عطلة حذرة!

متابعة

AHDATH.INFO- مصطفى العباسي

«مشات جوج سيمانة دشهر غشت وباقي مردينا حتى راس المال»، يقول صاحب محل تجاري في مرتيل بأسف كبير، وهو يتحدث عن الأزمة الخانقة التي يعيشها هذا الصيف، بعد أن كان وزملاؤه يعتقدون أن الأمور ستتحرك بعد عيد الأضحى، ليفاجؤوا بقرار إغلاق المدن، وخاصة كبرياتها، التي يتوافد منها غالبية الزوار، من قبيل فاس والدارالبيضاء. كما أن إغلاق تطوان ساهم بدوره في هاته الأزمة، إذ غدا الدخول والوصول للسواحل، رغم أنها مفتوحة، أمرا صعبا.

الصحة قبل السياحة
أسف التجار وأصحاب المهن الموسمية والسياح أنفسهم على ما آلت إليه الأوضاع لا يجعلهم ينسون أن مسألة الإغلاق والاحترازات أمر لا بد منه، وأن الإجراءات التي تمت بالنسبة لبعض المدن، هي ضرورية في هاته الفترة، بغض النظر عن الطريقة التي تمت بها، والتي يتفق الجميع أنها لم تكن مناسبة تماما، ونالت عدة انتقادات. لكن حماية مدن غير عليلة من مدن ينتشر فيها الوباء بشكل كبير لا يختلف بخصوصها إلا القليل ممن قد يرون في الربح المادي الأساس بمقابل صحة المواطنين.

السواحل الشمالية في مجملها، من الحسيمة إلى شفشاون وصولا لوادي لاو ومرتيل المضيق الفنيدق، كلها سواحل تستقطب في هاته الفترة من السنة مئات الآلاف من الزوار القادمين من مختلف ربوع المملكة ومن خارجها أيضا. هذا العام لا معالم لموسم صيفي لحد الساعة، ونحن نوشك على الأسبوع الثاني من شهر غشت، حيث تنتهي مرحلة الذروة المعتادة، ليجد كل من استثمر أو حلم بموسم صيفي نفسه يواجه الغموض والخسارة لا محالة، خاصة من اكترى محلا وجهزه وهو يعتقد أن الوضع عاد لطبيعته بعد تطمينات الحكومة.

بداية الانتكاسة

كان الكثيرون يعتقدون أن الأمور ستتحسن بعد عيد الأضحى، وأن خسائر شهر يوليوز سيتم تعويضها حينذاك، وحتى من لم يكن قد فتح بعد أو أعد محله بدأ في اقتناء ما سيحتاجه، وبدأت الحركة تدب أواخر يوليوز استعدادا لما بعد العيد، حيث كان السماسرة قد تسلموا طلبات الحجز من غالبية زبنائهم من مختلف المدن.
كانت كل المعطيات تؤكد أن المنطقة ستعود للحياة بعد العيد مباشرة، قبل أن ينزل البلاغ «الصاعقة» يوم 26 يوليوز، والذي جعل تطوان ضمن المدن الممنوع مغادرتها والدخول إليها، فبدأت رحلة الليل عند آلاف الأسر التي كان بعضها قد حل للتو.

انقلبت الأمور رأسا على عقب ليلة الأحد 26 يوليوز، وبدأت أفواج من الزوار تغادر المنطقة ساعتها، فيما لم يتبق بها سوى بعض من يتوفرون على منازل خاصة بهم، سواء بالمركبات السياحية أو العمارات السكنية، خاصة المتواجدة على طول الساحل. عدد من هؤلاء فضل البقاء وقضاء العيد بالمنطقة، تفاديا لأي خروج قد يمنعه العودة مجددا بعد العيد، خاصة وأن البعض يتحدر من مدن دخلت خانة الحظر، بعد أن كانت مفتوحة ضمن المنطقة 1 كما هو الحال بالنسبة للدار البيضاء وفاس.

