شكلت الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني المغربي محطة فارقة بالغة الدلالة، تجاوزت طابعها الاحتفالي والبروتوكولي المعتاد، لتتحول إلى حدث يحمل أبعادا فلسفية وسياسية وبيداغوجية وأخلاقية عميقة. وتتجسد هذه الأبعاد في فقرات كثيرة رافقت تخليد هذه الذكرى، سواء في الاحتفالية الممركزة بالرباط هذه السنة، أو في سائر أشكال تخليد الذكرى على المستويات الإقليمية والجهوية، ولكن تبقى للحظة تكريم المدراء العامين السابقين للمديرية العامة للأمن الوطني، من طرف المدير العام الحالي السيد عبد اللطيف الحموشي استثنائيتها بما تحفل به من رمزيات تجعل الحاضر امتدادا للماضي وتشوفا للمستقبل، بحيث تغدو المؤسسة الأمنية مختزلة لسيمياء الشجرة التي أصلها ثابت في الأرض، وأوراقها متطلعة للمستقبل على أسس ثابتة.
إن تكريم السادة: أحمد الميداوي وحفيظ بنهاشم، وبوشعيب ارميل، والشرقي الضريس ومحمد الظريف، وفي الذكرى السبعين لتأسيس الصرح الأمني المغربي، يمثل سلوكا غير مألوف في المؤسسات الوطنية، التي للأسف لم نألف منها جنوحا نحو استنبات ثقافة الاعتراف، وخصوصا لجيل الرواد، بحيث يغيب المسؤول السابق من ذاكرة المؤسسة بمجرد انتهاء المراسيم البروتوكولية لتسليم المهام، وهذا ما يمنح للحظة تكريم المدراء العامين السابقين للأمن الوطني أهميتها، كونها تمثل تبئيرا لثقافة المؤسسة، فكأن السيد الحموشي عبر لسان الحال يقول: إن المؤسسة قبل الشخص، ولكن للشخص حقه في الاعتراف وتثمين مساهماته.
إن التكريم الذي أشرف عليه السيد عبد اللطيف حموشي شخصيا، وبشكل حضوري، نجد مرجعيته الفلسفية في الإسهامات المعاصرة المتعلقة بالبناءات المؤسساتية، من خلال أدبيات الفلسفة السياسية والمؤسساتية التي استحضرت مفهوم الاعتراف، وخاصة عند أكسيل هونيت (الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت النقدية) في أطروحته حول “الصراع من أجل الاعتراف”، وكذا بول ريكور في أطروحته “مسارات الاعتراف”، حيث رغم اختلافهما الإيديولوجي، إلا أنهما التقيا في اعتبار الاعتراف يتجاوز الشعور أو الحس الأخلاقي الفردي (النبل الأخلاق للفرد الذي يعترف للآخرين بأفضالهم) إلى اعتباره ركيزة أساسية لبناء التماسك المؤسساتي، من خلال تمتين مشاعر وآليات الانتماء للمؤسسة.
فإذا كان تكريم المدراء العامين السابقين يمثل لهم نوعا من رد الاعتبار لهم، وحفظا لذاكرتهم، فإنه يعزز في الآن نفسه لدى عموم المنتسبين لمؤسسة الأمن الوطني مشاعر الانتماء للمؤسسة/ العائلة، وهو الانتماء الذي لا تنقطع عراه بالتقاعد أو انتهاء المهام.
من منظور هونيت، فإن الاعتراف يمنح الفرد والجماعة داخل التنظيم المؤسساتي شعورا بتقدير الذات، وحينما تكرم المؤسسة الأمنية مدراءها السابقين، فإنها تمنحهم اعترافا قانونيا وحقوقيا وأخلاقيا بمساهماتهم في الماضي، والآن، والمستقبل.
هذا الاعتراف يتجاوز منطق الوظيفة، إلى منطق التقدير الذي يرى في العنصر البشري أصل الرأسمال اللامادي للمؤسسة.
وفي السياق المؤسساتي الحديث، يعد الاعتراف أداة لتوطيد الروابط داخل بنية المؤسسات. إنه إقرار علني بأن المنتسبين إليها في الماضي لم يكونوا مجرد موظفين عابرين، بل كانوا صناع استقرار. هذا الفهم الفلسفي يحمي الذاكرة المؤسساتية من النسيان والتهميش, ويؤكد أن المؤسسة الأمنية تمتلك ذاكرة حية تحتفي بالتميز، وتجعل من العطاء معيارا للخلود في الذاكرة.
الدرس الثاني في مبادرة تكريم المدراء العامين السابقين يتعلق بتثبيت حالة الاستمرارية في مقابل رفض منطق القطيعة، وحتى إذا كانت ثمة قطائع في بعض المسارات، فإنها قطائع في ظل الاستمرارية، من باب الترصيد والتراكم والإصلاح والتقويم، وليس من مدخل الانطلاق من الصفر.
وللأسف، فإن الكثير من التجارب المؤسساتية في بلدنا اعتمدت القطيعة، بحيث إن كل مسؤول جديد يحاول إلغاء إرث من سبقه، ومحوه من ذاكرة المؤسسة، بناء على نزعة تتوهم بأن البناء الجديد لا يستقيم إلا بالهدم الكلي للهيكل السابق، وبخلاف ذلك فإن الفلسفة التدبيرية للسيد عبد اللطيف الحموشي تقع على النقيض من النزعات الإقصائية، وتتبنى عقيدة: الاستمرارية والتكامل.
