بقلم: عبده الإدريسي
بعد الفوز المستحق الذي حققه المنتخب الوطني المغربي على نظيره الهولندي، وما رافقه من فرحة عارمة بالتأهل، وجدت نفسي، كغيري من عشاق كرة القدم، أتابع ردود الفعل عبر منصات التواصل الاجتماعي. وبين سيل المنشورات والتعليقات، برزت أمامي صورتان متناقضتان تماما.
الصورة الأولى تمثلها أقلية قليلة من الصفحات التي لا تزال تستثمر في خطاب التحريض وإثارة الفتن بين الشعوب، بتوجيه ذكي من بعض المؤثرين الجزائريين و ذلك لإنتاج حالة من الاحتقان بين الجماهير المغربية والمصرية. وهي صفحات لا تعيش إلا على الجدل، وتقتات على صناعة الانقسام، لأن ذلك يضمن لها نسب مشاهدة وتفاعل أكبر، ولو كان الثمن هو ضرب العلاقات الأخوية بين الشعوب.
أما الصورة الثانية، وهي الأصدق والأجمل، فقد جسدتها عشرات الفيديوهات القادمة من المقاهي والشوارع المصرية، حيث ظهر مواطنون مصريون وهم يتابعون مباراة المنتخب المغربي بحماس كبير، ويحتفلون بتأهله بعفوية صادقة، وكأن الفوز يخص منتخبهم أيضا. تلك المشاهد لم تكن مصطنعة، ولم تكن بحاجة إلى تعليق أو تحليل، لأنها عكست حقيقة لا تستطيع حملات التحريض طمسها، وهي أن الروابط الإنسانية والثقافية والتاريخية بين الشعبين المغربي والمصري أعمق بكثير من أن تهزها منشورات عابرة أو حسابات تبحث عن الإثارة.
لقد أثبت الواقع مرة أخرى أن الشعوب العربية، عندما تبتعد عن الضجيج الإلكتروني، تعود إلى فطرتها القائمة على المحبة والاحترام والتقدير المتبادل. وما رأيناه من دعم جماهيري مصري للمغرب يؤكد أن العلاقات بين الشعبين ينطبق عليها المثل العربي: “يا جبل ما يهزك ريح.”
ولا يقتصر الأمر على مصر وحدها، فقد برزت أيضا مواقف مشرفة من الأشقاء في تونس، ومن جماهير عربية عديدة امتدت من المحيط إلى الخليج، عبرت جميعها عن دعمها وتشجيعها لأسود الأطلس. كما أن صور المساندة لم تتوقف عند العالم العربي، بل شاهدنا مقاطع مصورة من مختلف القارات، لجماهير من جنسيات متعددة تشيد بما يقدمه المنتخب المغربي من أداء راق وروح قتالية وانضباط داخل المستطيل الأخضر، وهو ما جعل المغرب يحظى باحترام المتابعين قبل إعجابهم.
ولعل أهم درس تقدمه هذه المناسبة هو ضرورة التعامل بوعي مع المحتوى المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الانجرار وراء الصفحات التي تتعمد تسميم العلاقات بين الشعوب أو استغلال المنافسات الرياضية لخدمة أجندات ضيقة. فهذه الصفحات لا تمثل الشعوب، وإنما تمثل أصحابها فقط، بينما تبقى الحقيقة في الشارع، وفي المدرجات، وفي مشاعر الناس البسطاء الذين يفرحون لإنجازات بعضهم البعض دون حسابات أو خلفيات.
لقد كانت الرياضة، وستظل، واحدة من أقوى وسائل التقارب بين الأمم، ورسالة سلام تتجاوز الحدود والاختلافات. وعندما تتحول كرة القدم إلى مساحة للمحبة والتآخي، فإنها تحقق رسالتها النبيلة، وتؤكد أن الانتصارات الحقيقية ليست فقط تلك التي تسجل على أرضية الملعب، بل أيضا تلك التي ترسخ قيم الأخوة والوحدة بين الشعوب.
ويبقى الأمل أن تنتصر هذه الروح دائما على أصوات الكراهية، وأن تظل العلاقات بين الشعوب العربية أقوى من كل محاولات التشويه، لأن ما يجمعها من تاريخ وثقافة ومصير مشترك أكبر بكثير مما تفرقه منشورات عابرة أو حملات إلكترونية مؤقتة.
ديما مغرب… ودامت الأخوة والمحبة بين الشعوب.
