جيش المتطوعين.. كلمة السر في نجاح الأولمبياد!

يوسف بصور

AHDATH.INFO-طوكيو

نجاح أولمبياد طوكيو، رغم الظروف الصعبة التي أحاطت به من كل حدب وصوب، لم يكن فقط بفضل البنيات التحتية المتميزة واعتماد التقنيات المتطورة، وإنما الفضل الأكبر في ذلك يعود لجيش المتطوعين، الذين حرصوا على تنظيم الحدث بشكل جيد رغم كل الصعوبات.

آلاف الشبان والشابات انتشروا في كل أرجاء العاصمة اليابانية متسلحين بابتسامة لم تفارق محياهم إلا لماما، سواء صادفتهم عند مداخل الملاعب أو خارجها أو في وسائل النقل أو الفنادق المخصصة لإقامة الوفود الإعلامية. الرغبة في المساعدة والتضحية بالوقت والجهد، بحثا عن نجاح وطني للألعاب الأولمبية كانت بادية للعيان، ليثبت جيش المتطوعين بما لا يدع مجالا للشك أن الشعب الياباني يثقن العطاء بابتسامة وتواضع.

حس عالي بالمسؤولية

تفاعل المتطوعون مع الحدث الأولمبي بكل جوارحهم. الجدية كانت تحكم كل الحركات والسكنات، والرغبة في المساعدة كانت الموجه لكل سلوكاتهم. في اليوم الرابع من الوصول إلى العاصمة اليابانية كان لا بد لي من التوجه رفقة الزملاء في الوفد الإعلامي المغربي صوب القاعة التي تحتضن منافسات الملاكمة، من أجل تغطية نزالي الملاكمين المغربيين عبد الحق ندير ومحمد الصغير، غير أن الأمور لم تسر بتاتا بالسهولة التي كنا ننتظرها. استيقظنا باكرا، وتناولنا وجبة الإفطار على عجل، قبل أن تقودنا إحدى المتطوعات واسمها "أكينا" صوب محطة توقف الحافلة، التي يفترض أن تقلنا صوب نقطة تجمع أخرى للحافلات المتوجهة نحو المركز الإعلامي الرئيسي ومختلف الملاعب والقاعات الرياضية المحتضنة لجميع المنافسات داخل العاصمة اليابانية وضواحيها.

كان يفترض أن تصل الحافلة في التاسعة صباحا لكنها لم تفعل. مرت الدقائق تباعا دون أن يظهر للحافلة المنتظرة أثر، قبل أن ينفجر صحافي فرنسي في وجه المتطوعة بكلمات من قبيل "ما هذا الهراء". "هل سنبقى هنا إلى ما نهاية؟"."إفعلي شيئا. لا تقفي جامدة هكذا". صوته المرتفع، وكلماته الحادة جعلت مرافقتنا تحس ال، وكأنها هي المسؤولة عن كل ما حدث. رددت كثيرا عباراة "i’m so sorry", وظلت بين الحين والآخر تتصل بالمسؤولين عن خلية النقل للاستفسار عن سبب التأخير، ولم يهدأ لها بال حتى توقفت الحافلة لتقلنا جميعا صوب وجهتنا، وتودعنا بابتسامة وكلمات اعتذار عن خطإ لم تقترفه على الإطلاق.

مهام غير عادية

لأن الأولمبياد جرى في ظروف غير عادية فقد كانت مهام المتطوعين وأعدادهم وطريقة توزيعهم مختلفة تماما عما هو معتاد في دورات أولمبية سابقة، وخاصة دورة لندن التي قمت بتغطيتها إعلاميا في سنة 2012. كان الهاجس الأكبر هنا هو الحرص على عدم تسلل فيروس كورونا إلى داخل المنشآت الرياضية، رغم أن هذه المهمة شبه مستحيلة في ظل وجود حالات إصابة كثيرة لا تظهر عليها أية أعراض.

السعال أو العطس عند بوابات الولوج إلى المركز الإعلامي أو الملاعب والقاعات الرياضية كان سلوكا وخيم العواقب، قد يتسبب في المنع من الدخول بشكل مطلق، أما الارتفاع ولو الطفيف لدرجة الحرارة، والتي كانت تتم مراقبتها بكاميرات حرارية وحواسيب جد متطورة، فكان بمثابة البطاقة الحمراء التي لا تترك أمام صاحبها خيارا آخر سوى التراجع إلى الوراء والعودة من حيث أتى.

جيش المتطوعين كان حريصا على مراقبة الحالة الصحية للجميع وأيضا على تشكيل جدران بشرية متباعدة بما يكفي للوقاية من الفيروس، من أجل رصد سلوكات الوافدين والمغادرين، والتحقق من التزامهم بالتدابير الوقائية، وخاصة ارتداؤهم للكمامة بشكل سليم وتعقيم الأيدي بانتظام، وعدم الاقتراب من المناطق المحظورة، وكل مخالفة كانت تواجه بتدخل فوري لإعادة الأمور إلى نصابها.

السن مجرد رقم

رغم إجرائنا كوفد إعلامي مغربي لفحصي "بي سي آر" بمدينة الدار البيضاء قبل السفر إلى طوكيو، كنا ملزمين بعد الوصول إلى العاصمة اليابانية بإجراء فحص يومي للعاب، من أجل التحقق من عدم إصابة أي منا بالفيروس التاجي. كانت المسطرة المحددة تقتضي وضع عينة من اللعاب صبيحة كل يوم، ولمدة ثلاثة أيام في أنبوب بلاسيتيكي صغير وتسليمها لموظفي الاستقبال في فندق "the best western hotel"، بعد تسجيل رقم الاعتماد، والرقم التسلسلي لأنبوب العينات في موقع إلكتروني مخصص لهذه العملية، على أن يتكفل المتطوعون بعد ذلك بجمع العينات من مختلف الفنادق المخصصة لإقامة الصحفيين ونقلها صوب مختبرات الفحص.

