البيضاويون يعانقون مدينتهم

متابعة

AHDATH.INFO-  عبد الرحيم الزين الإدريسي

شابان يقفان أمام محطة سيارات الأجرة، الأكبر يبدو أنه لا يتجاوز 19 عاما، بينما الثاني يحمل بيده محفظة سوداء متوسطة الحجم، وعلامات السرور  ظاهرة على وجهه، وهو يتأمل شاشة هاتفه وكأنه ينتظر نشر نتائج أو مشاهدة حدث بارز، ويبدو سعيدا من خلال حركاته وصوته المسموع عن بعد. بعد صمت دام لثوان قليلة، قال لصديقه مبتسما «مبروك العيد»، الجملة التي لا تسمع إلا في الأعياد المألوفة، ليجيبه متلقي الخطاب مبتسما «الله يبارك فيك.. نعم إنه عيد بالنسبة لنا».
هذا مشهد من بين المشاهد التي تكررت بصيغ مختلفة بالعاصمة الاقتصادية، بداية من صباح يوم الخميس، حيث ردد العديد من البيضاويين في حواراتهم جملة «مبروك العيد»، مبرزين اشتياقهم للحياة العادية، بعدما  تنفسوا الصعداء رسميا، منذ فرض الحجر الصحي بالمغرب منذ شهر مارس الماضي، وبعد تصنيف الدار البيضاء ضمن عمالات وأقاليم منطقة تخفيف الحجر الصحي رقم 1 في مرحلته الثانية.

عودة الحياة لطبيعتها بالدارالبيضاء تجسدت خلال الثلاثة أيام الأولى في فضاءات التنزه والترفيه من حدائق وشواطئ ومقاهي، حيث عرفت توافد العديد من المواطنات والمواطنين الذين أكد معظمهم أن الهدف من ذلك هو التخفيف من الضغوطات النفسية والأنشطة الروتينية التي شكلت مللا للبعض خلال  فترة الحجر الصحي.

أمكنة الترفيه متعددة وطرق التنقل إليها مختلفة، لكن استنشاق الهواء النقي كان عنوانا مشتركا لنزهتهم، بين من اتجه إلى الشاطئ للاستمتاع برماله ومياهه، ومن استأنف أنشطته الرياضية بالهواء الطلق، ومن وجد ضالته في الحديقة للتخفيف عن النفس.

الحدائق.. لعب واستمتاع واستعداد

الساعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال، طقس مشمس، بإحدى حدائق عين السبع، واحدة من بين الفضاءات الخضراء التي كانت تعرف توافدا كبيرا، في زمن ما قبل كورونا، من قبل ساكنة المنطقة بالإضافة إلى ساكنة الحي المحمدي وسيدي مومن وسيدي البرنوصي.

 

الأسر والعائلات تتوافد، بحثا عن المرح والتنزه والاستمتاع بعد مدة تزيد عن ثلاثة أشهر ظلوا فيها داخل بيوتهم، فعند الولوج إلى الحديقة والتوغل قليلا إلى الأمام، أول ما يثير انتباه الوافدين البحيرة المتواجدة على يسار المدخل الرئيس، وأعينهم تنظر وكأنها تصافحها وتقول لها لقد اشتقت إليك، ليختاروا بعد ذلك المسار الأيسر الأقرب والمؤدي أيضا إلى المنطقة التي تفضل العديد من الأسر  الجلوس تحت ظل أشجارها، خاصة تلك التي تريد البقاء لمدة أطول، أما البعض الآخر فقد فضل الجلوس على أحد الكراسي الكائنة بالحديقة بشكل متفرق.

وغير بعيد عن مدخل الحديقة توجد منطقة لألعاب الأطفال، التي رغم صغر مساحتها، فهي تحظى باهتمام كبير من قبل الأسر، خاصة تلك المرفقة بأبنائها الصغار، الذين بدا من خلال حركاتهم وحماسهم وأصواتهم المرتفعة أنهم اشتاقوا إلى اللهو واللعب والسرور، وملامحهم تبدو مستبشرة.

وفي الوقت الذي تركت فيه بعض النساء أطفالهن يأخذون حريتهم في اللعب، اغتنمن الفرصة للحديث والنقاش في مواضيع شتى، في ظل أجواء تبدو أنها خلقت جوا مناسبا لهن.

وعلى الرغم من قلتهم مقارنة بالنساء، لم يرفض بعض الرجال تحقيق طلب أطفالهم بالمجيء إلى الحديقة، لما لذلك من أهمية من الناحية النفسية، كما جاء على لسان محمد الذي يبدو أنه في عقده الرابع، قائلا بوجه بشوش في تصريح للجريدة «إنني أتيت بابني وابنتي إلى هذه الحديقة بعدما طلبا مني ذلك»، ليضيف الرجل «لاحظت خلال الأيام الأخيرة بأن ابني اشتاقوا للنزهة، نظرا لأنهما اعتادا على الخروج والتنزه كل نهاية أسبوع، وكانت هذه الحديقة من بين الفضاءات المفضلة بالنسبة لهما، وهو الأمر الذي لم يحدث منذ مدة، نظرا لاتباع التدابير الاحترازية والوقائية ضد فيروس كورونا المستجد.. علما أنني خلال  فترة الحجر الصحي دائما كنت أعمل على تشجيعهم على مطالعة الكتب خاصة قصص الأطفال لكي يكسروا الملل الذي قد يداهمهم».

