العشوائية تلتهم أرض الشرفاء..!!

رشيد قبول/ت: محمد العدلاني

عن: جريدة الأحداث المغربية

كرامة معلقة واستثمارات جامدة بسبب وضعية عقار محبس بسيدي رحال الشاطئ

تقف وضعية عقار الشرفاء بسيدي رحال سدا منيعا أمام كل تنمية بالمنطقة وتجمد كل محاولات الاستثمار والاستغلال القانوني للأراضي المحبسة التابعة لوزارة الأوقاف. ويطالب المتضررون بالمنطقة بتسوية هذه الوضعية كي تدور عجلة التنمية..

بين وقف عام تشرف عليه الوزارة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتسيره، وآخر خاص من المفترض أن المستفيدين منه أحق بتسييره وتدبيره واستغلاله فيما يعود عليهم بالنفع، لأن غاية الموقف كانت تحسين أوضاع المستفيد.. بين هذا وذاك تختلف وتيرة الترخيص بالاستغلال أو الاستثمار في الشق الثاني من الوقف، الموسوم ب "الخاص"، حيث هذه تأبى العملية أن "تتزعزع أو تتحرك"، لتظل حقوق المستفيدين من أجل استغلال هذا الوقف المتجسد في عقار تم تحبيسه على أشخاص بعينهم، عرضة للتسويف، فتكون النتيجة استغلال غير مشروع يحول مساحات أرضية مهمة إلى منازل وبنايات عشوائية، تشوه المجال، وتخرق قانون التعمير، وتساهم في تجزيء عشوائي يفرخ أحزمة البؤس، وسكنا غير لائق، تصرف الدولة ميزانيات مهمة من أجل  اجتثاثه...
فيما يلي استعراض لمشاكل عقار محبس على الخواص بجماعة سيدي رحال الشاطئ، ضمن نفوذ عمالة إقليم برشيد، يقول المستفيدون منه إن "عدم سعي وزارة الأوقاف إلى إيجاد حل له يجعله مستباحا من طرف لوبي البناء العشوائي"...

سيدي رحال.. التنمية المؤجلة


سيدي رحال الشاطئ منطقة الحضرية التي لا تبعد عن مدينة الدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية للمملكة)، إلا بحوالي 30 كلمترا، حيث تقع هذه الجماعة على الطريق الساحلية الموسومة بطريق آزمور.
وإذا كانت سمة بعض الأراضي بالجماعات القريبة أو البعيدة تتركز على أنها تضمن أراض للجموع أو الأراضي السلالية، أو الأراضي المسترجعة من طرف الدولة، فإن جماعة سيدي رحال الشاطئ يشكل العقار المحفظ، ذو الرسم العقاري الذي يحمل رقم (13990س)، النواة الأولى لهذه المنطقة، إذ تبلغ مساحته 491 هكتارا، وتقطنه حاليا ساكنة مهمة، يقدر تعدادها بالآلاف.
عقار محبس حبسا معقبا، ويعني الحبس المعقب أن المحبس عليهم لايملكون حق التصرف في "الرقبة" (*)، ولكن يملكون حق الانتفاع والاستغلال للعقار بجميع أوجهه القانونية.
ولكون هذا العقار خاضعا لوثيقة الحبس، فإن هذا الأمر يجعل وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، هي الوزارة الوصية على هذا العقار وهي المعنية بتسييره ومراقبته وتنظيمه.
وبما أن انشاء هذا الحبس على هذا العقار تم منذ أكثر من 200 سنة، كان عاديا أن يعرف هذا العقار - كباقي مناطق المملكة - تغييرا ديموغرافيا ونموا كبيرا سواء بالنسبة للأشخاص المحبس عليهم أو ذويهم أو الوافدين إليه.
ولعل هذا ما جعل الإدارات الترابية السابقة التي تخضع منطقة سيدي رحال لنفوذها، حسب ما صرح به لجريدة (اﻷحداث المغربية) "محمد زكرياء" عضو جمعية "مستثمري وقاطني سيدي رحال الشاطئ": "تستشرف هذا النمو وتقوم بالتفعيل الجزئي لتراخيص البناء والتجهيز على العقار منذ حوالي 1970"، مشيرا إلى أن "هذه الإدارات قامت بصياغة وتفعيل تصميم تهيئة يغطي هذا العقار منذ سنة 2001".

