الصورة الجذابة التي ترى بها البلدان الكبرى اليوم المملكة المغربية، والتي من خلالها تحدد هذه البلدان علاقاتها الاستراتيجية مع بلدنا، ليست صورة خادعة ولا مغلوطة. بل هي صورة حقيقية تعكس التطور الفعلي الذي تشهده بلادنا في مختلف المجالات الحيوية.
فالقفزة النوعية التي حققها المغرب مثلا في سياق خياراته الماكرو اقتصادية، ونجاحه في التحول من مجال الصناعات الخفيفة إلى الريادة الإفريقية والعربية في مجال صناعة السيارات وقطاع غيار الطائرات والطاقات المتجددة، هو أمر لم يتحقق دون تصور استراتيجي واضح للرهانات التي ينبغي كسبها من أجل البلورة العملية الملموسة لمقولة “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”.
كما أن سياسة الانفتاح الاقتصادي وتنويع الشراكات الدولية لتحقيق المكاسب المُشتركة، جعلت المغرب منذ بداية هذه الألفية يحظى باحترام وتقدير البلدان المؤثرة في المنتظم الدولي.
نعم. نحن الآن إزاء نهضة مغربية شاملة، على مستوى البنيات التحتية، وعلى صعيد التنمية البشرية، ومن حيث التطورات السياسية المدعومة بإصلاحات دستورية متقدمة، تمت فيها الاستجابة إلى متطلبات التحديث والحكامة الجيدة، ونجحنا من خلالها في تقوية المؤسسات الديمقراطية، وفي هيكلة البناء الوطني الذي نعول عليه في أن يواجه التحديات الراهنة والمستقبلية.
غير أن كل هذه النهضة، وكل هذا الجهد المبذول لتحقيق تطلعاتنا على المستوى الوطني والدولي، وكل عناصر التفوق هذه، ما كان ممكنا أن تكون، دون مساهمة من واحدة من أهم الوسائل التي يعتمد عليها العمل الاستراتيجي الناجع، هي وسائل الإعلام السمعي البصري.
عندما شرع المغرب في التخطيط لإنجاح مرحلة الولوج إلى عصر الألفية الثالثة بقوة وفعالية، كان مهندسو السياسات العمومية يدركون أنه لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يتحقق دون وسائل إعلام سمعية بصرية عمومية وخاصة، كفيلة بأن تواكب الأوراش الكبرى التي كان المغرب يتهيأ لفتحها، وتصاحب النقاشات المتنوعة التي كانت النخب السياسية وهيئات المجتمع المدني ومختلف مكونات المجتمع المغربي، قد بدأت تنخرط فيها.
وهكذا، تم إصدار الظهير الشريف القاضي بتنفيذ قانون الاتصال السمعي البصري، بتاريخ 7 يناير 2005، القاضي بتحرير القطاع ووضع حد لاحتكار الدولة في مجال البث الإذاعي والتلفزي، وذلك بعد صدور الظهير الشريف المؤرخ بتاريخ 31 غشت 2002 المتعلق بإحداث الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
تحولات كثيرة حدثت في مجال القطاع السمعي البصري العمومي منذ انطلاق مرحلة التحرير، لا يمكن لأي ذي غيرة على هذا الوطن إلا أن يشيد بها، ويثمن الجهود الكبيرة التي بُذلت من أجل تحويل الإذاعة والتلفزة إلى أذرع قوية للدولة المغربية، تساهم بنجاعة، ووفق الإمكانات المُتاحة، في تسويق صورة المغرب الحداثي، المنفتح، المُدافع عن قضاياه الوطنية، ضمن مناخ دولي يتميز بالتنافس الكبير، وبالتوترات الإقليمية والصراعات الجهوية والحروب المسنودة بوسائل إعلام دولية تُرصد لها ميزانيات هائلة لتنفيذ أجندات البلدان التي تعرف جيدا أن الحروب لا تُربح فقط بالمواجهات المسلحة، بل أيضا بوسائل إعلام متطورة قادرة على التأثير على الرأي العام، وعلى ربح المعارك عن طريق الصور والأخبار.
الدروس التي يمكن استخلاصها من أكثر من عقدين من الزمن على تحرير مشهدنا السمعي البصري، هو أن المغرب لا تنقصه مطلقا الكفاءات الوطنية في مجال الإذاعة والتلفزة، القادرة على الارتقاء بصورة المغرب إلى المستوى الذي يجعل منه بلدا نموذجيا في مسيرة التقدم والنماء.
فإنجازاتنا الرياضية، ونجاحاتنا الدبلوماسية، وتراثنا الثقافي العريق، ومقومات حضارتنا الضاربة في جذور التاريخ، والحضور المشرف لطاقاتتا الإبداعية في المحافل القارية والدولية، وحيوية جاليتنا المغربية في الخارج، أضحت واجهة خلابة ينظر العالم من خلالها إلينا، وهو أمر ما كان ممكنا أن يكون، دون وسائل إعلامنا السمعية البصرية، التي من غير اللائق أخلاقيا ولا مهنيا، عدم الاعتراف بأنها نجحت على مدى العقدين الأخيرين في أن يكون لها دور في تحويل أنظار العالم إلى ما نعيشه الآن داخل بلدنا من تحولات إيجابية.
نعم. قد تكوز لدينا تطلعات أكبر مما نرى عليه الآن مشهدنا السمعي البصري الوطني. لكن، في الوقت ذاته، يلزمنا أن نتحلى بالموضوعية، وأن ننظر إلى الأمور وفق مقاربة نسقية، تأخذ بعين الاعتبار أن النجاح لا يساهم فيه عنصر واحد ضمن منظومة تتفاعل داخلها عناصر متعددة. ومشهدنا السمعي البصري هو عنصر فاعل داخل المنظومة التي تتضافر داخلها كل طاقات البلد، بلد الثقافات والإبداعات، بلد المواطَنة الرفيعة والحضارة العريقة، بلد الإجماع بين كل أفراد الشعب حول قضية وحدته الترابية، وبلد التفاف كل الشرائح الاجتماعية حول رايته وملكه، في إطار كتلة واحدة وموحدة، لتحقيق الغايات الاستراتيجية الكبرى التي من شأنها أن تخرس ألسن من لا استراتيجية له سوى معاكسة مصالح المغرب والمغاربة.
