في سَقطة مِهنية جديدة تكشف حجم الاستخفاف بعقول القُراء، أتحَفتنا الصحافة الإسبانية، وتحديداً صحيفتا “إل ديباتي” (El Debate) و”آ بي سي” (ABC) يوم 8 سبتمبر 2026، بسيناريوهات استخباراتية تبدو وكأنها مَسروقة من أسوأ نصوص أفلام هوليود من الدرجة الثانية.
فقد خَرجت علينا الصحفية “كيتي غارات” في “آ بي سي” بادعاءات تُصور المهدي حيجاوي كعقل مُدبر لعمليات اختراق هواتف كبار قادة أوروبا، زاعِمة أنه كان “الرقم اثنين” في المخابرات المغربية وقائد وحدة “أطلس” النخبوية، وأنه يَقف شخصياً خلف اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بواسطة برنامج “بيغاسوس”!.
ولم تتوقف القصة هنا، بل تكفل الصحفي “أليخاندرو إنترامباساغواس” في “إل ديباتي” بإكمال المشهد السينمائي، زاعماً أن هذا “الجاسوس الخطير” يَعيش متخفياً في شقة بضواحي مدريد ومزرعة في كاسيريس، هارباً بملفات “فائقة السرية” و2.6 “جيغابايت” من البيانات كبوليصة تأمين، في سَردية تسعى يائسة لتصوير هارب من العدالة كصندوق أسود لأسرار الدولة، وهو المشهد الذي يَعكِس حالة من الإفلاس الصحفي، حيث يتم تدوير الخيال وتحويله إلى “سبق صحفي” لتبرير أزمات سياسية داخلية، دون أدنى احترام لأبسط قواعد المنطق والتحقق.
وإذا أردنا أن نَقيس مدى غباء هذه السردية الإعلامية، فلا نحتاج لأكثر من عملية حسابية بسيطة تَفضح هذا التلفيق الساذج، حيث تدعي الصحافة الإسبانية بجُرأة يُحسدون عليها أن حيجاوي هو من أشرف على عملية اختراق هواتف ماكرون وسانشيز ببرنامج “بيغاسوس” في سنة 2022، لكن الحقيقة الموثقة والتي تتجاهلها هذه المنابر عمداً، هي أن المهدي حيجاوي تم عَزله وطرده من صُفوف جهاز المخابرات المغربية (DGED) في سنة 2010!
فكيف يُمكن لشخص جُرِّد من مَهامه وصلاحياته قبل أكثر من 12 عاماً من تاريخ واقعة “بيغاسوس” أن يُدير عملية تجسس سيبرانية مُعقدة تتطلب إمكانيات دولة؟ فهل استخدم حيجاوي آلة زمن للعودة إلى مَقرات المخابرات التي طردته ليَقود “وحدات النخبة”؟ أم أن الصحافة الإسبانية تَعتقد أن برمجيات الاختراق التي تُكلف ملايين الدولارات تُباع في الأسواق الأسبوعية ليَتصرف فيها شخص مَعزول لحساب جهة لفظته منذ عقد ونصف؟
إن مُحاولة إلصاق تُهمة “بيغاسوس” بشخص لا يَملِك أي صِفة رسمية منذ 2010، تَكشف أن الهدف ليس كشف الحقيقة، بل إيجاد “بطل شرير” وهمي يُمكِن تحميله مسؤولية تغييرات الدبلوماسية الإسبانية، حتى لو تَطلَّب الأمر نَسف قوانين الفيزياء والمنطِق.
ولكي تَكتمِل فُصول المسرحية الهزلية، يُقدم لنا تقرير “إل ديباتي” تفاصيل عن شبكة علاقات هذا “العميل الخارق” في منفاه الإسباني. وبدلاً من أن نجد شخصيات استخباراتية وازنة أو قادة دوليين، نفاجأ بأن أقرب مقربيه هو أمين بلخويا، رجل الأعمال المقيم في “مالقا” والمدير السابق لشركة “كيا موتورز المغرب”.
وللمُفارقة، فهذا “الحليف الاستراتيجي” لحيجاوي ليس سوى شخص قضى قرابة عامين في سجن عكاشة بالدار البيضاء (بين 2014 و2016) على خلفية اتهامات ثقيلة بخيانة الأمانة، والنصب، واختلاس ما يقارب 30 مليون درهم لجهات بنكية وعقارية.
وهنا يَسقط القناع تماماً؛ فنحن لسنا أمام “الرقم اثنين” في الاستخبارات الذي يُزلزل عواصم أوروبا كما يدعون، بل أمام نصّاب عادي يَبحث عن مَلاذ آمن بين أمثاله من ذوي السوابق والمشاكل القضائية.
إن مُحاولة الصحافة الإسبانية إضفاء طابع الغموض والأهمية على اجتماعات تدور بين مسؤول مَطرود منذ 15 عاماً ورجل أعمال مُتهم باختلاس الملايين، هي مُحاوَلة بائسة لتحويل عصابة من المحتالين الهاربين من العدالة إلى “شبكة تجسس دولية”. هذا الانحِدار في اختيار المصادر يَعكِس رغبة مَحمومة في خلق “بُعبُع” مغربي بأي ثمن.
وفي المحصلة، لا يُمكن قراءة هذا الهذيان الإعلامي إلا في سياق سياسي إسباني مُحتقِن يبحث عن مَشجَب لتعليق إخفاقاته، فاستحضار اسم حيجاوي اليوم، وربطه زيفاً بقضية إقالة وزيرة الخارجية السابقة أرانشا غونزاليس لايا، والتحول التاريخي في مَوقف مدريد تجاه قضية الصحراء، وتسريبات مَجموعة “جبروت” الوهمية، هو مُجرد محاولة لتبسيط سياسات دولية مُعقدة وحصرها في قصة “ابتزاز” خيالية.
إن الإعلام الإسباني، الذي لم يَستطع تقبل فكرة أن الأجهزة الأمنية المغربية باتت تَفرِض إيقاعها بِنِدِّية وواقعية كبيرة، يُفضل الركون إلى نظرية المؤامرة. ولأنهم لا يَملكون أدلة حقيقية على مَزاعم التجسس التي صدعوا بها رؤوس العالم، فقد لَجؤوا إلى إعادة تدوير شخص مَعزول ومُحترق منذ عام 2010، وألبسوه عباءة خبير سيبراني، في استغباء واضح للقارئ.
إن صناعة هذه الأساطير لا تُدين المغرب أو أجهزته التي طَوَت صفحة هذا الشخص منذ سنين طويلة، بل تُدين صحافة فَقدت بوصلتها المهنية، وارتَضَت أن تتحوَّل إلى مِنصة لتبييض سجل النصابين الفارين، طالما أنهم يُرددون الأسطوانة المشروخة التي تُطرِب آذان اليمين والجهات المعادية للمغرب في مدريد.
