لن نبحث هنا عن المسافة الآمنة بالقول إننا لا ندافع عن شحتان. نعم، ندافع عن إدريس شحتان، الصحافي والإنسان، عندما يتحول الخلاف معه إلى تجريح وتشهير ووعيد. وندافع، في الوقت نفسه، عن الصحافة المغربية وعن حق الصحافي في أن ينتقد السياسي دون أن يجد نفسه في مواجهة حزب بكامله.
يمكن الاختلاف مع إدريس شحتان، ويمكن الرد على ما ينشره كلمة بكلمة. وإذا تجاوز القانون، فهناك مؤسسات وقوانين تنظم القطاع، وهناك مجلس وطني للصحافة، وهو في حد ذاته مكتسب ديمقراطي مهم للمغرب، يمكن لكل متضرر أن يلجأ إلى الآليات التي يتيحها. هذه قواعد بسيطة في دولة المؤسسات.
لكن أن يتحول خلاف بين رجل يمارس السياسة وإعلامي إلى كلام عن أن «ساعته قد اقتربت» وأنه يعيش «آخر لحظاته»، وإلى نبش يمس سمعته وكرامته، فذلك ليس ردًا سياسيًا ولا دفاعًا مشروعًا عن النفس. إنه انزلاق لا يليق برئيس حزب سياسي.
والمسألة هنا أكبر من إدريس شحتان ومحمد أوزين.
محمد أوزين يتولى قيادة الحركة الشعبية، وهو حزب تاريخي لعب أدوارًا مهمة في الحياة السياسية المغربية. ومن يقود حزبًا بهذا التاريخ لا يتصرف فقط باسمه الشخصي. فكلامه ومواقفه وطريقة تدبيره للخلاف تعكس صورة المؤسسة التي يقودها.
المغرب أمام استحقاقات مهمة، والمغاربة ينتظرون من الأحزاب أجوبة عن القدرة الشرائية، والشغل، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والماء، والفوارق الاجتماعية والمجالية، ومستقبل الشباب. وينتظرون أن يعرفوا ماذا تقترح الأحزاب لتدبير المرحلة المقبلة.
أما تحويل حزب سياسي إلى طرف في حرب مع صحافي، فلا علاقة له بهذه الانتظارات، ولا يضيف شيئًا إلى السياسة.
والأكثر خطورة في الخطاب المنشور ليس فقط حجم الإهانات الموجهة إلى إدريس شحتان، بل بعض العبارات التي تكشف تصورًا مقلقًا للعلاقة بين الحزب والإعلام.
فعندما نقرأ: «معركتنا هي في مواجهة منبره»، يصبح السؤال ضروريًا: منذ متى أصبح لحزب سياسي في المغرب «معركة» مع منبر إعلامي؟
وعندما نقرأ: «بفضل الحركة الشعبية، تم إفشال مخططه في الهيمنة على المجلس الوطني للصحافة»، يصبح السؤال أكثر جدية.
المجلس الوطني للصحافة ليس ساحة للتنافس الحزبي. وتنظيم مهنة الصحافة واستقلاليتها لا ينبغي أن يتحولا إلى انتصار يسجله حزب سياسي على صحافي، أو إلى هزيمة يلحقها به. والمجلس يجب أن يختار أعضاءه ورئيسه في إطار القانون والدستور واستقلالية المهنة، لا تحت ضغط إملاءات الأحزاب السياسية أو حساباتها وتوجساتها.
إذا كانت للحركة الشعبية مواقف من تنظيم قطاع الصحافة، فلتعلنها كمواقف سياسية واضحة، ولتدافع عنها أمام المغاربة وداخل المؤسسات. أما تقديم الحزب باعتباره طرفًا في معركة داخل المجال الإعلامي، فذلك يطرح أسئلة مشروعة حول الحدود بين العمل الحزبي واستقلال الصحافة.
وتزداد حساسية الموضوع ونحن نقترب من الاستحقاقات الانتخابية.
لا نريد إعلامًا تابعًا للأحزاب، ولا صحافيين يتحولون إلى أدوات انتخابية لهذا الطرف أو ذاك. وبالمقابل، لا نريد أحزابًا تعتبر وسائل الإعلام التي تنتقدها خصومًا ينبغي محاربتهم.
هناك فرق واضح بين الرد والتشهير، وبين الدفاع عن النفس والانتقام، وبين مواجهة معلومة بمعلومة، ومواجهة صحافي بحزب سياسي.
والسياسي الذي يطالب بثقة المواطنين مطالب بأن يكون أول من يحترم قواعد الاختلاف. فالأخلاق السياسية لا تظهر عندما يكون الجميع متفقين، بل تظهر تحديدًا عندما يكون النقد قاسيًا والخصم مستفزًا.
فرئيس الحزب لا يملك فقط حق الكلام. إنه يملك سلطة ومؤسسة ومناضلين ونوابًا وشبكة سياسية. وعندما توضع كل هذه القوة في مواجهة صحافي، يختل ميزان المواجهة، وتصبح المسألة شأنًا عامًا، لا خلافًا شخصيًا.
هذه هي الحدود التي ينبغي ألا نسمح بتجاوزها.
المغرب يحتاج إلى صحافة قوية ومسؤولة، ويحتاج بالقدر نفسه إلى سياسة قوية ومسؤولة. ولا يمكن الدفاع عن أخلاق الصحافة بتدمير أخلاق السياسة.
أما تحويل الخلاف مع صحافي إلى استعراض للقوة والتهديد والتشهير، فليس سياسة.
إنها «تبوريدة» على الصحافة. والسياسة أكبر من ذلك بكثير