المدة الوجيزة التي أعلنت فيها الحكومة عن بلاغها ليوم 26 يوليوز للمواطنين قبل سريان قرار الإغلاق جعلت البعض في ورطة، حيث هناك بعض الأسر التي تلتحق كاملة بالساحل التطواني، وظل الأب مثلا منشغلا بالعمل في انتظار العطلة، أو اقتراب العيد، لكن القرار لم يمنحه الوقت الكافي للالتحاق، ولا باتخاذ قرار مغادرة الأبناء.

مدن مغلقة وأخرى ضائعة

الحواجز الأمنية المنتشرة بمدخل تطوان من كل جانب جعلت الولوج إليها أمرا صعبا للغاية، خاصة السدود الأمنية التابعة للأمن الوطني، وهو ما جعل بعض القادمين حتى من مدن مفتوحة في اتجاه السواحل التطوانية، المفتوحة بدورها، أمرا صعبا للغاية، ودفع بعدد منهم لتغيير مسارهم، والدخول عبر الطريق السيار في اتجاه مدينة الفنيدق، لكن فقط بالنسبة للمدن المسموح بدخول أهاليها، كما هو الحال بالنسبة للرباط، المحمدية، القنيطرة وغيرها، فيما لم يكن الأمر ممكنا بالنسبة للقادمين من المدن الممنوعة ولو مروا عبر هاته الطريق.

كثير من أصحاب المشاريع التجارية، بمختلف أشكالها، مقاه، مطاعم، محلات للبيع، أصحاب كراء الشقق المفروشة وغيرهم، غالبيتهم، اعتبروا إغلاق مدينة تطوان، ولو لم يتم إغلاق السواحل التابعة لعمالة المضيق الفنيدق، في ذلك ضررا كبيرا لهم. وتسبب ذلك في إحجام الكثير من الزوار عن القدوم وإلغائهم حجوزاتهم، سواء بالشقق المفروشة أو الفنادق، فالصفوف الطويلة بمدخل المدينة، والصرامة التي يتم التعامل بها، جعلت حتى من لهم الحق في الدخول والخروج يلغون سفرياتهم، وهو ما جعل عدد القادمين من الزوار ضعيف جدا مقارنة مع السنوات السابقة.

مدن مرتيل، المضيق والفنيدق، أشبه بجثث بلا روح هاته الأيام، فرغم وفود بعض الزوار من مدن معروفة كالعاصمة الرباط وبعض المناطق الأخرى إلا أن الوضع مازال متأزما بشكل كبير جدا. ويأتي في مقدمة المدن الأكثر تضررا، مدينة الفنيدق، التي اعتادت على عدد كبير من الوافدين ليس من المقيمين، لكن من العابرين الذين يملؤون أسواقها، طمعا في سلع سبتة المحتلة المهربة. تلك السلع التي توقف تهريبها منذ أشهر قبل انتشار كورونا، جعلت المخازن والمحلات، تبدو شبه فارغة من تلك السلع، والتي ارتفعت أثمنتها، وبالتالي لم يعد لها عشاق ولا رواد.

الفنيدق، التي تستقطب هواة التبضع، القادمين من مختلف مدن الساحل التطواني، حيث يقيمون غالبا بكل من المركبات السياحية المنتشرة هناك، وبشقق مرتيل والمضيق، ويزورون الفنيدق كل يوم، بل كل مساء للتبضع، أخلفوا الموعد هذا العام لسببين، الأول ناتج عن قلة الزوار أصلا بسبب إغلاق المدن، والثاني بسبب ندرة السلع الأوروبية المهربة، التي اعتادوها، حيث إن كل ما تبقى لا يتجاوز بعض ما تضمه بعض المستودعات، وغالبا ما سيكون تجاوز التاريخ الافتراضي له بحكم أن المعبر مغلق منذ قرابة 7 أشهر، وبالتالي تجد المدينة فارغة ومقفرة في بعض الأوقات تمام كالمدن الشبح، رغم أنها ذروة الفترة الصيفية.

