الدكتورة أتركين تكتب: لماذا يجب أن تنتصر كليات الطب للتميز لا للأرقام؟

بواسطة الجمعة 24 يوليو, 2026 - 11:49

في زمن تتسابق فيه الدول إلى تطوير منظوماتها الصحية، لم يعد السؤال المطروح هو: كم طبيبًا نُخرِّج؟ بل أصبح السؤال الأهم: أي طبيب نُخرِّج؟ فالفارق بين طبيب مُكوَّن بكفاءة عالية وآخر لم يحظ بالتكوين الكافي، ليس مجرد فارق في المستوى العلمي، وإنما قد يكون الفارق بين إنقاذ حياة إنسان أو فقدانها.

إن الرهان الحقيقي لأي إصلاح صحي لا يبدأ من المستشفى، بل يبدأ من مدرجات كليات الطب، ومن جودة التكوين الذي يتلقاه الطلبة، ومن مستوى التأطير الذي يشرف عليهم، ومن حجم الخبرة السريرية التي يكتسبونها قبل أن يتحملوا مسؤولية علاج المرضى.

لا أحد ينكر أن المغرب، شأنه شأن العديد من الدول، يواجه خصاصًا في الموارد البشرية الصحية، وأن الحاجة إلى الرفع من عدد الأطباء أصبحت ضرورة وطنية لمواكبة تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى العلاج. غير أن الاستجابة لهذا الخصاص لا ينبغي أن تكون على حساب جودة التكوين، لأن معالجة نقص العدَد بإنتاج نقص في الكفاءة سيكون ثمنها باهظًا على صحة المواطنين وثقتهم في المنظومة الصحية.

فالطب ليس مهنة عادية يمكن تعلمها نظريًا فقط، بل هو علم وممارسة ومسؤولية أخلاقية. والطبيب لا يتخرج بمجرد حصوله على شهادة، وإنما يتخرج عندما يكتسب القدرة على التشخيص السليم، واتخاذ القرار العلاجي المناسب، والتعامل مع الحالات المستعجلة، والتواصل الإنساني مع المرضى، وهي مهارات لا تُكتسب إلا من خلال تكوين سريري مكثف، وتأطير جامعي عالي الجودة، وعدد كافٍ من الأساتذة والمشرفين، وبنيات استشفائية قادرة على استيعاب الطلبة وتوفير فرص التعلم الحقيقي.

إن رفع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب دون توفير البنية التحتية اللازمة، ودون الرفع من عدد الأساتذة المؤطرين، ودون توسيع المستشفيات الجامعية وفضاءات التدريب، قد يؤدي إلى اكتظاظ يؤثر بشكل مباشر على جودة التكوين. فالطالب الذي كان يحظى بفرصة فحص المرضى ومناقشة الحالات مع أستاذه، قد يجد نفسه وسط عشرات الطلبة يتابعون الحالة نفسها دون ممارسة فعلية، وهو ما ينعكس لاحقًا على كفاءته المهنية.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى جودة التكوين باعتبارها مطلبًا فئويًا أو أكاديميًا، بل باعتبارها حقًا أصيلًا للمواطن. فكل مريض من حقه أن يُعالج على يد طبيب تلقى أفضل تكوين ممكن، لأن صحة الإنسان ليست مجالًا للتجريب أو التنازل عن معايير الجودة.

كما أن الاستثمار في جودة تكوين الأطباء هو استثمار اقتصادي أيضًا. فالطبيب الكفء يقلل من الأخطاء الطبية، ويحسن جودة الخدمات، ويرفع من نجاعة الإنفاق الصحي، ويعزز ثقة المواطن في المؤسسات الصحية، كما يسهم في الحد من هجرة المرضى إلى الخارج بحثًا عن العلاج.

ومن هنا، فإن إصلاح التعليم الطبي ينبغي أن يقوم على معادلة متوازنة تجمع بين الزيادة المدروسة في عدد الخريجين والحفاظ الصارم على جودة التكوين. فالمطلوب ليس تخريج أكبر عدد من الأطباء في أقصر وقت، وإنما تخريج أطباء قادرين على ممارسة مهنتهم بكفاءة ومسؤولية وأمان.

إن الدول التي حققت نجاحًا في أنظمتها الصحية لم تصل إليه عبر تضخيم الأرقام، وإنما عبر الاستثمار في جودة التعليم الطبي، والبحث العلمي، والتكوين المستمر، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات الجامعية والاستشفائية.

وفي النهاية، ينبغي أن نتذكر أن كل طبيب يتخرج اليوم سيكون غدًا مسؤولًا عن حياة آلاف المواطنين. لذلك، فإن أي تنازل عن جودة تكوينه هو في الحقيقة تنازل عن حق المجتمع في علاج آمن وفعال. فالأرقام قد تحقق إنجازًا ظرفيًا، أما الجودة فهي التي تبني الثقة، وتصنع الكفاءة، وتحمي الأرواح.

ولذلك، فإن مستقبل المنظومة الصحية المغربية لن يُقاس بعدد الأطباء الذين تتخرج بهم كليات الطب، وإنما بمدى قدرة هؤلاء الأطباء على تقديم علاج آمن، وعلمي، وإنساني، يليق بحق المواطن المغربي في الصحة، ويجسد طموح المملكة في بناء منظومة صحية قوية، قوامها الكفاءة قبل الكثرة، والجودة قبل الأرقام.

آخر الأخبار

تنصيب اللجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة وهذا تاريخ انعقاد اول اجتماعاتها
تم، يوم الجمعة 24 يوليوز2026 بالرباط، تنصيب أعضاء اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة. وأشار بلاغ لوزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع التواصل إلى أن هذه اللجنة، المنصوص عليها في المادة 96 من القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ستتولى، بصفة انتقالية، ممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة، وكذا التحضير لعمليات انتخاب […]
المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعلن تعيينات جديدة بالمحاكم
أعطى جلالة الملك محمد السادس، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، موافقته على التعيينات التي اقترحها المجلس برسم دورة يناير 2026، والتي شملت عددا من المسؤولين القضائيين بمختلف محاكم المملكة، في إطار الحركة الرامية إلى تعزيز النجاعة القضائية وتدبير مناصب المسؤولية. وأوضح المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في بلاغ صدر اليوم الجمعة، أن هذه التعيينات همّت ثماني […]
تعليمات سامية من جلالة الملك لتسليم السلطات المالية مركب محمد السادس للتكوين المهني
تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بإعطاء تعليماته الملكية السامية من أجل تسليم سلطات جمهورية مالي مركب محمد السادس للتكوين المهني في مهن البناء والأشغال العمومية، والفندقة والسياحة والمطعمة. وتم إنجاز هذا المركب، الذي يمتد على مساحة مغطاة تبلغ 5200 مترا مربعا بباماكو، من طرف مؤسسة محمد السادس للتنمية المستدامة، ويوفر عرضا للتكوين […]