لو كان الرقم مغربيا، ربما لم يكن سيحتاج إلى أكثر من دقائق حتى يتحول إلى عناوين عن «القمع» و«تسلط الأجهزة» و«أزمة حقوق الإنسان». لكنه رقم فرنسي: 6059 عملية توقيف منذ 28 شتنبر، في احتجاجات تلاميذية هزت فرنسا وامتدت من ضواحي باريس إلى مدن عديدة، فيما تؤكد السلطات أن الغالبية الساحقة من الموقوفين قاصرون.
السؤال هنا ليس تبرير العنف، ولا التقليل من الاعتداءات التي تعرض لها أفراد من قوات الأمن الفرنسية، فقد أصيب المئات منهم، ووقعت أعمال تخريب واعتداءات موثقة. السؤال مختلف تماما: ماذا لو حدث جزء مما يحدث اليوم في فرنسا داخل المغرب؟ وكيف كانت ستبدو عناوين بعض وسائل الإعلام الفرنسية لو تعلق الأمر بتلاميذ مغاربة وبآلاف الموقوفين؟

المشهد الفرنسي ثقيل. احتجاجات بدأت بمطالب مرتبطة بنقص الأساتذة، والاكتظاظ، وتردي بعض المؤسسات التعليمية، ثم توسعت بسرعة. وفي 6 أكتوبر تحدثت رويترز عن 6100 موقوف منذ بداية الحركة، أغلبهم قاصرون، وعن أكثر من 1800 شخص يواجهون متابعات قضائية، بينهم 1483 قاصرا. كما تحدثت عن إصابة 715 من عناصر الشرطة والدرك و215 تلميذا.
وليست كل إصابات المحتجين بسيطة. بعض المنابر الصحفية المحلية » وثقت حالات شديدة الخطورة، بينها تلميذ في الخامسة عشرة فقد يده بعد انفجار قنبلة أمنية، وفتى في الرابعة عشرة أصيب بكسر مزدوج في الفك بعد إطلاق قنبلة غاز من مسافة قريبة، وشاب في السادسة عشرة فقد البصر في إحدى عينيه في واقعة مرتبطة، وفق المعطيات المنشورة، برصاصة مطاطية. وفتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية عشرة تحقيقات منذ بداية الحركة للنظر في وقائع مرتبطة بتدخلات أمنية.
ميزانان للخبر
عندما تقع مواجهة أو عملية توقيف في المملكة، يتحول جزء من الإعلام الفرنسي أحيانا من نقل الواقعة إلى إصدار الحكم؛ ومن مساءلة تدخل أمني محدد إلى مساءلة طبيعة الدولة نفسها. وحين يكون الملف فرنسيا، يصبح القاموس أكثر قدرة على التمييز بين المتظاهر السلمي والمخرب، وبين الخطأ الأمني والمؤسسة الأمنية، وبين أزمة اجتماعية والنظام السياسي.
إعلاميا ازدواجية المعايير مرفوضة تماما. العكس تماما: التجاوز ينبغي أن ينتقد حيثما وقع، والحقوق لا تتغير بتغير جواز سفر الشرطي أو المتظاهر. وفرنسا اليوم تقدم الحالة المثالية لاختبار هذا المبدأ.
ويظهر هذا الاختلال بوضوح عند العودة إلى الطريقة التي عالجت بها بعض القنوات الفرنسية أحداثا اجتماعية سابقة في المغرب. ففي تغطية BFMTV مثلا لاحتجاجات «جيل Z» سنة 2025، لم تتوقف القناة عند نقل مطالب المحتجين أو المواجهات التي عرفتها بعض المدن، بل انتقلت إلى بناء صورة أشمل عن بلد يعيش «خليطا متفجرا» يهدد استقراره الاجتماعي والاقتصادي، وربطت الاحتجاج بالبطالة وبالإنفاق على الملاعب والاستعداد لمونديال 2030 مقابل أوضاع الصحة والتعليم.

ولا يتعلق الأمر بـBFMTV وحدها. ففي فضاء إخباري فرنسي تصنع جزءا مهما منه CNews وFrance 24 إلى جانب القنوات الإخبارية الأخرى، كثيرا ما يحضر المغرب داخل نقاش أوسع حول الحريات وحقوق الإنسان وأداء المؤسسات والأجهزة، وهي أسئلة مشروعة تماما متى استندت إلى الوقائع واستعملت المعيار نفسه مع الجميع. المشكلة تبدأ عندما يتغير القاموس بتغير الجغرافيا: ما يمكن تقديمه في فرنسا باعتباره «interpellations» وعمليات لحفظ النظام والتحقيق في تجاوزات محتملة، يصبح في الحالة المغربية أكثر قابلية لأن يوضع تحت عناوين «répression» و«autoritarisme» و «violences policières». وليس المطلوب من BFMTV أو CNews أو France 24 أن تتساهل مع المغرب، ولا أن تصمت عن أي انتهاك يقع فيه؛ المطلوب أبسط من ذلك: أن تطبق الصرامة نفسها على باريس التي تطبقها على الرباط، وأن تسأل عن حقوق التلميذ الفرنسي وعن مسؤولية الأجهزة الفرنسية بالحدة نفسها التي تسأل بها عن حقوق المتظاهر المغربي. لأن الصحافة تفقد جزءا من صدقيتها عندما يصبح المعيار الحقوقي صارما خارج الحدود، وأكثر مرونة داخلها.
فقط، عندما يقع أقل من ذلك بكثير في المغرب، تذكروا القاعدة نفسها.
