ما لا يفهمه العالم في وجدان المغاربة والمنتخب

بواسطة الثلاثاء 16 يونيو, 2026 - 18:08

كلما ترفع هذا الوطن في محفل عالمي، أو اهتزت الأرض تحت أقدام أبنائه في تظاهرة كبرى، يقف المراقب الأجنبي في حالة ذهول واستعصاء عن الفهم. يبحثون في مراكز دراساتهم، ويحللون عبر مقارباتهم السياسية الباردة، فلا يخرجون إلا بمزيد من الحيرة أمام أمة تملك قدرة غريبة على التناقض والتلاحم في آن واحد؛ أمة قد تتساجل حول اليومي والمعيشي بحدة، لكنها في لحظة فارقة تتحول إلى بنيان مرصوص، يذوب كلياً في صك التزام وجداني اسمه ديما مغرب.
هذا التلاحم الاستثنائي ليس حالة عاطفية عابرة أو شعارا فضفاضا، بل هو شفرة وجودية تضرب بجذورها في عمق السوسيولوجيا المغربية. ولعلنا، لكي نفهم كنه هذا الارتباط الصوفي بالأرض، نحتاج إلى العودة لآراء الراحل بول باسكون، مؤسس السوسيولوجيا المغربية الحديثة، الذي ولد بفاس واختار بإرادته الانتماء والمواطنة المغربية. باسكون هو من صاغ مفهوم المجتمع المركب، ليوضح للجميع أن المغرب عصي على القوالب الجاهزة والنظريات المستوردة، لأنه بلد تتداخل فيه وبسلاسة كل الأزمنة والبنى؛ تتداخل فيه أصالة التاريخ وعراقة القبيلة مع هيبة المؤسسات وحداثة العصر، في توليفة فريدة تتكامل وتتعايش دون تصادم.
هذه التركيبة المركبة هي التي صهرت للمغاربة مفهوما عبقريا للمواطنة والوطنية. الوطنية هنا ليست مجرد واجب قانوني جاف يمارسه المرء بشكل عابر، ولا هي نصوص باردة تلقن في حجرات الدرس، بل هي ارتباط كياني بالأرض والذاكرة المشتركة. إنها وطنية تمنح المغربي الحق في التشكي والجدل المستمر حول معيشه اليومي بكل أريحية، لكنها في الوقت نفسه تفرز تلاحما تلقائيا بمجرد أن تلوح راية البلاد، فتسقط كل الحسابات الضيقة وتتلاشى الفوارق الاجتماعية والسياسية، تماما كما يذوب السكر في كأس شاي مغربي دافئ.
هذا التفسير السوسيولوجي هو عينه الذي يتجلى اليوم في أبهى صوره عندما نتأمل علاقة المغاربة بأولادهم في المنتخب الوطني لكرة القدم. فالمنتخب في وعينا الجمعي لم يعد مجرد تشكيلة رياضية تخوض غمار منافسة عابرة، بل تحول إلى مرآة حية نابضة لتلك الأمة المركبة والممتدة عبر العالم التي نظر لها باسكون.
تأملوا جيدا تركيبة هذا التلاحم البشري الاستثنائي؛ حيث يتلاحم ابن الهامش والمركز مع أبناء الجالية ومغاربة العالم القادمين من باريس وأمستردام وبروكسيل ومدريد. هؤلاء الشباب، ورغم نشأتهم في بيئات وثقافات غربية مختلفة، ورغم لكناتهم في التعبير، تسري فيهم تلك الجدبة الوطنية والتلقائية بمجرد أن يعزف النشيد الوطني منبت الأحرار. يستميتون في الدفاع عن قميص البلاد وكأنهم ولدوا في أعالي جبال الأطلس، مؤكدين أن للأرض المغربية مغناطيس عابر للقارات وللحدود الجغرافية.
لذلك، لا يتعامل المغاربة مع هؤلاء اللاعبين كنجوم فوق العادة، بل يتعاملون معهم كأولادهم بالمعنى الأسري الأصيل. تدمع أعيننا فرحا لإنجازاتهم، لأننا نرى في نصرهم انتصارا لكبرياء أمة تقاوم لتكون في الصدارة، وبالمثل، نقسو عليهم بالتحليل والنقد في المقاهي عند كل كبوة أو تراجع. هذا العتاب القاسي ليس تنصلا ولا كراهية، بل هو ذروة الشغف وعتاب المحب الشغوف، تماما كعتاب الأب والأم اللذين لا يرتضيان لأبنائهما بغير القمة.

