أدارت بيوت نساء داعش بالقهر والخوف : فتيحة المجاطي.. أميرة الشر

أحداث.أنفو

AHDATH.INFO

استهلال

بعد مشوار متقلب على عدة واجهات وبروفايلات مهنية واجتماعية، انتهى الأمر بفتيحة المجاطي المعروفة في داعش  بالاسم الحركي ‘‘أم آدم‘‘ إلى وضع خبرتها وخبثها في خدمة مملكة الشر : الدولة الإسلامية في العراق والشام. التحقيق التالي يكشف تفاصيل الحياة الحافلة والمضطربة للسيدة التي أصبحت المرأة الأولى في التنظيم، والتي اختفت بعد سقوط آخر معاقل الدولة في الرقة السورية قبل أشهر. المغربية فتيحة، أو أم آدم كانت تدير بيوت النساء في مدينة الرقة السورية عندما تحكم بالحديد والنار من قبل ميليشات الإرهاب الأسود. داخل هذه البيوت زرعت فتيحة الرعب في نفوس النساء والأطفال وتحكمت في مصائرهن. وعلى الرغم من أن القوات العربية والكردية اعتقلتها عند في السقوط الأخير للدواعش هناك، إلا أنها نجحت في الهروب من أحد معاقل الاحتجاز.

‘‘ أريد أن أرحل من هنا.. أريد أن أتحدث إلى عائلتي مجددا. أرجوكم أخرجوني من هنا‘‘ كتب هذا الرجاء على ورقة كان يظهر أنها انتزعت بسرعة من دفتر دراسي، عثر عليه عندما دخلت القوات الكردية لتفتيش بقايا البيوت في الرقة السورية بعد سقوط نظام الدولة الإسلامية. استخرجت الورقة من حقيبة وضعت في درج مكتب في بناية كانت تخصص لإيواء المهاجرين من كل العالم للالتحاق بداعش.

التعرف على هوية الشخص المرسل إليه كان صعبا للغاية، غير أن الرسالة كانت مثنية بعناية في جيب بلاستيكي أحمر.. وكأن الأمر تعلق بدليل مادي لجريمة. كتبتهت سيدة تدعى ‘‘أم مريم‘‘ جاءت من أوزبكستان. تحكي الرسالة أن أم مريم التحقت بداعش في صيف العام 2015 وأنها ظلت رهن الاحتجاز لدة أربعة أشهر في بيت إيواء كان يطلق عليه ‘‘المضافة‘‘. وهي بيوت كانت توضع فيها النساء الأجانب، على امتداد التراب الذي سيطرت عليه داعش بين العراق والشام.

رعب في بيوت النساء

كل بيوت النساء في داعش السورية كانت تحمل أرقاما. البيت حيث عثر على الرسالة كان مرقما ب88. على رأسه كانت تسود فتيحة المجاطي، التي كان الجميع يناديها بأم آدم. ابتداء من العام 2015، حكمت فتيحة البيت بيد من حديد. في غرف هذا البيت كدست النساء القادمات من كل بقاع العالم، عازبات، مطلقات وأرامل من جنسيات فرنسية وتركية وروسية وألمانية، كانت بينهن أيضا تونسيات ومغربيات وجزائريات.. كلهن وضعن تحت رهن رغبة الرجال متى وكيف أرادوا.

ولإجبارهن على قبول الرجال اللائي رفضن، كانت فتيحة تفرض نظام قهر وتجويع على النساء مع منع تام من الخروج. كانت تعرض عليهم الزواج من من اختارهم لهن التنظيم ليبدو كحل أحسن بكثير مما كن يعشنه. ولتكون أكثر دقة في مهمتها، سطرت فتيحة سجلا يحمل معلومات عن كل عضو في داعش يرغب في الزواج كعمره وجنسيته ورغباته الجنسية.. ما يمكن اعتباره دليلا مفصلا عن مجموع صفات ورغبات الرجال، وضعته رهن إشارة أعوانها في المكتب.

