الرئيس المدير العام لمجموعة أكديتال رشدي طاليب: انتهى عهد النوار !

أجرى الحوار: حسن بن جوا- عدسة: محمد وراق

AHDATH.INFO

*يلاحظ أن الدينامية التي شهدتها مدينة الجديدة لم يسايرها القطاع الصحي كما يجب. هل هذا أحد أسباب تدشينكم اليوم لمصحة بالمدينة؟

أعتقد أن هذا الكلام صحيح، فمدينة الجديدة تحتاج كثيرا إلى وحدات صحية تستجيب للارتفاع المتزايد للساكنة التي أصبحت تقطن بالمدينة، والتي تحتاج لمصحات عصرية متخصصة. أنا فخور جدا بمصحة الأنكولوجيا بالجديدة، لأننا سندشن من خلالها خروجنا من مدينة الدارالبيضاء وهي باكورة الانطلاق نحو باقي المدن المغربية، التي تستحق مصحات تلبي حاجياتها التطبيبية.
أعتبر أن مهمتنا بالدارالبيضاء انتهت، وآن الأوان لننفتح على مدن أخرى. من هنا بدأنا من الجديدة التي فتحنا بها مصحة خاصة بطاقة استيعابية من 220 سريرا، لأننا لاحظنا بأن الساكنة تفتقر هناك لمصحة للأنكولوجيا يضطر معها المريض للتنقل حتى مدينة الدارالبيضاء من أجل العلاج، كما تفتقر المدينة للتجهيزات الخاصة بمرضى القلب، وأيضا لتجهيزات الإنعاش ذات المستوى العالي. أعتقد أن هذا الأمر سيعود بالنفع على منطقتي عبدة ودكالة.
ويندرج تدشين مصحة الجديدة في إطار برنامج محكم تم وضعه من قبل مجموعة «أكديتال» لفتح سبع مصحات بسبع مدن هي آسفي وخريبكة وطنجة وأكادير وسلا والقنيطرة إضافة إلى الجديدة.

*تستثمرون يوميا في قطاع الصحة لتقديم أفضل الخدمات. هل تتلقون دعما من الدولة لتحفيزكم أكثر؟

ولا درهم واحد. ما يحز في نفسي، هو أن الدولة تقول إن من حق أي مستثمر يتجاوز استثماره 100 مليون درهم الاستفادة من دعم في حدود 20 في المائة على العقار ومن مساعدة في البناء بدعم بنسبة 5 في المائة. وهنا أذكر بأن كل المشاريع التي استثمرت فيها مجموعتنا تتجاوز هذا المبلغ ورغم ذلك لم تستفد من شيء، وعلى سبيل الذكر، فقد بلغ المبلغ الاستثماري لمستشفى عين السبع 220 مليون درهم، ومصحة عين البرجة 135 مليون درهم، ومصحة الأنكولوجيا 180 مليون درهم.. وهذه كلها أرقام تصيب بالدوران، وتزيد لأن المجموعة لا تستفيد من استرجاع أموال الضريبة على القيمة المضافة التي نؤديها، فالتجهيز الطبي مكلف جدا وأقل تقدير لا يقل عن 90 مليون درهم.. فأين وجه الدعم؟ لا شيء.
كل ما نطلبه هو استرداد الضريبة على القيمة المضافة. فأنا مستثمر في قطاع اجتماعي حساس، وعندما تعفيني من الضريبة على القيمة المضافة، فأنت تشجعني على الاستثمار وبناء مصحات جديدة لخدمة الصحة والمواطن المغربي. ومن يتحدث عن بناء مصحة يتحدث عن خلق مناصب شغل، وعن دفع ضرائب لخزينة المملكة (38 في المائة) ضريبة على الشركات وغير ذلك. هذا علما أن أرباحنا ليست بما قد يكون يعتقده البعض. فهي لا تتجاوز 10 في المائة، وحساباتنا واضحة ونتعامل بشكل شفاف من خلال الفواتير وكل مريض من حقه الحصول على مبرر ما دفع لخزينة مصحة من مصحات المجموعة سواء بالدفع نقدا أو بواسطة شيك أو بطاقة بنكية.

