لم يعد التأثير في الرأي العام حكراً على الأحزاب السياسية أو وسائل الإعلام التقليدية أو المناضلين الميدانيين، بل برزت ظاهرة جديدة تتمثل في “المؤثرين الرقميين” وبعض الدجالين الهاربين في الخارج، الذين يتخذون من الشاشات الرقمية منصات لتوجيه المشهد السياسي الداخلي.
وفي طليعة هذه الفئة من “فهايمية النت” نجد النصاب الفار من العدالة هشام جيراندو، الذي يفتقر لأي امتداد تنظيمي أو نضالي على أرض الواقع، وفي المقابل، يطرح نفسه كوصي على الوعي الجمعي، يوزع صكوك الغفران السياسي، ويحدد للناخبين من هو الحزب “الفاسد” ومن هو الناخب “المنقذ”.
وأولى المفارقات التي يطرحها هذا الدجال وأكثرها إثارة للاستغراب هي “سكيزوفرينيا المشاركة السياسية”، فمن الغريب جداً أن ينبري شخص يعيش متشرداً على بعد آلاف الكيلومترات من المغرب للدعوة للتصويت لحزب سياسي معين! وهو نفسه لا يمارس حقه وواجبه الدستوري في التصويت، بل وينصب نفسه موجهاً ومفتياً سياسياً يحثّ المواطنين على دعم طيف سياسي بعينه.
إن العمل السياسي في جوهره هو ممارسة ومسؤولية وتراكم، وليس مجرد شعارات تُطلق في فضاء افتراضي، وعندما يدعو شخص لا يؤمن بجدوى الانخراط في المؤسسات إلى التصويت لحزب معين، فإن ذلك لا يعكس وعياً ديمقراطياً، بل ينم عن انتهازية مقيتة ومحاولة لركوب أمواج الاستحقاقات الانتخابية لتحقيق مكاسب شخصية تتمثل في حصد المشاهدات (الترافيك) وتثبيت الحضور الافتراضي.
ومن التناقضات السمجة أيضا أن يخرج شخص يدعي أنه كندي، ويتباهى بجواز سفره الأجنبي، ويزايد بجنسيته الأجنبية، ليفتي على المغاربة كيف يمارسون حقوقهم السياسية الوطنية، وليظهر لهم من هو الحزب الأنسب لهم في المغرب!
فكيف لشخص هارب من عدالة المغرب، بسبب ارتكابه لجرائم في حق المغاربة، وبسبب ضلوعه في مخططات إجرامية ضد المغرب، أن يتجاسر ويخاطب المغاربة في قضاياهم السياسية والحزبية، وهو الموسوم أصلا بسوابق النصب والاحتيال والتخابر مع أعداء الوطن؟
والأدهى من كل ذلك، أن يخرج نفس الشخص الفاسد، الذي فضحته تسريبات أطلس هاكرز، ليقول للمغاربة من هو الحزب الفاسد ومن هو الحزب الطاهر! فهشام جيراندو الذي يرزح في الفساد حتى أخمص قدميه يزعم بأن “شمعة” اليسار هي التي تنير الطريق للمغاربة، بيد أنه يقتات هو وأسرته من أموال تجار المخدرات ومن عائدات التشهير والابتزاز.
فهذا السلوك الأرعن، يجسد حالة من الوصاية المرضية المرفوضة، ويذكرنا بالمثل الشعبي القائل “أجي أمي نوريك دار أخوالي”، فالمواطن الذي يكتوي بنار التحديات اليومية، ويساهم في بناء وطنه من الداخل، هو الأقدر على تقييم واقعه واختيار ممثليه، وليس من يراقب المشهد من وراء شاشة هاتف ذكي في قارة أخرى، يبحث منها عن ضحايا جدد لمكائده الاحتيالية.
أما المفارقة الثالثة، فتتعلق بـ “صناعة المظلومية الوهمية”. ففي سعي من هم على شاكلة جيراندو لاحتكار دور البطولة، غالباً ما يلجؤون إلى تضخيم تأثيرهم الرقمي، فعندما يتم حذف مقطع فيديو بسبب انتهاكه لسياسات المنصات أو نتيجة تبليغات عادية، يتم الترويج للأمر على أنه “مؤامرة كونية” وأن محتواهم قد “زلزل أركان الفساد”، وينسون أنهم الفساد بعينه.
وهذا التهويل هو حيلة نفسية وتكتيك تسويقي كلاسيكي يهدف إلى استدرار التعاطف، وتصوير الذات كضحية مستهدفة، مما يرفع من أسهمهم في سوق الانتباه الرقمي (Attention Economy).
وأخيراً، يطرح هذا المشهد السريالي والعبثي الذي يضطلع فيه هشام جيراندو بدور البطولة المزعومة تساؤلاً جوهرياً حول “النزاهة والمساءلة”، فكيف يمكن لمن تحوم حول مساراتهم علامات استفهام كبيرة، أو من يتخذون من التشهير واستغلال الأزمات مورداً للاسترزاق الافتراضي، ومن انكشفت مخططاتهم الإجرامية، أن ينصبوا أنفسهم حراساً للفضيلة السياسية؟
وفي المحصلة، فإن الديمقراطية شأن محلي بامتياز، تؤسس بسواعد أبنائها الذين يتحملون تبعات اختياراتهم التنموية والسياسية. أما خطابات “الخلاص المستورد” التي تُبث عبر الأثير الرقمي، فهي غالباً ما تكون مجرد فقاعات افتراضية، تقتات على عواطف الجماهير، وتفتقر إلى العمق والمصداقية اللازمين لإحداث أي تغيير حقيقي. فالوعي النقدي للمواطن يبقى هو الدرع الأقوى في مواجهة دجالي الفضاء الرقمي الذين يبيعون الأوهام من أبراجهم المنفية بعيداً عن أرض الواقع.
