8 ساعات في مستعجلات طوكيو!

يوسف بصور

AHDATH.INFO-طوكيو

أفكار كثيرة، وكوابيس عديدة، وهواجس لا حصر لها اجتاحتني وسيطرت على تفكيري منذ لحظة تأكيد خبر إصابتي بفيروس كورونا، الذي تحول إلى وحش يخشاه الجميع. التفكير فيما قد يحدث في حال تدهور الوضع الصحي بعيدا عن الوطن والأهل والأحبة بآلاف الكيلومترات، والخشية على مصير 3 أبناء صغار جعل نفسيتي تتدهور بشكل لم أتخيله يوما.

بدأت الأمور بنوبة قلق وتطورت إلى ضيق في التنفس ثم إغماء وتدخل عاجل لسيارة الإسعاف التي نقلتني صوب مستشفى "NCGM". تجربة بقدر ما كانت صعبة، بقدر ما مكنتني من الاطمئنان أكثر على وضعي الصحي، والوقوف عند التقدم الكبير، الذي بلغه النظام الصحي الياباني على صعيد التجهيزات وأسلوب التعامل الراقي، مقارنة مع الأعطاب التي مازال يعانيها القطاع الصحي في المغرب.

 قلق وصعوبة في التنفس

ليلة الأحد – الإثنين ستظل عالقة في ذاكرتي لفترة طويلة بلا شك. فجأة ودون سابق إنذار بدأ العرق يتصبب ودرجة حرارة الغرفة تزداد، أو هكذا حسبتها، رغم أن جهاز التكييف كان مشتغلا. أحسست وكأن أحدا ما يحاول خنقي بكلتا يديه، وهو جاثم بركبتيه فوق صدري. كان إحساسا رهيبا للغاية دفعني لترك الحاسوب وارتشاف القليل من الماء لعله يخفف من وطأة حالة لم أجربها من قبل، غير أن لا شيء تغير.

دقيقة بعد أخرى كان الوضع يزداد سوء، والنفس يكاد ينقطع رغم محاولات حثيثة للتنفس عبد الفم. أول ما خطر في بالي حينها هو الاتصال بالزميل أحمد نعيم، المسؤول الإعلامي للجنة الوطنية الأولمبية لإبلاغه بأنني أجد صعوبة في التنفس بشكل طبيعي، ليجيب بلهجة اعتراها الكثير من القلق "أوااه.. بلاتي أنا غانعيط ليك". دقيقة واحدة بعد ذلك أو دقيقتان عاود الاتصال بي لإخباري بأنه اتصل باسماعيل علوي بوزكراوي, المسؤول الطبي بالبعثة المغربية إلى الأولمبياد, الذي سارع من جهته لإبلاغ الطاقم الطبي للجنة المنظمة للألعاب, من أجل إرسال سيارة إسعاف على وجه السرعة إلى فندق "ذو بيست ويسترن نيشيكساي", حيث يقيم الوفد الإعلامي المغربي المشارك في تغطية دورة طوكيو.

لحظات عصيبة ودعم الإخوة

محاولة التنفس ازدادت صعوبة، وأعقبها إحساس بالدوار دفعني دون تفكير لفتح باب غرفتي وإسناده بحقيبة السفر لتسهيل دخول الهواء من جهة، وتسهيل ولوج شخص ما للمساعدة في حال ما إذا ازداد الوضع سوء من جهة أخرى، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك بدقائق معدودة.

رن الهاتف في يدي فأجبت على الفور، دون أن أملك القدرة على تفحص اسم المتصل. "خويا يوسف.. تنفس مزيان خويا يوسف.. حنا معاك..". ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعي بلسان الزميل محمد أمين العمري لنحو خمس دقائق أو يزيد لأغيب بعدها عن الوعي بشكل جزئي. فلا أنا قادر على الكلام أو الحركة، ولا أنا عاجز عن سماع ما يقال حولي من كلمات.

شخص ما كان يناديني من أمام الغرفة، علمت بعدها أنه لم يكن سوى محمد صامت الصحفي براديو مارس، في محاولة منه لإيقاظي من وضع كان أشبه بالغيبوبة. ازداد عدد الأصوات المنادية "يوسف.. يوسف.. فيق", وانضم إليها بعد لحظات صوت منبه سيارة الإسعاف دون أن ينجح كل ذلك في إعادتي إلى الوعي من جديد.