هكذا تمت الأمور بشكل سلس في اليومين الأول والثاني، قبل أن نبلغ من طرف إدارة الفندق في اليوم الثالث بأن لا أحد سيجمع العينات بعد اليوم، وأن علينا التوجه إلى قسم تجميعها في الطابق الرابع للمركز الإعلامي. لم يكن أمامنا خيار آخر سوى التوجه صوب المكان المحدد، وهناك كانت مفاجأتي كبيرة، وأنا أصادف في الاستقبال بالقسم المقصود سيدة جعلتني مقتنعا بأن السن مجرد رقم ليس إلا. كان اسمها "ميساكي"، وهي سيدة تخطت الثمانين من العمر، واجتاح الشيب رأسها، وعلت التجاعيد كل تفاصيل وجهها وعنقها، ولكن ذلك لم يمنعها من التطوع، ودافعها في ذلك على حد تعبيرها هو أن نجاح الأولمبياد نجاح لليابان، ونجاح اليابان نجاح شخصي لها، سيما أنها، على حد تعبيرها، أياما ربما تكون الأخيرة في حياتها.

اللغة.. عائق ولكن

المشكل الأكبر، الذي واجهه المشاركون في الألعاب الأولمبية بطوكيو، من رياضين وأطر تقنية وإعلاميين هو صعوبة التواصل مع المتطوعين، والسبب هو أن الغالبية العظمى من هؤلاء لم تكن تتحدث لغة أخرى سوى اللغة اليابانية. في أحيان كثير كان لا بد من الاستعانة بحركات الأيدي من أجل مساعدة المتطوعين على القيام بالمهمة التي ضحوا بوقتهم من أجلها، وهي تقديم العون لجميع المشاركين في الأولمبياد، وفي أحايين أخرى كان لا بد من استفسارهم عن زميل لهم أو مسؤول عنهم يتقن اللغة الإنجليزية من أجل التحدث معه في الحالات التي لا غنى فيها عن لغة حوار مشتركة، خاصة عندما حاول المتطوعون منع الوفد الإعلامي المغربي من حضور مباراة المنتخب الوطني للكرة الشاطئية ضد بولندا، بدعوى أننا لم نسجل طلبنا في موقع أحدث من أجل هذه الغاية, بعد أيام من انطلاق الألعاب.

لم يكن من السهر إقناع متطوعين لا يفهمون الإنجليزية ولا الفرنسية بأننا اصطدمنا بعطب تقني في الموقع المذكور استمر ليوم كامل مما حال دون إتمام عملية التسجيل، غير أن ظهور متطوع يتحدث بلغات عديدة وضع حدا لهذا المأزق لنتمكن من متابعة المباراة، رغم أن نتيجتها النهائية لم تسر أيا منا، بعدما انتهت بهزيمة الثنائي المغربي بجولتين لصفر. عائق اللغة حاولت الجنة المنظمة تجاوزه، خلال الأيام الأخيرة من الألعاب، بتسليم عدد كبير من المتطوعين أجهزة ترجمة فورية صغيرة الحجم قادرة على الترجمة من اليابانية إلى لغات مختلفة بما فيها الإنجليزية والفرنسية وحتى العربية أو العكس، مما جعل التواصل معهم أكثر سهولة.

متطوعون في منطقة الخطر

بعد تأكد إصابتي بفيروس كورونا، ومغادرتي لقسم المستعجلات بأحد المستشفيات، تم نقلي على متن سيارة أجرة مخصصة لمرضى "كوفيد 19 " صوب فندق "NICE DAY TOKYO", المخصص لقضاء فترة الحجر الصحة لمدة 14 يوما قبل مغادرة الأراضي اليابانية.

في هذا الفندق الواقع في قلب طوكيو كانت لي فرصة التعرف على طينة أخرى من المتطوعين، من أطباء وممرضات ومواطنين عاديين سخروا كل أوقاتهم من أجل خدمة نزلاء الفندق، والذين كانوا عبارة عن خليط غير متجانس من رياضيين ومدربين وإعلاميين من مختلف بقاع العالم، حكم عليهم القدر بأن يكونوا من ضحايا عدوى الفيروس التاجي.

لخمس مرات في اليوم، وخلال أوقات لم تتغير بتوالي الأيام كنت أتلقى اتصالات من طبيب أحيانا وممرضات في أحيان أخرى للاطمئنان على تطور وضعي الصحي، ومدى نجاحي في مقاومة الفيروس جسديا ونفسيا.

في إحدى المرات غلبني النوم، ولم أسمع رنين الهاتف لأتفاجأ بدقات متواصلة على باب غرفتي لم تدع أمامي خيارا آخر سوى النهوض ومعرفة هوية الطارق، الذي لم يكن سوى طبيب وممرضتان، ارتديا ألبسة كاملة للوقاية من كورونا، وقد بدت على وجوههم حالة من القلق من احتمال أن يكون سبب عدم ردي على الاتصالات الهاتفية هو إصابتي بمكروه أو تدهور مفاجئ في حالتي الصحية. لم يصدقوا أنني بخير، وأصروا على قياس درجة حرارتي ومستوى الأوكسيجين في الدم ونبضات القلب ومستوى الضغط. وبعدما وجدوا أن كل شيء جيد ودعوني بابتسامة ودعوة للاعتناء بنفسي جدية ومهاتفتهم فورا عند إحساسي بأية أعراض غير عادية.

تعليقات الزوّار (0)