في رسالة أخرى تم اكتشافها في بيت آخر غير بعيد عن البيت رقم 88 الذي كانت تديره فتيحة، كتبت إحدى الأرامل التي كانت ترزح تحت نير قهر أم آدم ‘‘ أريد الخروج من هذا البيت.. لا أريد الزواج مجددا.. وإذا تم إجبار ابنتي على الزواج لا أريدها أن تختار اسما من ذلك السجل‘‘.

تعطش للسيطرة

وصفت كل النساء التي وضعتهن الأقدار في مواجهة فتيحة المجاطي هذه المرأة ب‘‘الخطيرة‘‘، والوحشية. في قلب التنظيم الإجرامي كانت من بين النساء القلائل اللواتي حظين بلقب الأميرة، وهي النسخة الأنثوية للقب أمير داعش. فتيحة تعيش بحرية اليوم في مكان غير معروف. هذا ما نشرته اليومية السويدية ‘‘اكسبريسن‘‘ في 17 يونيو الماضي.

المغربية ذات ال59 سنة نجحت في الهروب من معتقل الهول في شمال شرق سوريا، بمساعدة خارجية على الأرجح. وحسب مصادر كردية، ذكرتها الصحيفة السويدية، فقد تمكنت سلطات ستوكهولم من ترصد رسائل نصية متبادلة بين فتيحة وزوجة ابنها الموضوعة في السويد، رهن الاعتقال في مجمعات أعدت للنساء والأسر العائدة من سوريا والعراق بعد سقوط نظام الدولة.

منذ ذلك الحين، لم يظهر أثر لأم آدم، وأصبحت ضمن عداد اللائحة الطويلة لنساء داعش اللواتي نجحن في الهرب من معتقلات الأكراد والقوات الأخرى. تحكي شارلوت الشابة البلجيكية التي عاشت في ‘‘مضافة‘‘ العام 2015 قبل أن تنجح في الفرار بدورها من أتون نظام القهر، عن فتيحة التي احتكت بها لأشهر عديدة دون أن تنسى تفاصيل وحشيتها الكاسرة ‘‘لم تكن تمتلك أي وازع يفرق بين الخير والشر. لقد كانت متعطشة للسيطرة والنفوذ. لن تستسلم أبدا. ويمكن أن أؤكد أنها اليوم تعيش في نشوة بالغة بعد تمكنها من الفرار لأنها تعتقد أن الله اختارها لذلك‘‘.

شابة فرنسية أخرى عادت من جحيم الدولة الإسلامية، تذهب في نفس السياق عندما تتذكر أم آدم قائلة ‘‘ لقد وضعت ذكاءها في خدمة الشر، الآن وقد تمكنت من الفرار، ستبحث هذه المرأة عن الانتقام.. صدقوني‘‘.

الأرملة السوداء

مسار فتيحة المجاطي يدعو فعلا للقلق. فعلى امتداد تاريخها امتلكت هذه المرأة لقب ‘‘البطلة‘‘ في الفقاعة الجهادية الكونية. زوجها عبد الكريم المجاطي واحد من مؤسسي الجماعة الإسلامية المغربية المقاتلة، المنضوية تحت لواد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأوروبا. عاش الزوجان في أفغانستان مع ابنيهما، قبل تفجيرات مركز التجارة العالمي في نيويورك 11 شتنبر 2001.

تعتبر أجهزة الاستخبارات في العديد من الدول أن عبد الكريم المجاطي كان الرأس المدبر لسلسلة التفجيرات الإرهابية التي هزت العاصمة الإسبانية مدريد العام 2004 ولكنه أيضا كان ضالعا في تفجيرات الدارالبيضاء في ماي 2003. قتل عبد الكريم المجاطي في السعودية سنة 2005 في عملية مداهمة لوكر إرهابي. السلطات السعودية اعتبرته أيضا ضالعا في سلسلة هجمات إرهابية استهدفت بنايات أجنبية في الرياض العام 2003.

بعد وفاته، لم ترغب فتيحة المجاطي في الزواج مجددا، ومن تلك اللحظة استحقت لقب ‘‘الأرملة السوداء‘‘. تحت المراقبة القضائية عاشت سنوات طويلة في الدارالبيضاء، دون أن تخفي كرهها للغرب عموما.

