شهادة: صلاح ولد درب الفتيان الذي عرفته !

بقلم: المختار لغزيوي

AHDATH.INFO

 

صلاحهل تعتقد حقا أنه سن مناسب للرحيل؟

صلاحهل تعتقد حقا أن إبقاءنا مستيقظين ليلة بأكملها، نحاول الاستيعاب فلانستوعب، نحاول الفهم فلانفهم، نحاول التصديق فلانصدق أمر يليق؟

صلاح…صلاح…مرة أخرى هل تعرف ما الذي فعلته بالجميع؟

يعرفونك منذ النشرات الإخبارية و عبارة « نهاية النشرةإلى اللقاء »، وأعرفك قبل البدء بكثير.

يعرفونك أكثرمنذأسئلةكورونا وصرختك في وجه المرض اللعين، وأعرف فقط أننا فتحنا العين على العين، وأننا التقينا ذات زمن بعيد ونحن صغار في المكناس الحزينة لفقدانك.

التقينا في المدينة القديمة ونحن صغار، وتعاهدنا أو تواعدنا أو أعطينا لأنفسنا شيئا يشبه الميثاق أن يسمع عنا المغرب جميعا في نفس الآن واللحظة. محمود بلحسن، هشام العلوي، أنت وأصدقاء آخرون…من مسرح الهواة ورواد الخشبة، إلى « الكوديم » وما أدراك ما « الكوديم » التي فتحنا عليها العين وعشقناها بدايديها العظيم وبرعيل الكبار، إلى « السفير المكناسي » المجلة التي احتضنت خربشاتنا الأولى والتي كان مديرها، خالك الحبيب يبشرنا في السنوات الأولى للصبا أننا « غاديين نكونو شي حاجة » إلى الجامعة واكتشافات الحياة بعد الباكالوريا إلى اللحظة التي قلت لي فيها « غادي نزيد فحالاتي، غادي نمشي لروسيا »، إلى اللحظة التي عدت فيها من البلاد البعيدة لكي تقول لي « واقيلا غادي نخدم فدوزيم »، إلى اللحظة التي قلت لك أنا في قلب غرفة التجارة والصناعة في مكناس غير بعيد عن العمالة « عيطو ليا الأحداث المغربية، واقيلا غادي نجي لكازا ». طلبت من طاقم القناة الثانية الذي كان يرافقك إلى تلك التغطية في مكناس أن يبتعدوا قليلا. سألتني « فين غادي تسكن؟ ». أجبتك مستهترا كالعادة « شكون عرف؟ غادي نجي لكازا ويحن الله ».

استأذنت مني قليلا من الوقت، ثم عدت. كنت تحمل نسخة ثانية من مفتاح منزلك في عين السبع. أعطيتني المفتاح وسألتني « فوقاش غادي تجي؟ ». أجبتك « الجمعة ». اتفقنا على الموعد وكذلك كان…

اكتشفت بفضلك الدار البيضاء، هاته البدوية الغول التي أصبحت مكناسي الثانية، والتي ذبت في ثنايا حبها لي وقد فتحت لي كل الأذرع وكل الأحضان. أمضينا أشهرا سبعة لا نفترق.

نطبخ لبعضنا البعض، ننظف المنزل سوية، نأكل سوية، تذهب إلى دوزيم في تلك السنة العجيبة 2001 وأذهب إلى « الأحداث المغربية »، ونلتقي ليلا ونخرج لأجل العثور على مساعدات الحياة ومكملاتها ولا ننام.

نضحك ملء الشدقين والفؤاد. نحتسي كثيرا من أنخاب الحياة، كعادة كل المكناسيين الأصليين، « الزريتيلات دوريجين » ولا نكتفي.

نصنع دنيانا، ونواعد الحياة ألا نتوقف عن إبهارها مثلما هي -العاهرة اللعينة - لا تتوقف عن صدمنا اليوم بعد الآخر. تقول جملتك العجيبة كلما قرر الانتشاء لنا أننا أحفاد مولاي اسماعيل الذين صنعوا كل شيء « حنا الوحيدين فالعالم اللي الحيط ديال دارنا هو سور مولاي اسماعيل. غير هادي بوحدها باراكا ».

ذات يوم ونحن في الثانوية، ذهبنا في رحلة جماعية رفقة أصدقاء وصديقات إلى سيدي عبد الله بولكرينات غير بعيد عن مكناس. وصلنا، ووضعنا أمتعتنا البسيطة فوق العشب وشرعنا في إعداد وجبة الغذاء. تركتنا أنت، ودخلت إلى الضريح المهجور. بقيت فيه مدة من الوقت حتى شرعنا في السؤال عنك. خرجت وأنت تحمل كمية كبيرة من الدراهم التي يلقيها زوار الضريح المهجور داخله. كانت ثروة صغيرة في تلك الأيام. كتبت بعدها في تلك اللحظة نص « نفحنا سيدي عبد الله بولكرينات دريهمات كثيرة دليلا على أنه راض على الزيارة ».

بقي الكل محملقا فيك يثني على عربيتك السليمة،وعلى قدرتك على الإبداع السريع،وعلى جرأتك في الدخول إلى ضريح مهجور يخاف الكل وضع الأرجل فيه. في طريق العودة، كان جوابك واضحا حول هاته الجرأة « شنو غادي يوقع كاع فملك الله؟ »

فعلا صاحبي، شنوغادي يوقع كاع فملك الله؟، والو، حتى حاجة…

لن يقع شيء.

تلك هي الخلاصة التي أمضيت ليلةالخميس/ الجمعة أرددها. لن يقع شيء.

سنحيا ماشاء لنا الإله أن نحيا، وسنموت،يوم يقرر لنا الإله أن نموت،تماما مثلما وقع لك في هذا اليوم الحزين القاتل الكئيب،أنت الذي لاتعرف مافعلته بنا وقد بقينا مثل الطاهرة والدتك نقول:  « تشوينا فكبيدتنا » مع أنها الوحيدة التي تعرف معنى وحجم هذا الفقد والتي تستطيع أن تقول « تشويت فكبيدتي ياربي تعطيني الصبر » بكل الصدق الممكن

صلاح ياصلاح…تركت لي السؤال معلقا من جديد : « هل تعتقد حقا - خويا وصاحبي - أنه سن مناسب للرحيل؟ ».

ملحوظة لها علاقة بما سبق:

لو رأيت - صاحبي - كم مكناسية وكم مكناسيا زفوك الجمعة إلى خالقك، في روضة مولاي مليانة قرب قبر الطاهر أبيك، لامتلأت فخرا بالإسماعيلية مجددا، ولقلت لنفسك على سبيل قهر ذلك القلق الوجودي المستمر « كنت أعرف أنهم يعشقون أبناء مدينتهم الصادقين، كنت أعرف أن الماء الحلو الذي شربناه في تلك الحاضرة لن يتحول أبدا إلى مرارة، كنت أعرف أنهم سيقولون لي في الختام (إننا فخورون بك ياصلاح…إننا نحبك ياصلاح) ».

نعم أولاد البليدة وبناتها قالوها، وكنا على ذلك من الشهود صاحبي

تعليقات الزوّار (0)