 غرفة إنعاش متنقلة

كلمات، ومحادثات، وأخد ورد، كان صداه يتردد على مسامعي دون أن أستوعب مضمونه، قبل أن أعلم لاحقا أن الزملاء الصحفيين طلبوا حينا استعمال المصعد لإنزالي ربحا للوقت، بينما تمسك المسعفون بحملي على كرسي متحرك والنزول بي عبر سلالم الطوارئ من الطابق التاسع حتى الأرضي لتفادي نشر العدوى، مادام أن نتيجة فحوصاتي أكدت إصابتي بفيروس كورونا.

مشاعر من الخوف والقلق كانت تجتاحني كالإعصار، ولم يخفف من وطأتها سوى كلمات تحفيز ظلت تتردد على مسامعي لدقائق طويلة: "ما تخافش خويا يوسف حنا معاك. حنا معاك ما تخاف ما والو".

بعد وضعي في سيارة إسعاف، بدت أشبه بغرفة الإنعاش، وتركيب قناع التنفس الاصطناعي بدأ الوعي يعود تدريجيا، والقلق يتراجع مع تأكيد المسعفين أن مستوى الأوكسيجين في الدم ونبض القلب ومستوى الضغط كلها مؤشرات على أن الوضع ليس خطيرا بالمرة، إلى جانب كلمات تحفيزية من طبيبة ظل المسعفون يطلبون مني التحدث معها عبر هاتف أحدهم من حين لآخر لإبلاغي بأن كل شيء يسير على ما يرام، وأنني سأكون في المستشفى في وقت قريب.

"الكروج" في المستعجلات

في المغرب تعودنا على أن آخر شيء يمكن أن تبحث عنه في المستعجلات هو السرعة في التدخل. تعودنا على الانتظار والانتظار، وتعايشنا مع غياب أو "سليت" أحد الأطباء أو الممرضين، وترك الضغط على عاتق البقية، غير أن ما عاينته في مستشفى "national center for global health and medecine" بطوكيو كان مختلفا بالمرة. طبيب شاب بلباس وقفازين وقناع أبيض كان في الانتظار عند باب المصلحة. بمجرد وصول سيارة الإسعاف حاول طمأنتي بأن كل شيء سيكون بخير، وأننا وصلت إلى المستعجلات الآن.

"ما هو عملك.. آه أنت هنا من أجل الأولمبياد.. أنت رياضي أوشيء آخر..." أسئلة كثيرة طرحها الدكتور "يامادا كون", قبل أن ينتبه إلى بطاقة الاعتماد التي كانت معلقة حول عنقي ويستدرك قائلا "آه أنت صحفي.. صحفي مغربي".

بدا من خلال طريقة حديثه، وتلويحه بيده أنه كان حريصا على لفت انتباهي وإبقائي مستيقظا، خصوصا بعدما فاجأني بالحديث عن الرياضة المغربية، وخصوصا عن البطل العالمي والأولمبي السابق هشام الكروج. "هو عداء رائع وإنجازه الأولمبي بالفوز بذهبيتين أولمبيتين في سباقي 1500 متر و5000 متر في دورة أولمبية واحدة يصعب تكراره". فاجأتني بشكل كبير معلوماته عن الكروج وألعاب القوى المغربية، خصوصا بعدما ختم حديثه عن الموضوع بقوله: "كنت تحتاجون لنجوم مثل هشام الكروج في دورة طوكيو".

كلشي يجي لعندك

في مستعجلات مستشفى "NCGM" لن يطلب منك أحد الذهاب إلى شباك التسجيل والأداء قبل العودة حتى ولو كانت حالتك الصحية لا تسمح. كل شيء تم في التو واللحظة وأنا ممدد على سرير طبي مريح. سلمت الممرضة المساعدة جواز سفري وبطاقة الاعتماد الأولمبية وأعادتهما إلى خلال دقائق بعد تسجيل البيانات.

الطبيب "يامادا" أبلغني أنه يتعين في البداية الاطمئنان على وضعي الصحي من خلال إجراء تحاليل للدم وأشعة للرئة للتحقق مما إذا كانت تضررت جراء إصابتي بالفيروس التاجي. حتى في هذه المرحلة لم أضطر للتزحزح من مكاني، فالطبيب ذهب في المرة الأولى ليعود ومعه مستلزمات سحب عينات الدم، من أجل تحليلها، قبل أن يصحب معه بعد ذلك طبيبا للأشعة، ويجلبا جهازا ضخما لتصوير الرئتين.

