بلال مرميد يكتب من "كان" عن قفطان مريم التوزاني الأزرق !

بلال مرميد / ميدي آن

AHDATH.INFO

بين شريطين في المسابقة الرسمية، عثرت على متنفس تسللت خلاله لقاعة Debussy لمشاهدة شريط "أزرق القفطان" لمريم التوزاني في فئة "نظرة ما". هنا في كان، لا أتوفر على مال ولا وقت أضيعهما، وبالتالي أفقد أحيانا حتى ذلك الحيز الزمني للتواصل مع نفسي طيلة اثني عشر يوما.
ثوب أزرق ، ويد "لمعلم" حليم تلامسه بسلاسة، ثم ينطلق في الإشتغال على تلك التفاصيل الدقيقة والمعقدة التي تزين القفطان المغربي. دور حليم لعبه الفلسطيني صالح بكري، وفي محل خياطته التقليدي، ترافقه زوجته مينا، وهو دور أتقنته لبنى أزابال. شريط ينطلق هادئا، ويبقى هادئا إلى الحد الذي يجعلك كمشاهد تتبنى ذلك الإيقاع البطيء مع مرور الدقائق. زبائن تستقبلهم مينا، وتتفاعل مع طلباتهم، فيما يختار حليم الانزواء في ركنه في الداخل، والتركيز على صنعته التي صارت تندثر يوما بعد يوم.

يدخل على الخط "لمتعلم" يوسف (أيوب المسيوي)، وهو شاب استقدمه حليم ومينا لمساعدتهما. زوج وزوجة يبدو من الوهلة الأولى بأنهما يعيشان حياة عادية، إلى أن تنهي المخرجة هذا الهدوء بمشهد دخول حليم لحمام شعبي. هنا تستوعب بأن حليم شخص مثلي، ويتأكد الأمر من خلال تلك العلاقة المرتبكة التي تربطه بيوسف.
في الفيلم، استخدام لطريقة التقابل، والهدف هو أن تبين صاحبة الشريط ذلك السر الذي يخفيه حليم ومينا على محيطهما الذي لا يمكنه أن يتقبل الأمر. فيلم تجري أحداثه في سلا، وإن كانت أغلب مشاهده قد صورت في الدار البيضاء، و"أزرق القفطان" بأسلوب سرد خطي لا يتطلب من المشاهد كثيرا من تفكير ليصل إلى ما تريد التوزاني تمريره.

مع مريم التوزاني، يمكن أن تتابع مشاهد جريئة، دون أن تكون صادمة. مع مريم التوزاني، يمكن أن تشاهد لقطات مقربة فيها تركيز على ملامح الأبطال الثلاثة، تليها لقطات من نافذة يتطلع من خلالها حليم ومينا على ما يقع في الحي. جمود يكبر، ونفس الهدوء الممل يتسيد، ونفس الروتين يفرض هيبته، ونفس الأغنية تتكرر طيلة شريط من ساعة وثمان وخمسين دقيقة. هو شريط عن الحب الذي يربط حليم بحرفته، والحب الذي يجمعه بزوجته، ليبقى ذلك السر الذي يحاولان قدر المستطاع عدم الخوض فيه، نقطة تغذي ذلك التقابل في بناء الفيلم. خلافا لما كتب في عديد من مقالات، هذا الشريط لا يتناول المثلية الجنسية، بل يعرج عليها من خلال تصوير الملامح، والتلاعب باللامرئي لخلق صور ذهنية لدى المشاهد.
حوارات قصيرة، وأحيانا يتم الاعتماد على أقل عدد من كلمات لإيصال الفكرة. هو ربما اختيار من المخرجة، وقد يكون السبب أيضا أن صالح بكري ولبنى أزابال لا يتقنان الدارجة المغربية. بالنسبة للمشاهد الغربي، الأمر غير مزعج، لأن الترجمة هي التي تجعله يتبنى المضمون، او جزءا من المضمون. بالنسبة لي كمشاهد مغربي، الأمر يختلف، لأني مؤمن بما ردده دوما "جون رونوار". اللغة المستعملة رمز ثقافي وليست مجرد وسيلة، وبالتالي فهي محدد رئيسي قد يرفع أو ينقص من درجة المصداقية. مع ذلك، تقدم لبنى أزابال أداء قويا، وتعيش معها تلك المعاناة مع المرض الذي يرفع من إيقاع غاراته على جسدها النحيف. تقاوم، وتساند زوجها، وأحيانا تشعر وكأنها تحرص أكثر منه على كتمان سره. بالنسبة لها الصبر على كتمان سره، أيسر من الندم على إفشائه.
بنفس الإيقاع البطيء، يقترب الشريط من نهايته، ويقترب حليم من إنهاء اشتغاله على القفطان الأزرق. ترحل مينا إلى دار البقاء، ويلبسها زوجها قفطانا تدفن به، بعد أن نزع عنها ذلك الثواب الأبيض. هو تمرد أو موقف؟ هو ربما تعبير صريح عن حب عانى طويلا من طغيان الصمت، ومرة أخرى اختارت مريم التوزاني أن تطرق باب المسكوت عنه، دون أن توزع الاتهامات يمينا وشمالا.
ترحل مينا وهي رمز التضحية من أجل علاقة حب يقحم فيها طرف ثالث، ويرحل القفطان ومعه صنعة آيلة للزوال، ويعجل حليم بدفن مينا والقفطان معاً. عليه أن يواجه مصيره، وعلى مريم التوزاني أن تتأهب من الآن للإجابة على أسئلة كثيرة ستطرح بعد أن يعرض الفيلم في القاعات. هل سيخلق الفيلم نقاشا بعد تقديمه للجمهور الواسع؟ أعتقد بأنه سيخلق بالخصوص الكثير من الجدل. هل سينجح جماهيريا أثناء العرض؟ لا أعرف.. حقا لا أعرف.. هناك أمور تعلمت مع مرور الأعوام أن لا أعطي بخصوصها حكما قطعيا، لأن مصير كل شريط من الأشرطة في قاعاتنا، يشبه تماما مصير حليم، ويشبه أيضا مصير القفطان الأزرق الذي طرزته مريم التوزاني بتأن للأحياء. في آخر المطاف، دفنته مع الأموات. من كان ينتظر شيئا آخر، أخبره بأني لا أتقن التطبيل، والسلام.
#CBM Festival de Cannes #uncertainregard

تعليقات الزوّار (0)