قال الخبير في الثقافة والفنون وقضايا التوثيق، أحمد الدافري، إن الدورة الأخيرة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا أبرزت تطورا نوعيا في حضور المرأة داخل الصناعة السينمائية، سواء على مستوى الإخراج وكتابة السيناريو أو مختلف المهن التقنية المرتبطة بالصناعة السمعية البصرية.
وأوضح الدافري، خلال مشاركته في فقرة «ضيف المنتصف» على قناة ميدي 1 تيفي، أن حصيلة الدورة الأخيرة من المهرجان يمكن قراءتها انطلاقا من النتائج التي أعلن عنها في مسابقات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة، والتي أفرزت تتويج أعمال متميزة استطاعت تناول قضايا المرأة بمعالجات استثنائية اتسمت بالذكاء والقدرة على تفكيك العلاقات المتشابكة التي تحيط بالمرأة.
وأشار إلى أن عددا من الأعمال المتوجة عالج العلاقات بين النساء أنفسهن، وبينهن وبين محيطهن، مبرزا كيف تستطيع المرأة التعامل مع واقع مركب، انطلاقا من ذكائها ومرجعياتها الثقافية وقدرتها على حل الإشكالات التي تواجهها.
وفي هذا السياق، توقف الدافري عند فيلم «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي توج بالجائزة الكبرى للمهرجان، معتبرا أن العمل يقدم قصة تقوم على علاقة ثلاثية بين الجدة وحفيدتيها خلال رحلة إلى موسم الحج انطلاقا من الطائف، قبل أن تتيه الحفيدة الكبرى المتمردة «سارة»، لتتحول الرحلة إلى بحث عن فتاة مفقودة، بما يبرز أهمية التضامن بين النساء، رغم التباعد والاختلافات الفكرية القائمة بينهن.
كما أشار إلى تتويج المخرجة المغربية مريم التوزاني عن فيلم «زنقة مالقة»، موضحا أن الفيلم يستحضر فضاء زنقة موجودة بمدينة طنجة، ويستعيد من خلاله جانباً من ذاكرة المخرجة المرتبطة بجدتها ذات الأصول الإسبانية، ويروي علاقة هذه الجدة بابنتها التي قدمت من مدريد من أجل بيع الشقة، وما ينشأ عن ذلك من توتر بين الشخصيات.
وأكد الخبير في الثقافة والفنون أن المهرجان كشف كذلك عن غنى وتنوع وتشعب القضايا والمواضيع التي تناولتها الأفلام المشاركة، إلى جانب ما عرفته التظاهرة من ورشات تكوينية ودروس «ماستر كلاس» ولقاءات وندوات، وصفها بأنها شكلت فضاء للنقاش الحي والعميق حول مختلف القضايا المرتبطة بالمرأة.
وبخصوص المهن السينمائية التي تمكنت المرأة المغربية من التألق فيها، قال الدافري إن أقصى ما يمكن أن يطمح إليه المبدع في المجال السينمائي هو الوصول إلى الإخراج أو كتابة السيناريو، باعتبار أن المخرج يسعى إلى التعبير عن نظرته السينمائية من خلال مساهمته في كتابة العمل.
وأوضح أن المرأة المغربية تمكنت من الوصول إلى هذا المستوى وأصبحت حاضرة بقوة في مجال الإخراج، مشيرا إلى أن الساحة السينمائية المغربية تضم أسماء نسائية عديدة، وليس فقط مريم التوزاني.
ولفت إلى أن حضور المرأة لم يعد مقتصرا على الإخراج والسيناريو، بل امتد إلى مجموعة واسعة من المهن التقنية المرتبطة بالصناعة السمعية البصرية، من بينها التصوير، وإدارة الإنتاج، والديكور، والكاستينغ، والسكريبت، فضلا عن مهنة إدارة التصوير.
وأكد أن هذه المهن تتطلب بدورها قوة وقدرة على التحمل، بالنظر إلى أن الاشتغال على الأعمال السينمائية يستوجب في كثير من الأحيان ساعات طويلة من العمل والتحضير، معتبرا أن المرأة المغربية أثبتت قدرتها على تحمل مختلف الأعباء المرتبطة بالصناعة السينمائية.
وشدد الدافري على أنه لم يعد من الممكن الاستمرار في تبني النظرة التقليدية والكلاسيكية التي تفصل بين قدرة المرأة والرجل على ممارسة هذه المهنة أو تلك، مؤكدا أن المرأة أصبحت قادرة على القيام بأي عمل يستطيع الرجل القيام به داخل الصناعة السينمائية والثقافية بشكل عام.