لم يتطلب انتظار النتائج الكثير من الوقت، فبالنسبة لتصويرالرئة باستعمال الأشعة فقد ظهرت نتيجته في ظرف 20 دقيقة, بينما تطلبت التحاليل 45 دقيقة, لتظهر النتائج أن الرئة لم تتضرر من الفيروس، ربما بفضل خضوعي سابقا للتلقيح بالدار البيضاء، ونفس الأمر بالنسبة لتحاليل الدم، حيث كانت كل المؤشرات عادية باستثناء ارتفاع منطقي في نسبة كريات الدم البيضاء.

الإنسانية برداء أبيض

طريقة تعامل الطبيب والممرضة وطبيب الأشعة وحتى المسعفين كانت تعكس روحا إنسانية عاليا وخلقا طيبا. من منا سأله طبيب أو ممرض في مستشفى عمومي يوما ما إن كان يرغب في تناول أن شرب شيء ما، وبعدما تخبره بأنك تحس بالعطش، يذهب مسرعا بنفسه ليحضر لك قنينة مياه معدنية باردة. ليس هذا فحسب، فمجرد ما إن انتهت الفحوصات سألني الطبيب عما إذا كانت أسرتي على علم بإصابتي بعدوى كورونا، وعندما أجبت بنعم، طلب مني الإسراع بمحادثة زوجتي على الهاتف لأنها ستكون قلقة على كثيرا.

"للأسف لا يمكنني إجراء الاتصال الآن بسبب عدم توفر الأنترنيت على هاتفي". هكذا أجبت بأسف ليغادر الطبيب قاعة الفحوصات المعمقة بقسم المستعجلات قبل أن يعود مسرعا حاملا معه مطبوعا كتب عليه باسم الولوج وكلمة المرور لاستخدام "الواي فاي" الخاص بالمستشفى، قبل أن يساعدني على إدخالهما في هاتفي، ويغادر لتمكيني من إجراء المكالمة المطلوبة بحرية.

دواء ونصائح ووداع

كما استقبلني الدكتور "يامادا كون" في باب مصلحة المستعجلات عند قدومي محملا على سيارة إسعاف، رافقني حتى بابها، وانتظر حتى صعدت إلى سيارة الأجرة الخاصة بنقل المصابين بكورونا, والتي وضعتها اللجنة المنظمة للأولمبياد, بتنسيق مع اللجنة الأولمبية المغربية, رهن إشارتي من أجل نقلي صوب الفندق, الذي سأقضي فيه فترة العلاج والحجر الصحي. قبل أن يتحرك الطاكسي بقليل عاد الطبيب مسرعا، وهو يحمل معه محفظتي، التي كانت تحتوي على كل نقودي وجواز سفري، بعدما نسيتها في الداخل، ليودعني بابتسامة عريضة.

قبل مغادرة المستشفى، كنت قد نمت لفترة فاقت الساعتين بقيت طيلتها مربوطا بأنبوب "الصيروم" وجهاز قياس نبضات القلب، لأستيقظ على صوت الطبيب وهو يناديني "good morning". سألني بعدها كيف أصبحت، وسلمني ورقة طبع عليها اسم دواء طلب مني تناول حبة منه أربع مرات في اليوم، وسلمني معه ورقة طبعت عليها معلومات مفصلة عن دواعي استعمال الدواء والجرعة المطلوبة، كما سلمني معهما نتائج التحاليل وقنينة ماء، ناصحا إياي بشرب الكثير من السوائل، والتغدية الجيدة والحفاظ على معنويات مرتفعة لمساعدة جسدي على هزم الفيروس اللعين.

بعد تحرك سيارة الأجرة التي أقلتني صوب الفندق اعترتني حيرة وأنا أحاول المقارنة بين تجاربي السابقة في المستشفيات وحتى بعض المصحات الخاصة المغربية، وتجربتي في مستعجلات مستشفى "NCGM". بدت المقارنة مستحيلة مع وجود الفوارق الشاسعة في المساطر والتجهيزات وطريقة التعامل مع المرضى، وحتى لا أرهق نفسي بالتفكير في معضلة إصلاح قطاع الصحة بالمغرب حولت بوصلة عقلي صوب ما ينتظرني من فترة حجر صحي تستغرق 14 يوما بالتمام والكمال، في فندق مخصص بالكامل لمرضى كورونا، ولسان حالي يردد "الله يصلح الأحوال".

تعليقات الزوّار (0)