ففلسفة الحموشي التدبيرية تنهض على ثلاثة مرتكزات أساسية:
الترصيد: ويعني تثبيت المكتسبات وتثمين النجاحات السابقة، واعتبارها رصيدا استراتيجيا، فكل المراحل السابقة التي مرت منها مؤسسة الأمن الوطني تحت قيادة مختلف المديرين العامين السابقين مرتبطة بسياقات وطنية وإقليمية ودولية، وبإكراهات مرحلية، وبتحديات مرتبطة بخصوصيات كل مرحلة، لكن رغم ارتباطها بسياقات مخصوصة مختلفة عن السياق الحالي، فإنها في كل مرحلة تثري المؤسسة على مستويات التكوين بما تختزنه من تجارب، والحكامة الأمنية، والبنية اللوجيستية.
التثمين: ويمثل القيمة المضافة لعمل المؤسسة الأمنية اليوم، في نسق تكاملي مع المكتسبات السابقة، بحيث لا يجب الاكتفاء بما تم الوصول إليه، وإعادة إنتاج ما سبق، بل إن الوفاء لما ومن سبق لا يكتمل إلا بالمراجعة والتطوير ومواكبة تحديات الحاضر، وهذا ما تعيشه المؤسسة الأمنية اليوم من خلال مشاريع الرقمنة واستحداث بنيات جديدة أو تطوير القائمة، من مثل ما يحدث في معهد العلوم والأدلة الجنائية، وشرطة النجدة، والقوات الخاصة.
التراكم: ويقوم على إيمان بأن البناء المؤسساتي يشبه البناء المعماري؛ حيث يضع كل جيل لبنات جديدة فوق اللبنات التي وضعها الجيل السابق. ففلسفة التراكم تجعل من الأمن الوطني مؤسسة ممتدة في الزمن، لا تتأثر بتغير الأشخاص بقدر ما تتقوى بتراكم خبراتهم. فالقطيعة تولد الهشاشة الإدارية، بينما الاستمرارية والترصيد يولدان القوة والهيبة والمشروعية.
إلى جانب هذه الأبعاد الفلسفية والتدبيرية، ينطوي تكريم السيد الحموشي للمدراء العامين السابقين على دلالات بيداغوجية موجهة للأجيال الحالية من منتسبي جهاز الأمن الوطني بجميع رتبهم.
إن رؤية رجال الشرطة الشباب والضباط الجدد لمديرهم العام الحالي وهو يحتفي ويكرم مدراء سابقين، يرسخ في وعيهم المهني مفهوم القدوة. يتعلم رجل الأمن الناشئ أن العطاء والتفاني في خدمة المؤسسة وبالتبعية في خدمة الوطن، ليس جهدا ضائعا، وأن المؤسسة لا تنسى أبناءها البررة. فهذا السلوك يبني حافزا داخليا قويا لدى المنتسبين للجهاز للتميز، وطموحا لأن يكونوا في مقام المكرمين يوما ما.
كما يقدم هذا التكريم درسا بيداغوجيا في الاستمرارية الإدارية. فالقيادة المسؤولة ليست هي التي تدعي البدء من العدم، بل هي التي تمتلك الشجاعة والشهامة للاعتراف بفضل الآخرين. هذا النمط من القيادة يربي الموظفين على قيم العمل الجماعي، ويقضي على النزعات الفردية والأنانيات المهنية، مما يعزز روح الفريق الواحد داخل الجهاز الأمني.
الوفاء للمؤسسة وصناع الاستقرار: حكامة التراكم والترصيد في ذكرى التأسيس
بواسطة
الأربعاء 20 مايو, 2026 - 22:43
آخر الأخبار
المجلس الوطني للصحافة يستكمل تنصيبه بانتخاب المختار لغزيوي رئيسا وحنان رحاب نائبة له (بلاغ)
اعلنت اللجنة المؤقتة للصحافة انه في إطار استكمال مسار تشكيل وتنصيب المجلس الوطني للصحافة، وطبقاً لمقتضيات القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، انعقدت يوم الاثنين 21 شتنبر 2026 الجمعية العامة للمجلس، برئاسة السيد رئيس اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة وتحضير انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي ناشري الصحف وتنظيمها […]
برقية تعزية من جلالة الملك إلى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إثر وفاة صاحب السمو الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم
بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم إمارة دبي، إثر وفاة صاحب السمو الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم. وجاء في برقية جلالة الملك “فقد تلقيت ببالغ التأثر وعميق الأسى نبأ فجيعة سموكم وأسرتكم […]
بوريطة يدعو من نيويورك إلى تحرك دولي لمواجهة تمويل وتسليح الجماعات المسلحة
جدد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، اليوم الاثنين بنيويورك، التأكيد على موقف المغرب الرافض للجماعات المسلحة من غير الدول، داعيا المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون لمواجهة مصادر تمويلها وتسليحها والدعم الخارجي الذي تستفيد منه. وجاءت تصريحات بوريطة خلال مشاركته في حدث رفيع المستوى حول “التحديات التي تطرحها الجماعات المسلحة من […]