ولكن، وبعد لكن هاته يطفو على السطح ذكر ما باتت المنطقة تعانيه نظرا للسعي المتواصل لتعقيد عملية الاستغلال، ذلك، إذ أكد المتحدث ذاته أن "التطور والنمو الديموغرافي المستمر والطبيعي على هذا العقار المحبس، لم يصحبه - كما يرى مستغلو مساحات أو بقعة أرضية من هذا العقار- حيث غاب "التأطير والمواكبة من الوزارة الوصية، كما كان يجب أن يكون عليه الحال" حسب التصريحات التي استقتها الجريدة.
وحسب ما أكده "محمد زكرياء"، فإنه "بالرجوع بضع عقود إلى الوراء، ومع انطلاق السنوات الأولى للألفية الثالثة، كانت السلطات الاقليمية تحت ضغط الساكنة، وتبعا لروح المسؤولية والمبادرة والعزيمة التي يتمتع بها المسؤول الأعلى لهذه السلطة، هي الساعية لاتخاذ المبادرة وصياغة حلول استعجالية وآنية، حتى ولو كانت متأخرة وعلى استحياء وبفترات منقطعة ومتباعدة"، حسب ما صرح المصدر نفسه، وهو واحد ممن اختاروا اقتحام مجال الاستثمار في منطقة سيدي رحال، والإشارة واضحة إلى أحد رجال السلطة الذي سبق له أن تقلد أمور تسيير المنطقة عندما كانت خاضعة لنفوذ عمالة اقليم سطات، وقبل إحداث عمالة اقليم برشيد التي صارت جماعة سيدي رحال الشاطئ تابعة لها.
إذ كانت "توصيات هذه السلطات دائما من أجل تفعيل تراخيص البناء والتجهيز للعقار المحبس بالمرافق الضرورية لضمان الحد الادنى من العيش الكريم، سواء للمحبس عليهم أو لباقي القاطنين، في انتظار الحل الشمولي الذي كانت الوزارة الوصية دائما تصر على أنها لازالت في صدد صياغته كما كنا نسمع من أطرهم."، يشير محمد زكرياء، مضيفا أن "الاجتماعات التي يجب أن تعقد بين مسؤولي السلطات الاقليمية ومسؤولي وزارة الأوقاف لتسوية هذا الملف - بعد ضغط من الساكنة - كانت تنظم بمبادرة وطلب دائم من السلطة الاقليمية، وفي حضور غير منتظم لمسؤولي وزارة الاوقاف.

ووأردف محمد زكرياء أنهم "كممثلين لجمعيات محلية معنية بطريقة مباشرة بهذا العقار المحبس ومنذ سنة 2008"، "كنا شهودا وحضورا لبعض من هذه الاجتماعات"، والتي "كنا - ويا للأسف - نحب أن نحضرها جميعها لما كان سيكون لحضورنا من أثر ايجابي في صياغة هاته القرارات" يؤكد المتحدث ذاته.

وكما هو معلوم فإن "فترة العامل (محمد فنيد)، باعتباره "رجل إدارة" - يقول المستثمر زكرياء، "تمرس في مرافق الداخلية"، لذلك "عرفت منطقة سيدي رحال نشاطا كبيرا واجتماعات متتالية ما بين أطر وزارة الأوقاف وممثلي الجمعيات وأطر السلطات الاقليمية"، و"كانت القرارات والتوصيات المتمخضة عن هذه الاجتماعات عملية وواقعية، وكان لها الأثر الحميد على المنطقة، وعلى التنمية وعلى الاستثمار".