ولذلك نجد في مذكرات عدد من المعتقلين السياسيين خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات إشارات مؤثرة إلى شغفهم بتتبع أخبار المنتخب المغربي في مونديالي 1970 و1986 عبر المذياع، وإلى فرحتهم بكل هدف يسجله، باعتباره مشتركا وطنيا يتجاوز الجدران والأسوار، وتعبيرا عن نجاح يحققه أبناء الشعب جميعا. فحتى في أشد لحظات الاختلاف السياسي، ظل الوطن أكبر من الخلاف، وظل المنتخب عنوانا لوحدة وجدانية لا تنكسر.

وهكذا، قد نختلف في السياسة، وفي المواقف، وفي تفاصيل العيش اليومي، لكننا لا نختلف حول الوطن، بل نختلف من أجله، لأن الوطن عند المغاربة ليس مجرد جغرافيا أو حدود، وإنما ذاكرة مشتركة ومصير واحد وشعور عميق بالانتماء لا يخبو.

إن هذا التلاحم الكبير، وهذا الالتفاف الجماعي العفوي حول المشترك الوطني، هو التطبيق الميداني والملموس لتلك الوطنية الوجدانية الحاضنة للتعدد والمتناقضات. إنها الرسالة البليغة التي تؤكد للعالم أن ديما مغرب ليست مجرد هاشتاغ، بل هي ميثاق أبدي وتلاحم جيني بين شعب عظيم وأرض معطاءة لا تشبه باقي الأمم.

آخر الأخبار

الرايحي يعلن رحيله عن الوداد
أعلن محمد الرايحي رسميا عن انتهاء رحلته مع نادي الوداد الرياضي لكرة القدم، وذلك بعد قضاء موسمين رفقة الفريق الأحمر. ​ووجه الرايحي رسالة مؤثرة إلى جماهير الوداد عبر حساباته الرسمية، أكد فيها أنه شعر وكأنه في بيته منذ اليوم الأول لوصوله إلى مدينة الدار البيضاء، معبرا عن فخره واعتزازه الكبيرين بحمل قميص هذا النادي العريق. […]
توقيف منفذ سرقة وكالة لتحويل الأموال تحت التهديد بالسلاح الأبيض بالدار البيضاء
تمكنت عناصر الشرطة بمنطقة أمن أنفا بمدينة الدار البيضاء زوال اليوم الجمعة 10 يوليوز الجاري، من توقيف شخص يشتبه في تورطه في قضية تتعلق بالسرقة من داخل وكالة لتحويل الأموال. وكان المشتبه فيه قد أقدم على ارتكاب عملية للسرقة تحت التهديد باستعمال السلاح الأبيض بداخل وكالة لتحويل الأموال بمدينة الدار البيضاء، وذلك قبل أن تسفر […]
بالصور.. تكسير زجاج أزيد من 18 سيارة بحي الرزق بسلا والأمن يتعقب الجاني
استفاقت ساكنة حي الرزق بمقاطعة تابريكت بمدينة سلا، صباح يوم الخميس 09 يوليوز 2026، على مشهد مفزع، إثر تعرض حوالي 18 سيارة كانت مركونة بالشارع العام لعمليات تكسير زجاجها، مما اثار سخط الساكنة التي طالبت بالقصاص والمزيد من الدوريات الأمنية خصوصا في فترات الليل. وانتقلت المصالح الأمنية والسلطات المحلية انتقلت إلى عين المكان مباشرة بعد […]