*هنا يطرح مشكل النوار الذي لازال سلوكا سائدا في عدة قطاعات وليس فقط في قطاع الصحة. كيف ترد؟

نحن داخل المجموعة لا نتعامل بالنوار لأننا مجموعة مهيكلة، وما يفسر ذلك هو أن مجموعة أكديتال تضم من بين المساهمين فيها صناديق استثمار تفرض أقصى درجات الشفافية والنزاهة ولا تعرف غيرهما. لقد ولى عهد النوار خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يبحثون عن الاستثمار في القطاع الصحي.

*مادمت تحدثت عن شفافية معاملاتكم ووضوحها، ألا يغريكم نموذجكم الاقتصادي بدخول البورصة؟

هذا هو حلمنا، وسنعمل على تحقيقه في المستقبل القريب. وقد وضعنا لأجل ذلك تصورا وبلغنا مراحل في النقاش مع من يرافقنا في هذا المشروع من عالم المال والاقتصاد كي ندشن دخولنا للبورصة ما بين سنوات 2024 و2026. هذه بادرة تتماشى وفلسفتنا العامة، لأننا لا نبحث عن الثراء بقدر ما نبحث عن مزيد من الشفافية وعن تطوير أفضل للمجموعة.

*فتحت الدولة مؤخرا قطاع الصحة وفي وجه المستثمرين بموجب قانون 13/131. ما رأيك في هذا الموضوع؟

أنا مع الفكرة وأشجعها، شريطة أن لا يكون للمستثمر أي دخل أو يد في العملية الطبية أو في القرار الطبي. فلا يجب أن يتدخل المستثمر في التجهيزات أو في أي شيء متعلق بمهنة الطب كطب. على العكس يمكن أن يتدخل في الحكامة والإدارة والتسيير. وهذا واحد من بين أسرار نجاح مجموعة أكديتال. فالمبادرة ستعود بلا شك على البلاد بالنفع الكبير.
يجب أن تكون هناك شراكة ذكية بين المستثمر والطبيب. وكي تنجح هذه الشراكة كذلك، يجب تغيير التعريفة المعمول بها والتي لم يلمسها تغيير منذ سنة 2006 إلى الآن، لأنها ببساطة لا تشجع المستثمرين على دخول غمار الاستثمار في القطاع الصحي، الذي يحتاج فعلا إلى أموال كثيرة لتقديم خدمات صحية تستجيب لانتظارات المواطن المغربي.

*يلاحظ أن ما يميز مصحات مجموعة «أكديتال» هو أنها متعددة التخصصات. لم اخترتم الاستثمار في مثل هكذا مصحات؟

اختيار الاستثمار في مصحات متعددة التخصصات كان من واقع تجربة خاصة. فقد قضيت عدة سنوات كطبيب مختص في التخدير بفرنسا قبل أن أعود إلى المغرب، لأعيش بعد ذلك 13 سنة من الإحباط الطبي خلال بداياتي المهنية بالمملكة.
وقبل العمل في القطاع الخاص، قضيت فترة تمتد لـ13 شهرا في الخدمة العسكرية، أديت خلالها واجبي على أكمل وجه، ثم بعد ذلك التحقت بمصحة صغيرة لا يتجاوز عدد أسرتها 25 سريرا، وحتى تجهيزاتها كانت بسيطة جدا على شاكلة ما كان سائدا في المغرب آنذاك. كنت أواجه مشكل نقل المرضى على متن سيارة إسعاف وفي ظروف محفوفة بالخطر نحو مصحات أخرى للبحث عن إنقاذ حياتهم في حال ما تعرضوا لأزمة حادة سواء تعلق الأمر بجلطة أو بأزمة قلبية أو طارئ في الدماغ أو الشرايين أو غير ذلك..
الفكرة جاءت من خلال لقائي بمستثمر بعيد عن قطاع الصحة أقنعته بمساعدتي والدخول معي شريكا في مشروع إنشاء مصحة لأني لا أملك المال الكافي لذلك. وكذلك كان، لتبدأ الحكاية كلها سنة 2011 من مصحة الوازيس في نسختها الأولى، صغيرة من 50 سريرا، ثم كبرت رويدا رويدا حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم كمصحة من 100 سرير و20 آخر خاص بالإنعاش و36 سريرا للعناية المركزة. تلا بعد ذلك مسلسل الافتتاح في باقي المصحات، والتي وصل عددها اليوم لسبعة، آخرها تلك التي دشنت اليوم الأربعاء بالجديدة. لكن لا أنسى أيضا محفظة العلاقات التي كونت خلال تلك السنوات مع مجموعة من الأطباء في تخصصات متعددة بحكم عملي كطبيب تخدير الذي تلجأ إليه جميع مهن قطاع الصحة.

