لغزيوي يكتب: أيها المغردون..أيتها المغردات… تويتر يخاطبكم !

user ahdath

AHDATH.INFO

بقلم: المختار لغزيوي

لسنوات وسنوات، ودعونا نسميها مثلما أسماها الآخرون الواهمون، سنوات الربيع العربي، مع إضافة لفظ الكاذب الذي أطلقناه نحن على تلك الموجة منذ البدء، قال لنا القوم إن « التغريد الحر عبر تويتر هو أقصى مايمكن أن يصله الإنسان الحر، الممانع، المعارض ».
قال لنا الواهمون وقد أقنعهم بها باعة الوهم إن مواقع التواصل الاجتماعي هي الإعلام البديل. قالوا لنا إن الصحافي /المواطن اليوم أو المواطن /الصحافي عوض بشكل نهائي الصحافي المهني، وأن أفضل مايمكن أن يفعله الإعلام التقليدي هو أن « يجمع قشاوشو » وأن يغرب عن وجوهنا جميعا.
قال لنا الواهمون، وقد أقنعهم بها باعة الوهم مجددا، (وأغلبيتهم حاولت مرارا وتكرارا أن تنجح في هذا الإعلام التقليدي المسكين، لكن لم تستطع فعادته لا كرها فيه، ولكن كرها في فشلها فيه، وهذا موضوع آخر)، إن المستقبل هو مستقبل التغريد والتدوين، وأن الصحافي الحر يجب أن يكون مثل المواطن الحر قادرا على التحول في تويتر إلى عصفور صغير يزقزق يوميا مئات التغريدات، وقادر على أن يكون في موقع مارك زوكربيرغ أى الفيسبوك خزان تدوينات لا ينتهي، يقول رأيه فيما يفقه فيه، ويعطي الفتوى فيما لايفهم فيه ولايتوقف أبدا ولايمضي.
لسنوات وسنوات كدنا نقتنع أن القوم على صواب، وأن الحرية أو أقصى مراتب الحرية هي أن تكون مغردا ومدونا يشار له بالبنان وبكافة أنواع الفواكه الموجودة في سوق الخضار…
بعد ذلك تطورت الحالة، أو لنقل استفحلت. انتقلنا من طور التغريد والتدوين إلى طور التأثير، وطور إلزامية أن تكون مؤثرا وأن تكوني مؤثرة، وأن يشمل تأثيرك والذبذبات كل المحيطين بك في العوالم الافتراضية التي تعيش فيها
آمنا مرة أخرى وقلنا آمين. لا يحق لك أن تكون ضد التقدم وإلا أسموك جثة إعلامية متهالكة، لا تصلح حتى للدفن، أو لرموك بأقذع الأوصاف وقالوا عنك إنك تنتمي للعالم القديم، السحيق، العتيق، غيرالصالح اليوم إلا للدخول إلى المتاحف لزيارته أيام الآحاد والعطل المدرسية.
استفحلت مجددا حالات التأثير. وتأثر القوم بالقوم تأثرا لا تأثر بعده. ورأينا عاهات المجتمع وتشوهاته تصبح علامات لامعة تفتح القنوات في اليوتوب، وتلقي علينا يوميا فضلاتها قبل أن تنهي قضاء الحاجة هذا بالعبارة المبتذلة البليدة « فضلا وليس أمرا فعل جرس الإنذار واشترك لكي تصلك آخر الإصدارات »، أو قبل أن تقولها لنا بدارجة مغربية عاجزة عن تصديق مايقع لها من هوان « تآبوناو معانا وبارطاجي يامواطن الله يخلي ليك ميمتك ».
أخذنا الأمور على محمل التسليم بها، وقلنا إنه قضاء الله، وإن أولى علامات الإيمان مثلما علمنا ديننا الحنيف هي القبول بالقضاء خيره وشره. وهذا شر تكنولوجي حديث لابد من تحمله إلى أن يظهر منفذ إغاثة ما، في مكان ما، وفي عالم ما، وفي زمن ما قادم بكل تأكيد..
يوم الجمعة الماضي، وأهلنا في « تويتر » يقررون أن يمنعوا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المنتهية ولايته من التغريد عبر حريتهم الكبرى المسماة منصتهم، كنا مضطرين لإعادة النظر في هذا الإيمان الأعمى بالديمقراطية مثلما أقنعنا بها أهل التغريد والتدوين.
فهمنا أنه من الممكن لداعش أن تواصل، هي وإرهابيوها، التغريد والتدوين عبر تويتر، وعبر فيسبوك، وعبر إنستغرام، وعبر سناب شات، وعبر بقية المنصات لسنوات وسنوات وهي تدعو لقتل الشعوب الفقيرة المنكوبة في عالمناالعربي دون أن يقول لها أي « آدمين » : توقفي. لكن لا يحق بالمقابل للسيد ترامب أن يدعو أنصاره، الذين يشبهونه على كل حال، إلى التوجه إلى الكابيتول دفاعا عما يعتبره منصبه الرئاسي المسروق
ما الحجة وراء هذا الكيل بمكيالين؟
حجة واحدة: الخوف على الدم الأمريكي أن يراق.
طيب، ودماؤنا العربية المسلمة التي أريقت لسنوات وسنوات بسبب كل هاته التغريدات وكل هاته التدوينات أيها السادة؟
ألم تقولوا لنا إنه من الضروري علينا أن ندافع عن هاته الحرية على منصات التواصل هاته حتى الموت؟
ألم تقنعونا - ونحن قوم عبيطون حد العبقرية في الغباء - أن قمة التقدم والدخول إلى العصر الحديث، هي أن نكون افتراضيا حاضرين آناء الليل وأطراف النهار في منصاتكم والمواقع؟
ألم تدخلوا إلى أذهاننا أنه من العيب ومن الحرام ومن غير اللائق ألا نكون متصلين بالأنترنيت، أربعا وعشرين ساعة على الأربع والعشرين الأخرى؟
ما الذي حدث كي تنسوا فجأة كل ماعلمتمونا إياه، ولكي تصبحوا مثل الغاضبين من بيننا ممن يفكون أزرار الكهرباء فور أول خلاف، وممن يقطعون صبيب الحرية الافتراضية المزعوم عن مخالفيهم فور أول كلمة لا تروق لهم؟
ما الذي حدث لكل هاته الحرية الوهمية لكي تفقدوا قدرتكم على تحملها، فقط لأن ترامب دعا لموت البعض منكم، في الوقت الذي دعوتم لموت الكثيرين منا لسنوات وسنوات، ولخراب بلداننا كلها دون أي استثناء، دون أن تشعروا أن هناك خطرا ما يتهدد حياة الناس في مكان على هاته الأرض الحزينة بكم وبعبقريتكم، السعيدة بنا وبغبائنا وبكل هذه البلادة الدالة على أن السذاجة الطيبة لازالت موجودة بين بني الإنسان ؟
شيء ما تكسر في اعتناقنا العابر أنكم فعلا تدافعون عن الحرية…
دعونا نقول لكم إننا نحس مجددا - مثلما أحسسنا منذ البدء - أنكم تعتبرون أن الحرية كاملة غير منقوصة تصلح لكم، وأن بعضا من توابعها أو لنقل الفتات يصلح لمن كان مثلنا.
لذلك لا تهتموا كثيرا…واصلوا التغريد والتدوين بنا ومعنا، وواصلوا إقناعنا أن أفضل ماقد يقع لنا هو أن نكون مطيعين لتصوراتكم حول هاته الحرية المسكينة حتى آخر الأيام…

تعليقات الزوّار (0)