بدأت الصحيفة الألمانية مقالها التحليلي الطويل المنشور في النسخة المطبوعة وعلى موقعها الإليكتروني بالقول، إن كون موسكو تعزز من وجودها في منطقة الساحل هو مشكلة حقيقة وواضحة بالنسبة للغرب، لكن ما هو أقل وضوحًا للغرب هو “العلاقة المتزايدة بين الجزائر وروسيا”. فموسكو تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والأهداف طويلة المدى، والتي وصفتها الصحيفة ب”الخطيرة”.
وكتب ألفريد هاكنزبرغر مراسل الشؤون شمال افريقيا لصحيفة “دي فيلت” في مقاله التحليلي أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون “الذي انتُخب في 2019 بدعم من الجيش، كثف العلاقات مع الصين وخاصة مع روسيا، بعد توليه المنصب”. ويرجع صاحب المقال السبب إلى عوامل عدة منها أن “العلاقة التقليدية للجزائر مع موسكو تعود إلى زمن الاتحاد السوفيتي”. لذلك يسجل المقال أن معظم الأسلحة التي يستخدمها الجيش الجزائري تأتي من روسيا. لكن المقال يقف على ما وصفه محطة مفصلية في “التعاون الجديد” بين الجزائر وموسكو، واصفا إياه بأنه يتجاوز “صداقة الأمم الشقيقة” من الماضي. فالغزو الروسي لأوكرانيا هو – يضيف كاتب المقال – هو العامل الأبرز الذي جعل الجزائر وروسيا أقرب إلى بعضهما البعض. لأن البلدين تجمعهما “شراكة استراتيجية ذات أهداف طويلة المدى”.
ويسجل مقال “دي فيلت” المنشور يوم الثلاثاء الماضي، أن الجزائر صارت “قاعدة الهيمنة الروسية في أفريقيا، ومكان لتمركز السياسة الخارجية للكرملين”. واستندت صحيفة “دي فيلت ” الألمانية إلى مؤشرات نشرها مركز الأبحاث الإسباني Instituto Coordenadas ، تفيد أن النظام الجزائري “يريد تسهيل إنشاء قواعد عسكرية روسية في منطقة الساحل”، وهي المنطقة التي ينشط فيها مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية.
ويرى صاحب المقال ألفريد هاكنزبرغر، أن الجزائر تحصل مقابل خدمتها لروسيا على “الدعم السياسي للجزائر، كمساندة الطلب الجزائري للانضمام إلى عضوية مجموعة “البريكس”، وهو منتدى يهدف إلى أن يكون نموذجًا بديلًا لمجموعة السبع، التي تنتمي إليها البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا حتى الآن. ويستخلص صاحب المقال من هذه المعطيات “أن ذلك يجعل المرء لا يستغرب لماذا امتنعت الجزائر باستمرار عن التصويت في استفتاء الأمم المتحدة الذي يدين الغزو الروسي وضم أوكرانيا”.
وتضيف “دي فيلت ” أن الشراكة الروسية الجزائرية تثير “قلقًا كبيرا لدى السياسيين في أوروبا، وفي الولايات المتحدة”. واستدل كاتب المقال برسالة النائبة الأمريكية من الحزب الجمهوري ليزا ماكلين في سبتمبر من العام الماضي والموقعة من طرف 26 نائبا آمركيا آخرين. وجاء في الرسالة والموجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين ” أن العلاقات المتنامية للجزائر مع روسيا تشكل تهديدًا لكل دولة في جميع أنحاء العالم .. وعلى الولايات المتحدة أن تبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن دعم الجهود الحربية الهمجية لفلاديمير بوتين ونظامه لن يتم التسامح معه”.
رغم ذلك لا يبدو أن الجزائر تهتم بالتحذيرات، يقول صاحب المقال. فخلال السنوات الثلاث الماضية اشترت الجزائر أكثر من 80 في المائة من أسلحتها من روسيا، مما يجعلها ثالث أكبر عميل بعد الهند والصين. وخلال زيارته الرسمية المرتقبة لموسكو في شهر مايو القادم٫ يريد أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن يتحدث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن شحنات أسلحة جديدة. وينوي النظام الجزائري إنفاق حوالي 17 مليار دولار على المعدات العسكرية الروسية خلال السنوات العشر القادمة. وعلى جدول أعمال الاجتماع أيضا: تطوير صناعات الأسلحة والطاقة النووية، تضيف الصحيفة الألمانية. يذكر أن عددا من الصحف الألمانية والأوروبية نشرت منذ بدئ الغزو الروسي لأوكرانيا مقالات تحليلية تحذر فيها من التقارب الروسي الجزائري وتبعات ذلك على المصالح الأوروبية.
وبالنسبة لكاتب المقال فإن اتفاقات إبراهيم لعام 2020 “أنهت أخيرًا ما كان يومًا ما علاقات جيدة بين الجزائر وواشنطن”. في ذلك الوقت، كانت المغرب واحدة من خمس دول عربية قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. بالنسبة للجزائر كان اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء “ضربة مزدوجة للجزائر”، أولا فيما يتعلق بمغربية الصحراء وثانيا فيما يخص التعاون الأمنيالمغربي الإسرائيلي الأمريكي.
ولا تستبعد صحيفة “دي فيلت” في مقالها التحليلي أن يتغير موقف الولايات المتحدة الأمريكية حيال الجزائر في القريب العاجل. ولن يقتصر الدافع وراء ذلك على العلاقة مع روسيا التي تخوض حربا ضد أوكرانيا، بل يشمل ذلك عاملا آخر يتجلى في الدور المتزايد الأهمية لإيران في المنطقة. واستشهدت الصحيفة بتقارير استخباراتية تقول إن “طهران وميليشيا حزب الله اللبنانية المتحالفة معها تدربان مقاتلي جبهة البوليساريو داخل الأراضي الجزائرية وتزود الانفصاليين الصحراويين بالأسلحة، من بينها طائرات بدون طيار مثل تلك المستخدمة في أوكرانيا”. وأضافت الصحيفة ـ نقلا عن مصادرها ـ أن عضوا في جبهة البوليساريو أكد تلك المعلومات للرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني في أكتوبر من العام الماضي.
وبعد ذلك بوقت قصير، كتب النائب الإسباني أنطونيو لوبيز إستوريز ـ عضوالبرلمان الأوروبي عن مجموعة حزب الشعب الأوروبي ـ سؤالًا إلى البرلمان الأوروبي يسأل فيه عن “الإجراء الذي ستتخذه بروكسل لمنع استخدام الطائرات بدون طيار وتصعيد النزاع” في الصحراء المغربية. وتختم الصحيفة الألمانية مقالها التحليلي بالقول إنه أمام تمسك الجزائر بتوثيق علاقاتها مع روسيا وإيران، “فمن المحتمل أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل – الشريك الجديد للمغرب – هي التي ستقاتل الميليشيات الإيرانية في الجزائر في حالة الطوارئ”.
