خطاب العقل والعاطفة

طه بلحاج

AHDATH.INFO - محمد أبويهدة

لئن كان جلالة الملك قد اختار موضوعين بارزين لمخاطبة المغاربة في عيد العرش، حول جهود التنمية ومواجهة الأزمة ومكافحة وباء كورونا، فإنه أيضا أشرك اليوم الأشقاء الجزائريين في الخطاب حول العلاقات المغربية الجزائرية.

ولئن كان موضوعا الخطاب بهذا الوضوح، فإن لغته تضمنت شحنة من العواطف تعاقبت في التعبير عن أفكاره مع معادلات سياسية واقتصادية واستراتيجة تتبنى لغة الفهم والعقل.

أحس بنفس الألم

خلال الحديث عن الأزمة الحالية التي تجتاح العالم ويتأثر بها المغرب أيضا، حذر الملك من استمرار تداعيات وباء كوفيد مستحضرا محطات من المبادرات التي قامت بها الدولة للتخفيف من جدة الأزمة وانعكاسها على المواطنين.

وبإحساس الأب المرهف المتأثر لتأثر أبنائه، الراعي لشؤونهم والمؤتمن على أوضاعهم، قال الملك محمد السادس "إنها مرحلة صعبة علينا جميعا، وعلي شخصيا وعلى أسرتي، كباقي المواطنين، لأنني عندما أرى المغاربة يعانون، أحس بنفس الألم، وأتقاسم معهم نفس الشعور".

شكرا لكم

ولأن للأزمة الصحية الحالية رجالاتها فقد كان أن استهل الملك خطابه بتوجيه الشكر إلى "كل الفاعلين في القطاع الصحي ، العام والخاص والعسكري ، وللقوات الأمنية ، والسلطات العمومية ، على ما أبانوا عنه من تفان وروح المسؤولية ، في مواجهة وباء كوفيد 19".

والجميع يعرف مدى التضحيات التي قامت بها هذه الفئات لحماية الأمن الصحي للمغاربة، رغم أنهم مثلهم مثل كافة المواطنين، يعانون من تداعيات الأزمة وسقط بينهم ضحايا في مواجهة الوباء.

وينبه الملك المواطنين كما ينبه الأب أبناءه والأخ إخوته مما يحيط بهم من أخطار، عندما يذكرهم أن "الوباء مازال موجودا، وأن الأزمة مازالت مستمرة. وعلى الجميع مواصلة اليقظة، واحترام توجیهات السلطات العمومية، في هذا الشأن".

تدبير أزمة
وكما كانت الشحنة العاطفية واضحة فإن الملك قام بشكل سلس وفصيح يخاطب الأفهام، في ترتيب خطة مواجهة الأزمة في المجال الصحي والاقتصادي والاجتماعي، بدءا بالعمل على تطويق التداعيات وإنعاش الاقتصاد وتقديم الدعم المادي للأسر والمقاولات وعبر استعراض معركة اللقاح.

وفي سياق حاضر الأزمة وتدبير إكراهاتها وتحدياتها، لا يغفل الملك المستقبل ومتطلبات التنمية من خلال تجديد النموذج التنموي والانطلاق رأسا إلى المستقبل بالحرص على تفعيل مقترحات اللجنة الخاصة للنموذج التنموي. والملك من خلال ذلك لا ينسى مرة أخرى الإشادة بمشاركة القوى الحية للأمة في هذا الامتحان.

أيها الجزائريو.. الملك يخاطبكم
وفي انتقال سلس وجياش تحركه المشاعر الصادقة، انتقل الملك من الوضع الداخلي إلى الخارج القريب من حدودنا، ليسقط الوسائط ويقصي ألسنة السوء، ويخاطب مباشرة الشعب الجزائري الشقيق، ثم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، دون لوم ولا عتاب على الوضع الحالي للحدود المغلقة بين البلدين، والذي قال الملك بشأنه "لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولين على قرار الإغلاق".

أكثر من إخوة.. توأمان
وفي العائلة يرتبط الآباء والأبناء والأخوة بروابط الدم والتضامن والتآزر، فمابالك إذا كان الأمر يتعلق بتوأمين تكون الروح هي الحبل الذي يربط بينهما.

وكذلك شبه الملك محمد السادس العلاقة بين المغرب والجزائر عندما قال: "فالمغرب والجزائر أكثر من دولتين جارتين، إنهما توأمان متكاملان". ومن هذا المنطلق لم يختر الملك وسيطا ولا رسائل لإبلاغ مشاعره إلى الأشقاء الجزائريين، بل اختار جوهرة الخطب ذاك الذي يلقيه على الأمة في عيد العرش والذي يتابعه أيضا الجزائريون لأن التقليد فيه، هو أن يتعرض الملك للعلاقات الدولية بعد استعراضه للوضع الداخلي.

وبالرغم من أن الوضع الخارجي هذه السنة كان حافلا إلا أن الملك فضل أن يطرق باب الجيران ليمد إليهم اليد، ويخاطبهم كما يخاطب أبناء البلد.

منطق ولامنطق
وبلغة المنطق استعرض الملك مشكلة الحدود المغلقة موضحا أن الوضع الطبيعي في كل علاقة هو التواصل فكيف وهو اليوم مفقود بسبب عوامل لا تنتمي إلى زماننا بل هي من الماضي الذي انقضى والذي يستمر في التأثير على حاضر العلاقة بين البلدين بل ومستقبلها، يقول الملك "وليس هناك أي منطق معقول، يمكن أن يفسر الوضع الحالي، لا سيما أن الأسباب التي كانت وراء إغلاق الحدود، أصبحت متجاوزة، ولم يعد لها اليوم، أي مبرر مقبول".

لا لوم ولا عتاب
كيف ننهي هذا المشكل؟ الملك هنا لا يطرح السؤال بل يذهب مباشرة إلى الحواب لكنه قبل ذلك يذكر "نحن لا نريد أن نعاتب أحدا، ولا نعطي الدروس لأحد؛ وإنما نحن إخوة فرق بيننا جسم دخیل، لا مكان له بيننا".

أما الحل فهو ما يدعو إليه الملك الرئيس الجزائري قائلا: "لذا، أدعو فخامة الرئيس الجزائري ، للعمل سويا، في أقرب وقت يراه مناسبا، على تطوير العلاقات الأخوية، التي بناها شعبانا، عبر سنوات من الكفاح المشترك".

ينهي الملك خطابه ثم يبعث رسائله ويطوي الصفحة.

تعليقات الزوّار (0)