في رد يتسم بالدقة والاتزان، يبين لحسن حداد أن معاهدتي 1767 و1799، اللتين يجري الاستناد إليهما لنفي الوجود التاريخي للمغرب، تثبتان في الواقع عكس ذلك. لحسن حداد فتح أخيرا على مواقع التواصل الاجتماعي نقاش تاريخي وقانوني حول سبتة ومليلية، وحول وجود المغرب كدولة قبل سنة 1956.
تعود بداية هذا الجدل إلى سلسلة مطولة من المنشورات نشرها أستاذ الفلسفة الإسباني إيمانويل مارتينيز ألكوسير. واستنادا إلى المعاهدتين المبرمتين بين المغرب وإسبانيا سنتي 1767 و1799، ذهب إلى أن السلاطين العلويين اعترفوا بشكل نهائي بسبتة ومليلية باعتبارهما ممتلكات إسبانية، ليستنتج من ذلك أن أي مطالبة مغربية بهما تفتقر إلى أساس تاريخي.
وذهب أبعد من ذلك، مدعيا أن المغرب لم يكن موجودا من قبل باعتباره دولة موحدة، وأن ظهوره لم يتم إلا سنة 1956، بالتزامن مع بروز ما يعرف بعقيدة «المغرب الكبير». كما وصف الموقف المغربي بأنه «هجوم عسكري وسياسي» موجه ضد إسبانيا.
ورد لحسن حداد على هذه الأطروحات من خلال مساهمة تاريخية وقانونية، أخضع فيها هذه الادعاءات لما تقوله النصوص نفسها، بعيدا عن التجريح أو المبالغة، مسلطا الضوء على محدودية القراءة الانتقائية التي تحاول استخلاص نتائج من وثائق تاريخية لا تتضمنها.
معاهدة 1767 تثبت وجود المغرب
أبرمت معاهدة 28 ماي 1767 بين الملك الإسباني كارلوس الثالث وسيدي محمد بن عبد الله، الذي تقدمه الوثيقة باعتباره «إمبراطور المغرب» وسلطان فاس ومكناس وسوس وتافيلالت ودرعة. وينص الفصل الأول من المعاهدة على السلام بين «العاهلين»، كما تتحدث الوثيقة عن دولتين ورعاياهما ومملكتيهما والأراضي الخاضعة للسلطة المغربية.
وهنا تظهر، بحسب حداد، مفارقة واضحة: فالوثيقة التي تقدم دليلا على عدم وجود المغرب، جرى التفاوض بشأنها وتوقيعها من طرف سلطان المغرب باسم كيان سياسي يتوفر على أراض ورعايا ومؤسسات ودبلوماسية، ويمتلك أهلية إبرام المعاهدات الدولية.
كما يستحق الفصل 19 من المعاهدة قراءة دقيقة، إذ لا يتضمن أي تنازل مغربي عام ونهائي عن الثغور. بل على العكس، يرفض التوسعات الترابية التي طالبت بها إسبانيا حول المواقع الأربعة، مع التنصيص على مسطرة لتحديد نطاقها.
وبذلك، فإن السلطان يعترف بواقع عسكري إسباني ويقبل التفاوض حول حدوده، لكنه يرفض التوسعات المطلوبة. وهو وضع يختلف، بحسب هذه القراءة، عن القول بوجود قبول مغربي هادئ ومطلق وغير قابل للتراجع عن الوضع الترابي برمته.
ما تقوله معاهدة 1799
عند قراءة معاهدة سنة 1799، يواصل لحسن حداد القراءة المتأنية والدقيقة لفصولها. فالفصل 15 منها يبقي على حدود تراب سبتة كما جرى تحديدها سنة 1782، ويتحدث عن الحصون الإسبانية، كما يشير إلى وجوب احترام سيادة ملك إسبانيا. وهي عبارات تدعم، بلا شك، القراءة الإسبانية.
لكن الوثيقة نفسها تقدم مولاي سليمان باعتباره «ملك المغرب» وأحد الطرفين الساميين المتعاقدين. كما تتحدث مجددا عن الحكومة المغربية وسلطاتها ومجالاتها وموانئها ورعاياها. وبالتالي، يمكن لهذه المعاهدة أن تدعم الموقف الإسباني بشأن حيازة الثغور وحدودها في تلك المرحلة التاريخية، لكنها لا تستطيع في المقابل أن تلغي وجود الدولة المغربية التي تفاوضت بشأنها ووقعتها.
كما أن تعدد الاتفاقيات اللاحقة، سنوات 1844 و1845 و1859 و1860، ثم عمليات أخرى لتحديد الحدود، ولا سيما حول مليلية، يؤكد أن المسألة الترابية لم تحسم نهائيا بمعاهدات القرن الثامن عشر.
