ما السر وراء شخصية الفنانة المقتدرة فضيلة بنموسى ؟

ذ. عبد الغني أبو العزم

AHDATH.INFO

ما معنى ثقافة الصورة التي يمتلكها الفنان لأداء الأدوار المطلوب تشخيصها في ضوء قواعد محددة ؟ سواء على خشبة المسرح، أو في فيلم معين، أو في مسلسلات متلفزة ؟ وهل يمكن فصل الصورة عن الصوت ؟ يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة في سياق التكوين الفني الذي يملكه كل فنان، هل الأمر يخضع للارتجال يترك لعفوية الفنان ؟ يمكن القول إن ثقافة الصورة وماهيتها تخضع لضرورة التكوين، ومعرفة الحقول النفسية، والقدرة على الإحساس بما يراد تمثيله من حالات، واستيعابه لمشاكل الناس داخل المجتمع؛ وهنا أعيد طرح السؤال بصيغة موجزة، هل هذه الصور المعبر عنها خاضعة لتقنية إخراج ما ؟ أوهي متروكة لعفوية الفنان ؟ وللإجابة عن مجمل الأسئلة المطروحة يمكن أن نجيب عنها من خلال الصور التمثيلية التي تقدمها الفنانة فضيلة بنموسى مع استعراض لأوجهها. أود التذكير هنا لقد سبق لي أن قدمت عرضا حول ظاهرة الطبقات الصوتية عند الفنان الأصيل المرحوم حسن الجندي بمناسبة تكريمه بمدينة مراكش، وما أبرزته من مكونات طبقات صوته وإيقاعاته، سواء في مسلسل سيف بن ذي يزن أو أدائه الصوتي لمشاهد من ألف ليلة وليلة.
لقد تتبعت مختلف الصور التمثيلية التي تظهر فيها الفنانة فضيلة بنموسى في ضوء المسلسلات الرمضانية كما حرصت على مشاهدة بعض أعمالها المسرحية السينمائية على اليوتوب في محاولة لاكتشاف سر شخصيتها التمثيلية ولتكتمل الرؤية عن الصور المطلوب أدائها .٠
لقد لاحظت أن مختلف الصور التي تقدمها الفنانة فضيلة بنموسى تتحكم فيها اللحظة المولدة لها، بعيدة عن التصنع، أو تقنية الإخراج، لما تملكه من قدرات فنية، وقدرتها على تقمص الأدوار التي تؤديها، وهي تشمل فئة عريضة من المجتمع المغربي بأوسع دلالته، حيث تظهر من المرأة الصالحة إلى المرأة الأم، أو المرأة الفقيرة، أو المرأة الزوجة، أو المطلقة، حيث تبرز شخصيتها الفنية، وكل دور يأتي مختلفا عما سبقه، فالمرأة الضاحكة تؤدي دورها حسب معايير الضحك، ولأن الضحك أنواع، ضحك صاخب أو ساخر، وضحك يصعب التحكم في نهايته إذا لم يتمكن الفنان من ضبط إيقاعه، ولأن الضحك تختلف إيقاعاته حسب مضمون الكلام، أو الحديث، كتلك الضحكة الصاخبة وراء (الفلوكة)، وكل ضحكة تخضع لإيقاعاتها ولحظتها المولدة لها، ومن أنواع الضحك المبطن ضحك كالبكاء تنتقد فيه مظاهر شتى، كانتقاد حالات الفساد، تقدم بطريقة مضحكة مما يبعث على البكاء، في هذه الحالة تكمن براعة فضيلة بنموسى في تقمصها للدور الذي تؤديه إلى حد إثارة الشفقة. ومن بين الأدوار التي تؤديها تتجلى في المرأة الحزينة، وهي تعيش لحظات مثقلة بهموم، في هذه الحالة تظهر ملامح فضيلة بنموسى معبرة عن مكنون أحزانها، للوقوف على سر من أسرار ذاتها وشخصيتها الفنية، حيث تنسجم وحالاتها الحزينة، وهكذا يبدو أن أداء دور المرأة الحزينة يتطلب إظهار ملامح الحزن العميق، والكشف عن تعابيره من خلال نظرة العينين وتقلص تجاعيد الوجه، ويلاحظ في هذه الحالة أننا نجد الفنانة فضيلة تتمتع بقدرة هائلة للكشف عن حالة من حالات النفس والذات، كأنها هي المعنية بالأمر. يعد هذا الاندماج حالة من حالات الدور الذاتي الذي تؤديه وكأنه صادر عن تجربتها.
ومن بين الأدوار التي تؤديها الفنانة المرأة الزوجة، أي المرأة الخاضعة لرغبات زوجها، ففي هذه الحالة يبرز دورها لأداء ما يفرض عليها الوفاء ضمن التقاليد المتعارف عليها، وهي في ذات الوقت تتضمن حالة الرفض والرغبة في انعتاقها من وضعية الخضوع للأمر الواقع، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى نقد النقد، وهذه فضيلة من فضائل فضيلة بنموسى.
وعندما تأتي حالة الطنز نجد تعبيراته واضحة في تقاسيم وجه الفنانة المقتدرة في منتهى الكشف عن خفاياه، وذلك بالعض على الشفة السفلى، وتحول العينين إلى جهة اليسار، وتقضيب تجاعيد الجبهة، وانتفاخ الشدقين من دون إشعار المعني بالأمر.
وكذلك ما يتعلق بظهور ابتسامة خفيفة، أو عريضة، أو حنان، معبر عنه بحركة دالة، أو غضب قائم، يظهر من خلال تجاعيد الوجه، وبحركة عصبية.
يلاحظ في كل ما ذكرناه بروزالقدرة الفنية التي تتعامل بها الفنانة فضيلة بنموسى مع مجمل القضايا المطروح معالجتها فنيا وواقعيا، وهي بذلك تذكرني بالتجربة الرائدة للفنانة المصرية أمينة رزق، ومن دون إقامة أي مقارنة بينهما لاختلاف مسارهما، وطبيعة تطور مجتمعهما فنياً وسينمائياً ومسرحيّاً.
وفي جميع الأحوال، تبقى الفنانة فضيلة ملتصقة بمدينتها ووطنيتها، تنقل لنا همومها وأحزانها وغضبها وابتسامتها وفرحها، وفي كل حالاتها تظل فضيلة هي فضيلة.

تعليقات الزوّار (0)