بالمقابل في مرتيل والمضيق، عاد الوضع لينتعش قليلا، بعد الأسبوع الأول من العيد، لكن بنسبة لا تتجاوز في أحسن الأحوال معدل 25% مقارنة مع السنوات الماضية. فقد حل بالمدينة بعض أصحاب الشقق، ممن اقتنوها مؤخرا، أو أولئك الذين يتوفرون على سكن بالمركبات السياحية، ما جعلهما يعيشان جزئيا نوعا من الانتعاش بفعل الحركة والنشاط التي بثهما الزوار في شوارعهما وكورنيشهما، إن على مستوى التجوال أو امتلاء الشواطئ، والتي لا تستقبل زوارها إلا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وغالبيتهم من أهالي تطوان.

معاناة وكساد

«الوضع سيء للغاية» يقول صاحب وكالة عقارية بمرتيل، اعتاد أن يكتري مجموعة شقق ويعيد كراءها في عروض خاصة لزبنائه، في كل عام كان يقدم هاته الخدمات لمئات الأسر القادمة من مختلف أرجاء المغرب، وخاصة منها مدن الدار البيضاء وفاس، على حد قوله. لكنه هذا العام، وبعد تصريحات رئيس الحكومة في البداية بتشجيع السياحة، اعتقد أن الأمور ستفتح خلال الأسابيع الأخيرة من يوليوز وبداية غشت، لذلك، التزم بحجز شقق لعرضها، وأدى تسبيقا ماديا لأصحابها، قبل أن يصدم بقرار الإغلاق، وإلغاء جل زبنائه لحجوزاتهم، مما جعله، كما غيره في وضع لا يحسد عليه، بسبب ضياع الموسم.

ليس وحده صاحب الوكالة العقارية من يعاني، فزملاؤه في هاته الحرفة، سواء المنظمين أو المنتمين لما يسمى «سماسرة الشارع»، كلهم وجدوا أنفسهم بدون عمل، علما أنها الفترة السنوية الوحيدة التي يشتغلون فيها، وهي التي تساعدهم على تحمل تكاليف العيش على مدار العام. نفس التطلع والحلم، كان يراود أصحاب الشقق الذين اعتادوا كراءها، فهاته الفترة بالنسبة لهم، هي موسم توفير دخل يمكنهم من مجابهة صعوبة العيش خلال الفترة الشتوية، التي تكون المنطقة فيها متوقفة وجامدة تقريبا.

غير بعيد عن هؤلاء، يمتد طابور من أصحاب المهن الموسمية، الذين كانوا يعولون على الموسم الصيفي، منهم باعة قادمون من مدن أخرى، ومنهم أبناء المنطقة، ممن اكتروا محلات تجارية ككل عام، وملؤوها بسلع من كل حدب وصوب، واستعدوا للموسم الصيفي، فوجدوا أنفسهم أمام كساد لم يسبق لهم أن عرفوه أو حتى اعتقدوه. فبعد نهاية شهر يوليوز بمداخيل لا تفي حتى بأبسط التزاماتهم، وجدوا أنفسهم أمام شهر غشت، الذي كان أملهم الكبير، وجدوا أنفسهم أمام الفراغ، وليس هناك من زبناء سوى قلة قليلة جدا. بل ان فنادق اغلقت أبوابها بشكل نهائي بعد أن فقدت الأمل كليا.

كل شيء متغير، كل شيء مختلف جدا عن السنوات السابقة، فرغم وجود بعض الحركة بالشارع، إلا أنه لا حركة تجارية ولا اقتصادية، فكل شيء ينبئ عن صيف يوشك على نهايته، دون أن يتمكن أحد من أن يوفر لنفسه ولو أبسط ما خسره في الإعداد لهذا الموسم الصيفي، الذي فرضه كورونا بإيقاعات خاصة، حيث خيم شبحه على كل شيء ولازال... إنه موسم صيفي صعب وستتلوه أشهر عجاف وأكثر صعوبة للآلاف من الذين كانوا يعتقدون أن الصيف سيلملم جراحهم التي تركتها أشهر الحجر السابقة.

تعليقات الزوّار (0)