كم واحدا من الذين نعوا ورثوا أحمد جواد يوم الأحد الماضي بعدما علموا أنه لم ينج من إحراق نفسه، كان يعرفه حقا؟
كم منشطا تلفزيونيا وإذاعيا وكم صحافيا وصحافية وكم إعلاميا من الذين تباكوا عليه استدعاه إلىبرنامجه أو جريدته لكي يحكي له القصة من ألفها ذات اعتصام في مسرح الجديدة الذي لم يهدم، إلى يائها ذات نار غبية اشتعلت بكل فناء في جسد الرجل فلم تتركه إلا ميتا؟
كم مخرجا وكم ممثلا وكم فنانا من الذين قالوا إن موت جواد هو موت لهم جميعا اقترحه في عمل ما،مسلسل، سلسلة، سكيتش، كبسولة، مسرحية، تمثيلية، فيلم، لكي يرتق بمال الاشتغال بعضا من ثقوب حياة يومية تطالبك باستمرار بالمزيد ولاتشبع؟
أخاف حقا أن يكون الجواب هو لا أحد.
ومنذ عرفت أحمد جواد حين أتيت إلى العاصمة الرباط من مكناس، وأنا لاأراه إلا غاضبا، متمردا، حانقا، خارجا من اعتصام لكي يدخل في آخر، ومنهيا رسالة احتجاجية لكي يكتب أخرى. وكنت دائما أسمع شلة الفن والثقافة وأهلهما هناك في العاصمة، يتحدثون عنه بصيغة غير هاته التي يستعملونها الآن بعد أن علموا أنه مات وشبع موتا.
كان مجرد أحمق – رحمه الله- بالنسبة لأغلبيتهم، وكان في أحسن الأحوال بالنسبة للبقية “بنادم معكس وهادية هي طريقتو فالعيش”.
لذلك لاأعتقد أن الوزير المهدي بنسعيد يتحمل أي مسؤولية فيما وقع لجواد المسكين.
الوزير أتى إلى تلك الوزارة فوجد هذا الملف أمامه عالقا دون حل، مثلما وجد عشرات الملفات الأخرى الموروثة عن زمن تصور الثقافة مجرد مكان، نرسل إليه من لم نجد مكانا نضعهم فيه.
جواد قتله المشهد الثقافي المنافق في المغرب كله.
جواد قتلته هاته القبيلة التي تبدو ظاهريا دارسة، عالمة، ترتدي نظارات طبية، وترطن بعربية فخمة لاعلاقة لها بالواقع المغربي، تحلم بجوائز المشرق المغرية، وحين تأتي إلى التلفزيون تتحدث ببذاءة أتيقة، وبسقوط عالم لكي تخفي مثالبها والعيوب.
هاته القبيلة تأبطت شرا، ولو كانت فعلا قبيلة ثقافة حقا لما كان الحال هو الحال.
لذلك أحرق جواد نفسه، أسفا على نفسه، أنه ذات يوم وهو في الجديدة أيام صباه صدق حقا أن من يراهم في صفحات الجرائد ويسمعهم عبر المذياع ويشاهدهم في التلفزة، يستحقون عناء الهجرة إليهم، وتقاسم موائد الطعام والشراب معهم، وحضور توقيعهم على كتب بعضهم، وتسجيل الإسم شاهد زور إضافي في لقاءاتهم حول مايقترفونه، وهو كثير.
لعل جواد، حين قرر الإقدام على فعلته الأخيرة اليائسة، كان يعلن فقط كفره على رؤوس الأشهاد بهاته القبيلة الكاذبة، التي ظل يقاوم ويحارب لكي ينتمي إليها، والتي ظلت ترمقه من عل بكل احتقار وهي تقول في قرارة نفسها “ولايني مسطي هذا”.
لم يمت جواد فداء تقاعد هزيل لم يقبله يوما.
مات جواد لأن الثقافة في المغرب لم تتخلص من داء النفاق، لذلك لم تستطع يوما أن تصعد ولن تستطيع أبدا الارتقاء.
ستظل حبيسة مكتوبات الرثاء المنافقة، التي تدبج نفسها على عجل، رفعا للعتب، تنويما للضمير، إشهادا لبقية القبيلة على عدم التلبس في الجريمة المشتركة الواضحة: جريمة كل هذا النفاق الذي ضرب كل الأشياء في مقتل.
رحم الله جواد، فهو كان يحتاج الرحمة وهو حي، ولم يجدها.
عساه الآن يعثر عليها بين يدي رب كريم.