*على مستوى مصحات مجموعة أكديتال. كيف عشتم فترة كوفيد 19؟

تجربتنا مع كوفيد كانت عبر مرحلتين. الأولى لم يكن مسموحا لنا فيها كقطاع خاص باستقبال وعلاج مرضى كوفيد19، وامتدت هذه المرحلة ما بين مارس وغشت من سنة 2020. المرحلة الثانية عشناها بعد عزوف وامتناع المواطنين على القدوم إلى المصحة من أجل تلقي العلاج من أمراض كالقلب والسرطان غيرها، بدأنا نستقبل الحالات الخطيرة جدا والتي بلغ فيها المرض مستويات متقدمة.. المواطن كان يخشى فيها من اتهامه بالإصابة بكوفيد19 والاحتفاظ به من أجل العلاج. لكن في المرحلة الثانية، ساهمنا بدورنا في علاج المرضى، وقد أدينا واجبنا كمجموعة وقمنا بتوفير أزيد من 200 سرير للإنعاش والعناية المركزة وأنا فخور بهذه المرحلة على الرغم مما شابها بتناثر الأخبار المزيفة حول الأثمنة وتكاليف العلاج ليس فقط داخل مصحاتنا بل حتى باقي المصحات.

*في هذا السياق، يلاحظ انتشار صورة نمطية عن المصحات الخاصة، والتي تشار لها الأصابع بمختلف النعوت. ما سبب ذلك؟

لو كانت المصحات الخاصة فعلا سيئة كما يروج لها من قبل البعض، لما كان لجأ 90 في المائة من المغاربة لخدماتها من أجل الاستشفاء، ولما كان أيضا 60 في المائة من المغاربة متوفرين على تغطية صحية أو من دونها ذهب للعلاج بها. لو لم تكن المصحات الخاصة في المستوى المطلوب وتستجيب لمعايير جودة الخدمة والعناية لما كان زارنا أحد، لو لم أكن في المستوى لما كنت واصلت فتح مصحات جديدة. الأزمة واللغط الحاصل حول المصحات الخاصة مرده إلى غياب التغطية الصحية للمواطن المغربي، والتي يمكن بفضلها أن يسترد جزءا من المبالغ المؤداة. لا مشكل لدينا مع المواطن الذي يستفيد من التغطية الصحية بل هي طيبة وعميقة، إلا من بعض الحالات التي تتجاوز الطبيب وتدخل في خانة الأقدار والأعمار.
أعترف بوجود أزمة بين المواطن والمصحات الخاصة خلال السنوات الأخيرة. لقد تغيرت عقلية المغاربة خاصة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي.. صحيح أن الطبيب والمصحة يلامان عن الوسائل والتجهيزات التي يجب أن تتوفر من تخدير والجراحة وغير ذلك، فنحن لا نسب ذكاء المغاربة ولا نخدعهم، بل نحاول خدمة المريض المغربي بشكل مهني وفي أحسن الظروف وبشتى الإمكانيات التي تتطلبها كل حالة نستقبلها. هذا الأمر يجعل ضميرنا مرتاحا ورأسنا مرفوعا..

*هنا يطرح موضوع الخطأ الطبي الذي قد يقع أثناء الاستشفاء. ما تفسير ذلك؟

أتصور الناس عند الحديث عن هذا الموضوع وكأن الطبيب يفرك يديه صباح كل يوم ليحصي عدد ضحاياه من الموتى. هل يسمى الخطأ خطأ طبيا والطبيب يحمل في داخله حسن نية إنقاذ حياة مريض كيفا كانت حالته؟ هذا الطبيب يحمل شهادات وأدى القسم ولا أتخيل أن شخصا ما يقبل على نفسه إزهاق روح أي كان. الخطأ الطبي غير المتعمد هو الذي يقع في بعض الأحيان وفي بعض الحالات. والتفسير الوحيد والمنطقي يكمن في الإقدام والمغامرة بإجراء عملية داخل عيادة خاصة تفتقر لأبسط وسائل ومقومات العملية الجراحية كيفما كان نوعها من قبل مهني الصحة. أما في حال أجريت العملية داخل مصحة تتوفر فيها تجهيزات بمعايير طبية عصرية من ألفها إلى يائها وبكفاءة مهنية وعلمية عالية، وحدثت الوفاة لا قدر الله، فهذا أمر يتجاوز الإنسان ويصبح فوق طاقة الجميع.