قرارات متناقضة

يرى المتضررون من القرارات الإدارية الموجهة إلى عقار شرفاء سيدي رحال الشاطئ، أن "قرارات أحادية تم اتخاذها دون استشارتهم"، وهي القرارات التي كانت "متناقضة مع "ما تم الاتفاق عليه سابقا' وكان لها الأثر السلبي على المنطقة".
وكمثال للتناقض الصريح في هاته التوصيات والقرارات وما يصفه المتضررون ب "النكوص"، أنه "في سنة 2008 بمقر ولاية سطات وبحضور مدير الاوقاف والشؤون الاسلامية اتخذت توصيات بالعمل على تفعيل حل المعاوضة كحل نهائي والعدول عن صياغة حل التصفية، لأنه غير عملي وغير مجدي، والشروع في عملية التسوية بدءا بالمجزئين الخواص..."،
و"في سنة 2013، وتحت صدمة الجميع، تمت صياغة قرار لجنة التصفية"، والذي يقول عدد من المعنيين إنه "إن طبق في حينه، كان بمثابة القرار الكارثي على المنطقة بكل ما للكلمة من معنى"، وهو ما أكده محافظ برشيد خلال اجتماع بمقر عمالة، كما يقول عضو جمعية المستثمرين والقاطنين بسيدي رحال الشاطئ.
ومن نماذج القرارات المتناقضة بخصوص وضعية العقار المحبس بسيدي رحال يسوق المتضررون النموذج التالي:"في سنة 2012 تم تحديد أثمنة المعاوضة لبقع البناء المستوفاة لشروط التعمير في 500 درهم للمتر المربع، في انتظار تفعيله، ثم في 2018 أصبح هذا الثمن 2500 درهم.
وخلال سنة 2011 كان الاتفاق على الشروع في معاوضة القطع المرخصة واستئناف التراخيص، إلا أنه في 2012 تم تفعيل معاوضة بقع إعادة الهيكلة بثمن 80 درهما للمتر المربع، علما أن هذه البقع هي بقع شبه عشوائية، مع ايقاف تعويض باقي البقع المرخصة أو في طور الترخيص إلى يومنا هذا".
والأدهى من ذلك - يؤكد المعنيون - هو "المنع الكلي للبناء والتجهيز المقنن وفقا لتصميم التهيئة بكتاب من وزارة الأوقاف سنة 2019 موجه إلى عمالة برشيد"، وهو المنع الذي "يذكر بالمنع الصادر من نفس الوزارة سنة 2006، والتي تراجعت عنه الوزارة الوصية بعد تعيين العامل محمد فنيد آنذاك، بل وتبرأت منه، كما يؤكد المستثمرون المعنيون.

ويرى عدد ممن التقتهم جريدة الأحداث المغربية أن "هذا المنع كان بمثابة تشجيع غير مباشر لتمدد السكن العشوائي وبقع إعادة الهيكلة على حساب البقع المرخصة والتجزئات المقننة". ويسوقون كدليل على ذلك أنه في "سنة 2012 كانت مساحة الوعاء العقاري المخصص لإعادة الهيكلة، والتي تروج في رفوف العمالة، 40 هكتارا، في حين أصبحت المساحة الحالية المتداولة  100 هكتارا ...!!!".
وهو الأمر الذي يعني حسب المجزئين القانونيين "إيقاف البناء المرخص والمقنن منذ سنة 2012 وفتح الباب - بدون قصد ربما - لانتشار وتمدد بقع إعادة الهيكلة والتجزيء السري، وما تكلفه إعادة هيكلة هذه البقع لخزينة الدولة"، علما أن "سمة العشوائية تبقى لصيقة بها، مما يؤثر على جمالية المنطقة، وكذلك على الأمن والاستقرار".

وصاية معرقلة

يؤكد أعضاء الجمعية فإنهم "لا يريدون اتهام أي جهة بالوقوف وراء هذا الإشكال الحاصل في وضعية العقار ذي الرسم 13390 س"، بقدر ما يريدون "تنوير أطر المرفق العمومي والرأي العام بأبجديات التنمية ومدى التأثير السلبي للقرارات الإدارية الغير مدروسة"، لأنه من "المعلوم شرعا أنه أينما كانت المصلحة فثمة شرع الله، وأينما كانت المصلحة، وجب أن يكون قرار إداري يصاحبها ويؤطرها  - وبالاحرى أن يسبقها - وعندما يمنع ما هو قانوني يظهر - تلقائيا - ما هو غير قانوني، لأنه تبعا للقواعد الكونية لا مكان للفراغ ولا مكان للجمود".
والغريب أن "منع البناء والتجهيز وفقا لتصميم التهيئة المصادق عليه يأتي دائما من الوزارة الوصية ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي يتجسد دورها في الوصاية والتسيير للعقار المحبس"، لكن يظهر أن "دورها غدا - فقط - هو المنع والحبس" حسب ما صرح به المتضررون، الذي يرون أنه في "الأوقاف العامة نرى وزارة الأوقاف تستثمر في كل ما يعود بالنفع المادي للعقار من قيساريات وعمارات ولوحات إشهار ... مع شراكة وحضور قوي للقطاع الخاص"، وفي "الوقف الخاص الذي هو حال العقار ذي الرسم 13990س المحبس على أصحابه"، يؤكد المستفيدون منه أنهم "يرون أن الوزارة تقف سدا منيعا لأي استثمار، ولأي حوار أو شراكة مع القطاع الخاص.."، ليخلصوا إلى التساؤل الذي مفاده: "أين دور الوصاية المنوط بالوزارة، وأين دور التسيير ومن يتحمل المسؤولية في هضم هاته الحقوق، وكأنما الحبس نقمة على أصحابه وذويهم".