ويطرح حداد في هذا السياق سؤالا جوهريا: إذا كان كل شيء قد تم الاعتراف به وتسويته بصورة نهائية وغير قابلة للتراجع سنتي 1767 و1799، فلماذا استمر التفاوض طوال عقود أخرى حول الحدود والتوسعات وأمن الثغور؟
المغرب لم يولد سنة 1956
يعتبر حداد أن هذه النقطة تحديدا هي الأكثر هشاشة في أطروحة إيمانويل مارتينيز ألكوسير. ففي سنة 1952، أي قبل استقلال المغرب بأربع سنوات، بحثت محكمة العدل الدولية الوضع القانوني للمغرب في القضية المتعلقة بحقوق الرعايا الأمريكيين. وقد انطلق تعليلها من استمرارية المغرب الذي احتفظ، حتى في ظل نظام الحماية، بشخصيته كدولة في القانون الدولي.
وبالتالي، فإن ما حدث سنة 1956 هو استعادة المملكة للممارسة الكاملة لاستقلالها وسيادتها، وليس ظهور دولة جديدة فجأة على الخريطة أو ولادتها نتيجة عقيدة قومية. كما أن نظام الحماية نفسه أقيم سنة 1912 بموجب معاهدة أبرمت مع سلطان المغرب. والحماية، بطبيعتها، تفترض وجود كيان سياسي سابق تتم حمايته، إذ لا يمكن إبرام معاهدة حماية مع دولة غير موجودة. فالملكية والسلطنة والمخزن والمؤسسات والدبلوماسية والعلاقات الاتفاقية للمغرب مع القوى الأجنبية كلها تعود إلى ما قبل سنة 1956 بمدة طويلة.
ويشدد حداد على ضرورة عدم الخلط بين هذه الاستمرارية التاريخية وبين عقيدة «المغرب الكبير» التي تبلورت خلال القرن العشرين. فهذه العقيدة يمكن مناقشتها أو الاعتراض عليها، لكنها لا يمكن أن تستخدم لمحو قرون من التاريخ السياسي والدبلوماسي للمغرب.
فخ إسقاط الحاضر على الماضي
ويرى حداد أن الادعاء بأن المغرب لم يكن موجودا خلال القرن الثامن عشر، لأنه لم يكن يتوفر على البنيات المركزية نفسها التي تتميز بها الدولة المعاصرة، يمثل إسقاطا لمعايير الحاضر على الماضي. فدول تلك المرحلة كانت ملكيات أسرية، تتشكل في حالات كثيرة من أقاليم متنوعة، بحدود متحركة ودرجات متفاوتة من السيطرة على الأطراف.
وإسبانيا القرن الثامن عشر بدورها لم تكن تتوفر على التنظيم الترابي والدستوري والإداري الذي تعرفه اليوم. وإذا جرى تطبيق معايير الدولة القومية الحديثة على المغرب وحده، فإن المنطق نفسه سيقود إلى نفي الوجود التاريخي لإسبانيا، بل وحتى إيطاليا وألمانيا. لذلك، ينبغي التمييز بين استمرارية الدولة وبين تطور حدودها ومؤسساتها وطرق ممارسة سلطتها.
واقع ترابي لا يمحو التاريخ
تعكس المعاهدات، في نهاية المطاف، موازين القوى السائدة في الأزمنة التي أبرمت فيها. فقد تعترف بحيازة تراب، أو تحدد حدودا، أو توقف نزاعا، أو تنشئ التزامات بين الحكام، لكنها لا تمحو تاريخ الاستحواذ على الأراضي، ولا تلغي إمكانية ظهور مطالبات لاحقة.
فبعد معاهدة 1767، تعرضت مليلية للحصار بين سنتي 1774 و1775، كما حاصر مولاي اليزيد سبتة مجددا بين 1790 و1791. وهذه الأحداث لا تلغي المعاهدات، لكنها، بحسب التحليل، تفند رواية وجود قبول مغربي نهائي للوضع، أو القول بانقطاع النزاع حول هذه الأراضي.
وبالمثل، فإن المطالبة السياسية أو التوتر الحدودي أو التصريح الدبلوماسي لا تشكل في حد ذاتها «هجوما عسكريا». فالكلمات لها مدلولاتها الدقيقة في القانون الدولي، ووصف كل خلاف سياسي بأنه حرب لا يقوي الحجة، وإنما يضفي عليها طابعا دراماتيكيا مصطنعا.
قوة الوقائع
تتميز إجابة لحسن حداد، وفق هذه القراءة، بمنهج يقوم على إعادة المعاهدات إلى سياقها التاريخي واستحضار ما تتضمنه فعليا من تعقيدات. فالوثائق تثبت أن إسبانيا كانت تسيطر على الثغور، وأن حدودها كانت موضوع مفاوضات، لكنها تثبت في الوقت نفسه وجود سلطان مغربي معترف به باعتباره مخاطبا دوليا، وله سلطات ورعايا وأراض، ويمتلك صلاحية إبرام المعاهدات.
وهكذا، فإن إيمانويل مارتينيز ألكوسير، في محاولته الاستناد إلى هذه النصوص لنفي الوجود التاريخي للمغرب، ينتهي، وفق رد لحسن حداد، إلى الاستشهاد بوثائق تفند الأطروحة نفسها التي يسعى إلى إثباتها.
للاطلاع على مقال لحسن حداد كاملا :
https://twitter.com/lahcenhaddad/status/2099030957898559966
