سعيد يلتحق بأسامة: جنون الحمام العاقل!

بواسطة السبت 5 أبريل, 2025 - 12:50

20فبراير، 2011, كنا في الساحة. ساحة 

الحمام. 

لم يكن لدينا ترامواي في الدار البيضاء، كانت لدينا ساحة كبرى أمام المحكمة. وحين اقترحت على من كان زميلا لي حينها، صديقي جمال زايد، أن “نهرب” من يقظة “سي محمد البريني”، ومن اعتقال هيئة التحرير لنا لكي نرى مايقع في “الخصة”، ابتسم بشغبه العادي والمعهود وقال لي “مشينا”، فذهبنا. 

قلنا لأنفسنا يومها إن الاكتفاء بتلقي أخبار الساحة، وبقية الساحات، عبر الهاتف أمر لايليق، لأننا صحافيون في جريدة مجتمعية ميدانية جعلت من قانون القرب نبراس عمل لها، وقلنا أيضا إن الأصل في مهنتنا هو عيش مايقع من داخله، وقلنا أمورا أخرى كثيرة، فقط لكي نجد المبرر لنا للنزول إلى “الحمام”، والهروب من هدوء قاعة التحرير القاتل يومها. 

صدحت الساحة بالشعارات، وذات هنيهة تعب، اقترحنا معا، جمال وكاتب الأسطر، على نفسينا استراحة داخل “الكلوب” المجاور للساحة. 

قلنا ضاحكين على سبيل التندر الساخر: “سندخل إلى النادي، سنأكل ونشرب ماتيسر، وعندما ننتهي سنجد أنفسنا أمام مشهد من إثنين: الساحة وقد امتلأت بالبيضاويين أكثر، أو الساحة وقد نفضت عنها غبار هذا النداء، وعادت إلى الحياة العادية والطبيعية التي تعرف”.

خرجنا منتشين من النادي، فوجدنا قلة قليلة من الناس تطالب بالمبيت في الساحة، فيما الأغلبية غادرت إلى محلات التقائها، (أصلا النادي امتلأ منذ دخلناه بكل الذين أتوا للتظاهر، ثم تعبوا فدخلوه واكتفوا به في الختام). 

في بقية مدن المغرب، كان الأمر على الشكل ذاته. رأى الناس على شاشة “الجزيرة” وغيرها أحداثا جساما تقع تلك السنة الغريبة من حياة البشر، فقرروا الارتماء في أحضان كذب الربيع العربي، وحمل كل واحد منهم هذا الفصل الغريب أوزار كل استيهاماته، وانتهت الأمور على كل حال بما وعلى ماانتهت إليه مما يعرفه الجميع اليوم، سواء في تونس التي غيرت بنعلي بقيس “أكرف منو”، أو مصر التي بقيت في الخاطر سالمة رغم “هولد آب” القرضاوي  و الإخوان الفاشل، أو ليبيا التي سأل القذافي شعبها بعد أن حكمهم نصف قرن “من أنتم؟”، أو سوريا التي استمرّ فيها الموت حتى وقت غير بعيد، ولعله لازال قائما هناك اليوم، فبقية البقية. 

من الملامح التي التقطناها حينها إسمان: أسامة الخليفي، وسعيد بنجبلي، ولعلهما بالنسبة لي التلخيص الأمثل لحكاية 20 فبراير كلها. 

لعلهما الاختصار المفيد لرحلة التيه التي تبدأ شعارا كبيرا، يلتقطه (أذكياء) أكثر من اللازم، فيوظفونه لصالحهم من خلال اللعب بصغار حالمين طموحين، وتوريطهم في أمور لاقبل لهم بها، قبل نفض اليد من غبارهم، وتركهم وحدهم عرايا يواجهون واقعا أكبر منهم بكثير. 

سألت أسامة رحمه الله، عندما استضفناه في “قفص الاتهام” إن كان يعرف أن “لوموند” وهي تكتب عنه عنوانا خادعا وأكبر منه بكثير، اغتالته وانتهت منه قبل أن يبدأ. 