وبعد سنوات، وربما عقود، من توقيف حال مستغلي هذا العقار، ومنع تراخيص البناء والتجهيز للعقار المحبس إلى غاية تسديد مبالغ المعاوضة، التي يعتبرها المعنيون "خيالية ومجحفة ومتناقضة مع ما تم الاتفاق عليه سابقا"، يرى بعض من لجؤوا إلى القضاء طلبا للإنصاف أن موقف الوزارة الوصية "طعن في حق الحُبس وحق الانتفاع العائد قانونيا وتاريخيا للمحبس عليهم"، و"طعن كذلك في جميع الاتفاقات السابقة بين وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية وممثلي قاطني سيدي رحال الشاطئ"، و"وأد للتنمية ومساهمة في استفحال العشوائي والتهميش"... وهو "ويا للحسرة - كما صرح أحد المتضررين - بمثابة التهجير القسري لسكان سيدي رحال الشاطئ...
ويؤكد المتضررون أن منعهم من التراخيص "مخالف للأعراف ولما جاء في مدونة الأوقاف"، وهو ما أكده الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 09/يونيو/2021  تحت عدد 1565، والذي ألغى قرار رفض تسليم إذن بالبناء الصادر عن وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية.

وفي تفسيره لهذا الحال الواقف والذي يأبى القائمون عليه زحزحته، يرى عضو جمعية المستثمرين أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: "من المستفيد من هذا المنع لتراخيص التجهيز والبناء"، ولأنه يعرف الجواب أردف قائلا: "إنهم  كل أصحاب النوايا الخبيثة ولوبيات السكن العشوائي"، مضيفا أن "المتضرر من هذا المنع هو المواطن،  سواء المحبس عليه أو القاطن بسيدي رحال، والمنطقة وكذلك خزينة الدولة". كما خلص في تصريحه إلى أن "الوزارة الوصية هي كذلك خاسرة جراء هذا المنع عندما يصير العقار كله عبارة عن بقع لإعادة الهيكلة، أو تلتهمها البنايات العشوائية".

والغريب أن عدد من المعنيين بما يعرف محليا بسيدي رحال الشاطئ ب "أرض الشرفا"، باتوا مقتنعين أن "حالة المنطقة في غياب القرارت الإدارية لوزارة الأوقاف، وبتأطير فقط، من السلطات الاقليمية خلال الفترة السابقة كانت أفضل بكثير من وجود هذه القرارت"، والتي يقولون إنها كانت "في الغالب ما تحمل صيغة مفعول نيران صديقة".

لذلك لطالما اغتنم المتضررون من موقف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للتأكيد على أنه "بصفتهم ممثلين للقطاع الخاص، والقاطنين في سيدي رحال الشاطئ على دعوة مسؤولي الإدارات العمومية والمنتخبة للجلوس إلى طاولة الحوار، وإعادة دراسة الحلول الواقعية والناجعة والدفع بالمنطقة للالتحاق بركب التنمية كباقي مناطق المملكة"... فهل يتحقق لهم هذا المبتغى..؟؟

مؤطر

(*) حق الرقبة معناه ملك العين وأحقية التصرف فيها بالبيع والهبة وغيرها من تصرف المالك في ملكه، وأما حق المنفعة فهو ملك أو إباحة منفعة العين فقط بإيجار مثلا أو بعارية. وبالمثال يتضح المقال:  من باع دارا واستثنى منفعتها شهرا فالمشتري يملك حق الرقبة والبائع يملك حق المنفعة شهرا، وكذلك في العمرى في قول بعض أهل العلم  وهي أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه أو هي لك عمري، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت. قال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع لا تمليك رقبة المعمر بحال.. ويكون للمعمر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر أي الواهب.
وكذلك الوقف فيكون للموقوف عليه حق المنفعة لا حق التصرف في الرقبة أي العين لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.

تعليقات الزوّار (0)