في واحدة من أكثر اللحظات التي تقف فيها البسيطة عن الدوران لتنفجر ضحا في وجه بعض المهرطقين، اختار عزيز هناوي، خلال ظهوره مع اليوتيوبر حميد المهداوي، أن يوظف اسم المغني إنريكو ماسياس لمهاجمة داعمي العلاقات المغربية الإسرائيلية، مستندا إلى الأصل اليهودي للمغني ومواقفه، قبل أن يرتكب خطأ من النوع الذي يفترض أن يكون محرما على أي شخص يتحدث في السياسة والإعلام، بعد إعلانه وفاة الرجل، وهو حي يرزق.
المفارقة أن إنريكو ماسياس كان حاضرا في برنامج «L’Invité» على TV5MONDE يوم 2 أكتوبر 2026، أي قبل أيام قليلة من الوقت الذي قدمه فيه هناوي باعتباره ميتا، بمعنى آخر، هناوي لم يكتف بنشر معلومة غير صحيحة، بل نجح في تحقيق سبق صحفي نادر: قتل شخص وهو لا يزال حيا!
من حق هناوي أن ينتقد استضافة ماسياس، ومن حقه أن يختلف مع مواقفه السياسية، بل وأن يخوض في كل ذلك إلى أقصى حدود السجال السياسي، لكن ما ليس من حقه، خصوصا وهو الذي يستعد لمناقشة قضايا وتشريعات داخل المؤسسة التشريعية، هو أن يحول الكذبة إلى قطعة ديكور في خطاب جاهز، وأن تصبح الحقيقة آخر شيء يهتم به.
المشكلة هنا ليست أن عزيز هناوي أخطأ في اسم أو تاريخ، المشكلة أن الخطأ نفسه أصبح جزءا من الحجة، إذ اعتبر الأصول اليهودية للمغني ومواقفه مدخلا للهجوم، وزعم موته ليكمل الحبكة، فقط هناك تفصيل صغير أفسد السيناريو كله، الرجل لم يمت.
ولذلك، ربما يحتاج هناوي، قبل أن يدخل قبة البرلمان، إلى دورات تدريبية في التحقق من الأخبار كالتي يجتازها طلبة الأسدس الأول من طلبة معاهد الصحافة، فالمؤسسة التشريعية ليست حلقة يوتيوب، وهي مصيبة كبرى إذا كان يعول على إتحافنا بمداخلات مبنية على التضليل والكذب من نوع “سلوكية برو-ماكاس” كالذي شاهدناه يطلقها عند صديقه اليوتيوبر.
المثير للشفقة في الموضوع هو أن المهداوي، الذي كان يدير الحوار وكأنه جورج قرداحي في “من سيربح المليون”، تركه كما العادة يطلق ساقي “سلوكيته” للريح دون أن يصحح له المعلومة، مخترعا بذلك جنسا جديدا من صحافة “كور وعطي للعور” التي تناسلت مؤخرا كالفطر في منصات التواصل، إذ انتقل إلى المحور الموالي وكأن شيئا لم يحدث.
إن كان إنريكو ماسياس قد مات في رواية هناوي، فإن الذي ينبغي أن يقلقنا أكثر هو موت التحقق داخل النقاش السياسي والإعلامي، لأن الذي يخطئ في معلومة يمكنه الاعتذار وتصحيحها، أما السياسي الذي يبني عليها خطابا كاملا فقط لإثبات صدق نظريته، يصبح مجرد حكواتي يصلح فقط للـ”معاطية” أكثر منه لتقديم فكر سياسي منطقي وبناء.
والأكثر إثارة للسؤال، إذا كان التحقق من حياة مغن فرنسي لا يحتاج أكثر من بحث سريع، فكيف سيكون التعامل مع أرقام الميزانية، ومشاريع القوانين، والاتفاقيات الدولية، والمعطيات الاقتصادية عندما يجلس هناوي داخل المؤسسة التشريعية، ولو أن زلته تلخص العطب الخطير الذي أصاب الخطاب السياسي لمن ينصبون أنفسهم معارضة من داخل المعارضة.
الخلاصة، إنريكو ماسياس حي. أما الحقيقة في هذه القصة فيبدو أنها كانت الغائب الوحيد عن الحلقة، مثلما تغيب العديد من قيم الشفافية والصدق في خطابات هناوي وأمثاله من الساقطين سهوا على ساحة السياسة والإعلام، ولعل هذه فقط نبذة عن العطب الذي أصاب النقاش العام، مصيبا إياه في مقتل.