لم يجبني، أو لعله لم يرد الإجابة، لكنه تذكر السؤال بعدها بسنوات كثيرة، حين كان يمر من أزمته الأخيرة قبل التحول إلى مكناس، وقال لي وهو يحدد موعدا للمجيء إلى الدار البيضاء من أجل لقاء لم يتم “عقنا معطلين آفلان”. 

سعيد هو الآخر، رحمه الله، (عاق معطل) بعد أن ضيع في أوهام الآخرين عمره، من مجانين القومة الخرافية في “الجماعة” إياها، حتى أكاذيب التدوين في عهد حكومة الإسلاميين. فانتهى به الحال صادقا مع نفسه حد الجنون في عيون الآخرين، فقط لأنه انتبه للفخ المنصوب بعناية، فحاول الإفلات منه، ولم يستطع، وبقي رهين المصيدة حتى الرحيل المختار بعناية شديدة أو بإهمال أشد، والله أعلم. 

المهم، أسامة وسعيد، وجهان حزينان لحلم مغربي وجد أمامه كوابيس كثيرة، ففقد القدرة على المقاومة، واختار أن يتحول وهما واستيهاما ورؤى ومنامات وجنونا وخروجا عن العقل والمنطق واستسلاما لكل الحماقات. 

لعله في نهاية النهاية الحل الوحيد أمام غياب العقل عن الجموع: الخروج عنه، إلى ساحة التحرر من كل شيء، والصراخ عاريا أمام الملأ، أن قد “تعبت، وحان الآن وقت الرحيل”. 

هكذا تحدث أسامة، وهكذا تحدث سعيد من بعده، وهكذا طار الحمام من تلك الساحة، وهكذا بقي المنتشون داخل النادي القريب منها، يشربون يوميا نخب كل الهزائم، ويصيحون بكل صخب “صحة” في وجه كل انكسار جديد…

آخر الأخبار

المغرب يتولى رئاسة مجموعة وزراء النقل لغرب المتوسط للفترة 2026-2028
تسلمت المملكة المغربية، اليوم الأربعاء بالرباط، رئاسة مجموعة وزراء النقل لدول غرب البحر الأبيض المتوسط (5+5) برسم الفترة 2026-2028، خلفا لجمهورية مالطا التي تولت رئاسة المجموعة منذ سنة 2021، وذلك في ختام أشغال المؤتمر الوزاري الحادي عشر للمجموعة. وتشكل هذه الرئاسة محطة بارزة في مسار التعاون الإقليمي في مجالات النقل واللوجستيك والتنقل المستدام، كما تعكس […]
خلف الستار: تسريبات "أطلس هاكرز" تكشف عبودية جيراندو لعرابه المهدي حيجاوي
في أدبيات الخيانة والارتزاق، غالبًا ما تتساقط الأقنعة بسرعة غير اعتيادية لتكشف عن الوجوه الحقيقية لأشخاص اعتقدوا واهمين أن شعارات “محاربة الفساد” خلف كاميرات الهواتف النقالة وانطلاقا من الملاذات الكندية الآمنة، يمكنها حجب عورات مخططاتهم التخريبية ضد الوطن. وهذا ما أكدته بشكل قاطع التسريبات الأخيرة الصادرة عن مجموعة “أطلس هاكرز”، والتي وضعت حدًا للادعاءات الزائفة […]
"إيتزي" تشعل منصة السويسي في أول حفل لها بالمغرب
أشعلت الفرقة الكورية “إيتزي” منصة السويسي بالرباط، مساء الثلاثاء، في حفل حماسي ضمن فعاليات الدورة الـ21 من مهرجان موازين – إيقاعات العالم، وسط حضور جماهيري كبير من عشاق موسيقى الكي-بوب. ومنذ اللحظات الأولى لظهور عضوات الفرقة الخمس على المسرح، تعالت هتافات الجمهور الذي رفع العصي المضيئة ولافتات تحمل صور المجموعة، في أجواء عكست حجم الشغف […]