتطرفين. لقد وفر المناخ التعددي لهؤلاء فرصة سانحة لتحويل وسائل الإعلام والصحافة المكتوبة، سواء بمباركتها أو بالرغم عنها، إلى أبواق دعائية بدعوى الاختلاف في الرأي، ويجوز القول في هذا المضمار بأن برامج &النقاش السياسي& ليست إلا بدائل لنفس النقاش المغلوط والمغرض في جل الأوقات، فكيف نستسيغ حديثا ديمقراطيا بين أطراف تنتفي في نقاشات أغلبهم كل مواصفات الديمقراطية؟

فكثيرا ما شاهدنا متدخلين ينددون بالديكتاتورية دون أن يفصح كلامهم على أنهم أقل سلطوية في التفكير. فهم يثرثرون ويصرخون ويتشاتمون وتكفهر وجوههم غضبا، وتلك سمات الدعاة المبشرين الذين يستبيحون كل الوسائل من أجل إسماع صوتهم، ولست أعرف منطقا يعتمد الصراخ والإقصاء إلا عند الجهلة الذين ليس لديهم في واقع الأمر ما يقولونه.

بالمقابل تثير الهالة التي يحظى بها النظام الأوكراني، وهو ليس أقل شرا من نظام بوتين، لدى الفئات العريضة من حكام الغرب الليبرالي منذ اندلاع الحرب الروسية -الأوكرانية، خصوصا إذا علمنا أن هذا العالم الغربي ذاته، ظل سابقا خلال الحرب ضد العراق، غير مكثرت بالدور الذي يقوم به الإعلام الفضائي في تلميع صورة الإرهابيين. وما من شك في أن استقطاب هذا الفضاء آنذاك من طرف الحركات الإسلامية يدخل في استراتيجية دعائية محكمة قد تفسر من جانب آخر، تناسل الفتاوى وإقامة الحدود التي أصبح الثوار الجدد يمطرون بها العالم عبر قنواتها. وفي سياق هذه الأزمة الثقافية لم يعد مستغربا أن يتعرض لشبح الموت على أيدي شاب متطرف، رمز الروائيين المعاصرين العرب نجيب محفوظ. فقد ظل هذا الأخير طوال مسيرته الإبداعية على غرار العديد من المثقفين المتميزين بأصالتهم، يحظى بالكثير من التقدير لكونه لا ينطق بالحقائق الوثوقية المطلقة، وإذا أصبح في لحظة ما مثار اهتمام الأضواء الإعلامية، فلأن الفعل الإجرامي الذي استهدف اغتيال العقل من خلاله، صيره منتوجا للاستهلاك دونما اكتراث في العمق بقيمته الجوهرية.

وما دامت الأخلاقيات التجارية للوسائط الإعلامية لا تحتمل المنتوجات الدسمة، فسوف يظل المثقفون يوفرون لأنفسهم كل الوقت للتأمل في مشروعهم الفكري وفي شروط إنتاجه، غير قابلين للاستهلاك. لقد صارت البضاعات الفكرية في الأسواق الثقافية الجديدة توزع بالتقسيط تماشيا مع شروط استهلاك المأكولات الخفيفة، وأصبح المثقف الجديد هو ذاك الإنسان القادر على اقتحامها كما يقتحمها صانعو الكليبات...

يبقى أن على مستهلك هذه السلع السهلة في الهضم أن يؤدي ثمنا يعسر ابتلاعه، هو الهزالة والابتذال.

تعليقات الزوّار (0)