وفي حديثه عن إمكانية الحديث عن «سينما المرأة» باعتبارها ذات خصوصية مختلفة عن سينما الرجل، أوضح الدافري أن هذا السؤال يثار منذ سنوات، متسائلا عما إذا كان الحديث عن سينما المرأة يعني وجود سينما خاصة ومنفصلة عن السينما العالمية التي تحتضن أيضا رؤى الرجال.
وقال إن المرأة قد تمتلك بالفعل حساسية خاصة تجاه بعض المواضيع والقضايا، بالنظر إلى طبيعة تعاملها مع الأحاسيس والمشاعر، وما تستقبله من صور وما تتعرض له من مواقف وما تعيشه من أحداث، وهو ما قد يجعل استقبالها لهذه الوقائع مختلفا عن طريقة استقبال الرجل لها.
وربط الدافري ذلك بما وصفه بالمجتمع الذكوري أو «الباترياركي»، الذي قال إن السلطة كانت فيه تاريخيا للرجل، بينما ظلت المرأة تدافع عن خصوصيتها وتحاول الكفاح من أجل إبرازها.
وأضاف أن المرأة ستظل لديها هذه الحساسية الخاصة تجاه القضايا، بالنظر أيضا إلى الأعباء التي تضطلع بها في الحياة، والتي قال إنها قد تتجاوز أحيانا الأعباء التي يقوم بها الرجل، مؤكدا أنه يتحمل مسؤوليته في هذا التقييم.
وأوضح أن المرأة، في عدد من البلدان، بما فيها البلدان العربية والمغرب، تتحمل أعباء البيت وتربية الأطفال وتدبير مختلف شؤون المنزل، معتبرا أن هذه التجارب قد تشكل الزاد الذي تنطلق منه المرأة في نظرتها إلى القضايا والمواضيع التي تتناولها من خلال الفن.
وفي المقابل، يرى الدافري أن الصناعة الثقافية والفنية في المغرب ما تزال بحاجة إلى بذل مجهود كبير من أجل تحقيق إنصاف فعلي للمرأة.
وقال إن مواكبة القطاع الثقافي بشكل عام تكشف أن المرأة لا تزال بحاجة إلى تطوير مجموعة من الجوانب، خصوصا على مستوى التعاقدات والعقود، بما يتيح لها الاستفادة من قدر أكبر من المرونة التي تراعي طبيعتها البيولوجية.
وأوضح أن الحديث عن هذه الطبيعة يرتبط، على الخصوص، بفترات الحمل والرضاعة، وهي حالات قد تكون فيها المرأة غير مهيأة في بعض الأيام للقيام ببعض الأعمال، الأمر الذي يفرض، حسبه، اعتماد قدر أكبر من المرونة في التعاقد وفي عدد ساعات العمل وفي طريقة التعامل المهني معها.
وأشار إلى أن هذه الإشكالات لا ترتبط بالمغرب وحده، بل يمكن ملاحظتها على المستوى العالمي، حيث قد تتعرض المرأة لمضايقات وابتزازات ومجموعة من الممارسات التي تؤثر في مسارها المهني.
واعتبر أن المرأة تحتاج، لذلك، إلى تطوير منظومة قانونية وأخلاقية ومهنية متكاملة، بما يسمح بالارتقاء بوضعها داخل المجال الفني والثقافي إلى المستوى المطلوب.
وبخصوص المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، وما إذا كان تنظيم مهرجان واحد من هذا النوع كافيا للاستجابة لانتظارات المرأة المغربية في المجال السينمائي، أجاب الدافري بأن مهرجانا واحدا لا يمكن أن يكون كافيا.
وأوضح أن المهرجان يساهم، في المقابل، في تذكير الجميع كل سنة بضرورة وضع مخطط استراتيجي بعيد المدى، يهدف إلى تعزيز حضور المرأة كقوة فاعلة في النهوض بالصناعة السينمائية والفنية.
وأكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تطوير البنيات التحتية والأنظمة المرتبطة بالتعاقد والعمل، فضلا عن اعتماد نظرة حديثة للمرأة، باعتبارها قادرة على القيادة وأخذ المشاريع وتطويرها.
وشدد الدافري على ضرورة تمكين المرأة من نصيبها من الصناديق الخاصة بالدعم، حتى تتمكن من الاستفادة منها، ولا تجد نفسها مضطرة إلى خوض منافسات غير متكافئة مع الرجل، بما يؤدي إلى استمرار تأخرها داخل القطاع.
وختم الخبير في الثقافة والفنون وقضايا التوثيق بالتأكيد على أن النهوض بحضور المرأة في السينما لا يمكن أن يتحقق من خلال موعد مهرجاني واحد، وإنما يحتاج إلى رؤية استراتيجية وإجراءات عملية ومنظومة مهنية وقانونية وأخلاقية تضمن للمرأة موقعا أكثر قوة وتأثيرا داخل الصناعة السينمائية والثقافية المغربية.
