سلط حزب الاستقلال الضوء مجددا على أزمة ارتفاع أسعار المواد الأساسية وانعكاساتها على القدرة الشرائية للأسر المغربية، مقترحا إحداث شركات وطنية أو جهوية متخصصة في تسويق وتوزيع المواد الغذائية الأساسية، بهدف الحد من المضاربة وتقليص عدد الوسطاء وتحقيق ما وصفه بالثمن العادل الذي يضمن مصلحة المنتج والمستهلك في الآن نفسه.
وجاء هذا الطرح خلال اللقاء الرابع لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، المنظم تحت شعار تعزيز الثقة وصون الكرامة: خطة عمل 2026-2035، والذي خصص لمناقشة سبل حماية الأسر المغربية من الغلاء المتصاعد للمواد الأساسية، في ظل استمرار الضغوط التي تواجهها القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي كلمة توجيهية بالمناسبة، استعرض الأمين العام للحزب مؤشرات رسمية تعكس حجم القلق الاجتماعي المرتبط بتدهور الأوضاع المعيشية، مشيرا إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر المغربية، أي بنسبة 75.1 في المائة، صرحت بتراجع ظروفها المعيشية خلال الاثني عشر شهرا الماضية، فيما لا تتوقع 87.8 في المائة منها القدرة على الادخار مستقبلا.
وأكد أن العبء الأكبر يقع على المواد الغذائية التي تستحوذ على 38.5 في المائة من نفقات الأسر المغربية، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 45 في المائة لدى الأسر الأكثر هشاشة، مبرزا أن اللحوم والأسماك تستأثر بحوالي 20 في المائة من هذه الميزانية، بينما تمثل الحبوب ومنتجاتها 12.5 في المائة، والخضر 10.2 في المائة، فضلا عن تضاعف الإنفاق على الأكل خارج المنزل ليبلغ 12.8 في المائة من مجموع المصاريف الغذائية.
وعزا الأمين العام للحزب هذا الوضع إلى عوامل متعددة، من بينها توالي سنوات الجفاف وتراجع المساحات المزروعة وارتفاع تكاليف الإنتاج الفلاحي، إلى جانب اختلالات هيكلية في منظومة التسويق والتوزيع، موضحا أن أقل من 35 في المائة من المنتجات الفلاحية تمر عبر أسواق الجملة، وهو ما يفتح المجال أمام تعدد الوسطاء وغياب الشفافية في تحديد الأسعار.
وأشار إلى أن الدراسات المنجزة في هذا المجال تكشف أن الوسطاء يستحوذون في المتوسط على نحو 34 في المائة من السعر النهائي لبعض المنتجات، وقد تصل هذه النسبة في حالات معينة إلى نصف الثمن الذي يؤديه المستهلك، معتبرا أن هذه الوضعية تضر بالفلاح الذي لا يحصل على مقابل منصف لعمله، كما تضر بالمستهلك الذي يشتري بأسعار مرتفعة لا تعكس دائما كلفة الإنتاج الحقيقية.
وشدد المتحدث على أن معالجة هذه الاختلالات لا تمر عبر التحكم الإداري في الأسعار، بل عبر إصلاح عميق لمنظومة التسويق والتوزيع، ومحاربة الريع وتقليص الهدر وتنظيم الأسواق، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، دعا إلى تعزيز السيادة الغذائية للمملكة من خلال الاستثمار في البنيات المائية والسقي، والاستفادة من مشاريع تحلية مياه البحر والسدود لرفع الإنتاج الوطني، مع تخصيص جزء من المنتجات الأساسية لتغطية حاجيات السوق الداخلية قبل توجيه الفائض نحو التصدير.
ومن بين المقترحات التي أثارت اهتمام المشاركين، الدعوة إلى التفكير في إحداث شركات وطنية أو جهوية لتسويق المواد الغذائية الأساسية ذات الحساسية العالية، على غرار تجارب دولية، تتولى الشراء المباشر من المنتجين والتعاونيات والاستثمار في التخزين والنقل المبرد، بما يساهم في تقليص حلقات الوساطة والحد من الهدر وتحسين شروط المنافسة داخل السوق.
وأكد الأمين العام للحزب أن هذا التوجه لا يستهدف مزاحمة القطاع الخاص أو فرض أسعار إدارية، وإنما يروم تمكين الدولة من لعب دورها في تنظيم السوق وضمان شفافية المعاملات وحماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية.
كما دعا إلى إحداث مخزون استراتيجي للمواد الأكثر استهلاكا، وتسريع إصلاح أسواق الجملة وعصرنتها، ومراجعة منظومة التأمين الفلاحي لمواجهة التقلبات المناخية، إلى جانب اعتماد آليات رقمية لليقظة الاقتصادية وإحداث مرصد وطني لتتبع هوامش الأرباح الخاصة بالمواد الأساسية، بما يسمح بالانتقال إلى اقتصاد أكثر شفافية وإنصافا، يوازن بين مصلحة الفلاح وحقوق المستهلك ومتطلبات الأمن الغذائي الوطني.