* كنت تعيش في فرنسا وتتقاضى أجرا محترما ولديك امتيازات هناك. لماذا اخترت العودة للمغرب؟

فقط لأني وطني وأحب هذا البلد. كنا ثلة من الشباب الذين اخترنا العودة للمغرب لنساهم بدورنا في بناء بلدنا وتاتضحية من أجله كما ضحى آلاف المغاربة إبان المقاومة. ما حفزني على ذلك وما أثار فتيل العودة، هو خطاب الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه حين وصف المغرب بأنه سيتعرض للسكتة القلبية. كان تحديا وقد رفعته.
لم يكن الأمر سهلا في البداية، وتطلب مني شجاعة ومغامرة كبيرتين حتى وصلنا بفعل جدية العمل الذي نقوم به لنكسب ثقة جميع المتدخلين من مساهمين وأبناك وممونين وأساسا الحلقة المحورية في العملية الصحية، المريض المغربي.

*كم يبلغ عدد العاملين في المجموعة؟

نحو حوالي 1700 شخص من إداريين ومختلف العاملين والممرضين دون احتساب الأطباء.

*هنا نتساءل عن وضعية الممرضين الذين يبقون الأقرب للمرضى. كيف تطلب منهم الاعتناء بالمريض وهم محتاجون لمن يعتني بهم؟ فما هي إذا تحفيزاتكم اليومية لهؤلاء؟

أعتقد أننا مجموعة تحترم كل متعاونيها حسب اختصاص كل واحد منهم ونقدر لهم ما يبذلونه يوميا من تضحيات من أجل خدمة وإرضاء المريض، ومن أجل إعطاء صورة جيدة عن المصحات التي يعملون داخلها. وكمثال على هذا يمكن أن أذكر لك أننا وفي عز انتشار كورونا وخلالها، حفزنا ممرضينا ومنحناهم تحفيزات شهرية بـ1500 درهم كتعويض شهري فوق أجرتهم خلال هذه المرحلة. لدينا في المجموعة قسم الموارد البشرية الذي يهتم بهذا الجانب ويعتني بالعاملين ويلبي حاجياتهم لينعكس ذلك على عملهم اليومي مع المواطن من أجل مزيد من رضا العاملين معنا وزبنائنا.
آخر حدث وقع معي هو يوم ولادة تسعة أجنة بمصحة «عين البرجة». آنذاك اغرورقت عيني بعد حادث ولادة الأم المالية لهذا الكم من الأطفال. هذا الإنجاز غير المسبوق عالميا والذي سيدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية لم يكن ليتحقق أساسا لولا التفاني والعمل الجدي والكفاءة العالية، التي أبانت عنها مختلف الأطقم التي شاركت في عملية الولادة، التي ستذكرها صفحات كتب الصحة بالمغرب كثيرا، ولولا أيضا توفر التجهيزات الحديثة.

*أين وصل مشروع الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص؟

هو متوقف الآن لأن الوقت لم يسمح بمواصلة الحوار في انتظار استئناف النقاش. وقد تقدمت المجموعة لوزارة الصحة بمقترحي تطوير هذه الشراكة.

*يلاحظ في المغرب قلة عدد الأسرة في الوحدات الصحية. هل لديكم أرقام بهذا الخصوص؟

نعم هناك خصاص كبير وهو لا يتجاوز 0,9 سرير لكل 1000 شخص، وهذا بعيد عن ما هو موجود في عدة بلدان. ولا ننسى أن السرير فيه وفيه بين المجهز وغير المجهز. فالأسرة المجهزة لا تشكل سوى 15 في المائة من مجموع الأسرة الموجودة في القطاع الخاص. وقد خلقنا 900 سرير للمرضى المغاربة، ما يمثل 10 في المائة من العرض الوطني في القطاع الخاص، على أن ترفع المجموعة من النسبة إلى 20 في المائة السنة المقبلة بتخصيص 2000 سرير من المستوى العالي.

تعليقات الزوّار (0)