في العام 2007 قبلت فتيحة المجاطي إجراء مجموعة من الحوارات الصحفية مع الإعلام الفرنسي، حيث صرحت لليومية الفرنسية ‘‘ لوباريزيان‘‘ : قريبا ستؤدي فرنسا الثمن لتبعيتها العمياء لأمريكا‘‘. ست سنوات بعد ذلك وفي صيف العام 2014، طارت فتيحة للرقة في سوريا للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية. وما إن وضعت رحالها في قلب التنظيم حتى أصبحت أم آدم في صلب اهتمام كبير. وحسب المعطيات المتوفرة، كانت فتيحة من بين النساء القلائل التي سمح لهن بقيادة السيارات. كانت سيارتها صفراء بزجاج مدخن أهديت لها منذ ثاني أيامها في الرقة.

في خدمة الرعب

مازالت ذكريات الرعب في المضافة تلقي بظلالها الثقيلة على جوليا حين ترغب في الحديث عن أيامها في المضافة 66 : أكثر البيوت رعبا في تلك التي أدارتها أم آدم. الشابة الفرنسية احتجزت فيها 3 أشهر عندما حاولت الفرار من الدولة الإسلامية. ‘‘ كانت هذه المضافة عبارة عن بناية كاملة. كنا ثلاث نساء في كل غرفة أو بالأحرى زنزانة. لم يكن لنا الحق في الحديث مع أي شخص‘‘ وتضيف ‘‘عندما وصلت هناك، أشبعت ضربا من قبل رجال أم آدم. مغربيتان وروسية هاجموني وضربوني بالأصفاد على رأسي دون توقف إلى أن فقدت الوعي‘‘.

جوليا التي تتابع قضائيا في فرنسا بتهم تكوين عصابة إجرامية والارتباط بتنظيم إرهابي، تتذكر كلمات أم آدم عندما استفاقت من الغيبوبة ‘‘لقد قالت لي أنه لا خيار لدي إذا لم أممتثل.. فستقوم بإبلاغ القيادة بأنني جاسوسة وسيتم إعدامي‘‘. وحسب معطيات ‘‘ميدل ايست أي‘‘ فإن نساء عديدات اححتجزن بنفس الطريقة، منهن من كانت مع أولادها، لتقوم أم آدم ‘‘بإعادة تربيتها‘‘ كما كانت تقول دائما.

ولمراقبة الأحنبيات الملتحقات بداعش، وضعت فتيحة نظاما للتجسس في قلب الرقة التي كانت عاصمة للدولة الإسلامية. استقطبت أكثر العناصر تطرفا ودموية وكانت مهمتهم مراقبة واستجواب وجمع أكبر معلومات ممكنة عن النساء اللواتي عبرن عن رغبتهن في مغادرة داعش أو تجرأن على انتقاد النظام. شارلوت البلجيكية التقت شابتين يزيديتين في المضافة التي أقامت بها. تقول شارلوت ‘‘ في أحد الأيام جاء ألماني باليزيدتين وعرضهن كسلعة أهداها بأريحية لأم آدم لتساعدنها في إدارة المضافة. أم آدم قالت لنا أنها جاءت بهن لمساعدتها لأننا كنا مجحفات في حقها وليست لنا قدرة على هذا الفعل‘‘.

العديد من النساء عبرن عن رغبتهن في سرد حكاياتهن مع أم آدم، وأغربها تلك التي روتها أنيسة في تجربتها في المضافة وعيون ذلك الطفل اليزيدي الذي عاش رعبا في بيت المغربية. أنيسة التي عادت لفرنسا بعد أشهر من الجحيم عاشته في الرقة لا تنسى نظرات ذلك الصغير الذي صادفته في بداية 2015 تقول بصوت مبحوح من الألم ‘‘ كننت مع صديقة. جاءت أم آدم بهذا الطفل مرعوبا بشكل واضح. لم يكن يتحرك. أردت أن أعطيه حلوى فتراجع للخلف ووضع يده على وجهه كطفل تعرض للعنف. عندما غادرت أم آدم الغرفة أخذت يد الطفل لكي يفهم أنني لا أريد له شرا. كانت عيناه ملئى بالدموع. لا يمكن أن أنسى هذا المشهد. بعد ذلك لم أره أبدا‘‘.

تعليقات الزوّار (0)