وبالتوغل إلى الأمام، وغير بعيد عن الأسر التي أثثت المكان، وبين أصوات الأطفال وأصوات العصافير التي تزور المكان، يوجد تلاميذ مستوى الثانية بكالوريا، بعضهم منغمس في الكتب والأوراق والآلات الحاسبة والأقلام، استعدادا لامتحانات البكالوريا التي لم يتبق الكثير ليصل أوانها.
وعلى غرار السنوات السابقة، حيث كانت الحديقة قبلة للتلاميذ الذين كانوا يأتون مجموعة تلو الأخرى، كلما حل شهر ماي من الموسم الدراسي، وهي المشاهد التي لم تكن هذه السنة حتى يوم الخميس الذي تم فيه التخفيف من إجراءات الحجر الصحي.

مجموعة مكونة من ثلاثة تلاميذ (تلميذة وتلميذان) يرتدون الكمامات الواقية ويبدو أنهم على دراية بأهمية التدابير الوقائية. أكدوا في تصريح للجريدة أنهم شرعوا في الاستعداد للامتحانات منذ توقف الدراسة الحضورية، لكن جو هذه الحديقة، سيمكنهم من محاربة ملل الاستعداد الفردي والتهاون الذي قد يداهمهم في بعض الأحيان، كما جاء على لسان التلميذ «سعد» الذي أكد في تصريح للجريدة، أنهم اغتنموا الفرصة منذ بداية تخفيف الحجر الصحي بالمدينة، معتبرين أن هذا الفضاء الأخضر والجميل يوفر لهم الجو المساعد على الفهم والعطاء.

وتدخلت التلميذة لتضيف أنه منطقيا عند تغيير مكان الاستعداد من فضاء داخلي إلى فضاء خارجي، أي من المنزل الذي دام الاستعداد فيه للامتحانات لمدة تفوق ثلاثة أشهر إلى الحديقة التي تعد مكانا مناسبا للتحضير، الشيء الذي غاب أيام الحجر الصحي وقاية من الفيروس، سيساعدهم على الحفظ، بالإضافة إلى الاستعداد الجماعي الذي يوفر فرصة المناقشة وتبادل الأفكار بالإضافة إلى تشجيع بعضهم البعض ونيل طاقة إيجابية محفزة لتحقيق نتيجة جيدة، خاصة عند مشاهدة تلاميذ آخرين بالمكان ذاته يستعدون للامتحان الوطني.

الشاطئ يرحب بكم

منذ صباح يوم الخميس حتى يوم السبت، شهدت شواطئ الدارالبيضاء توافد العديد من الناس، بمختلف أنواعهم وفئاتهم العمرية، هرعوا إليها بحثا عن هواء جميل، بعد  حرمان دام لمدة تفوق ثلاثة أشهر.

البعض فضل لعب كرة القدم، والبعض الآخر جعل من استنشاق الهواء النقي عنوانا لنزهته، والفئة الغالبة توجهت إلى السباحة نظرا للحرارة المرتفعة.
شاطئ عين السبع أو «السعادة» الاسم الذي اعتاد العديد من رواده على ترديده، باعتباره «اسم على مسمى» بالنسبة لهم، لم لا وهو الذي يحقق لهم الاستماع والسعادة الملموسة حسب قدرتهم المادية.

نساء ورجال وأطفال لم ينتظروا كثيرا لاسترجاع ولو القليل من ذكريات الصيف التي لا زالت عالقة في أذهانهم، وعلامات الفرح مرسومة على محياهم، وبين من استلقى على الرمال اللامعة ومن يستحم، هناك فئة ثالثة اختارت هذا الشاطئ كفضاء لاستئناف أنشطتها الرياضية أمام أمواج البحر وهي تتلألأ.

«كنا محبوسين في الدار مدة طويلة وما مشيناش البحر، وأنا مولف في رمضان كنمشي البحر  وهذ العام ما مشيناش... يعني ما كاينش فين تفرغ هذه  الضغوطات والتخلص من الأشياء الروتينية.. وهاد الشي علاش جيت البحر لأن السباحة بالنسبة لي ترويح وسعادة»، يقول أسامة، شاب يبدو في عقد الثاني من العمر.
ويقول حسن، شاب يبلغ 27 سنة: «منذ تطبيق الحجر الصحي بالمغرب، لم أمارس أي نشاط رياضي، علما أنني كنت كل يوم أحد أزور هذا الشاطئ في الصباح الباكر، رفقة أصدقائي للجري والقيام بحركات رياضية نختمها بمباراة في كرة القدم، الأمر الذي لم يظل قائما، وذلك مرده إلى الالتزام بالتدابير الوقائية التي عاشتها بلادنا.. واليوم أتيت أنا وصديقي لكي نسترجع حركيتنا من جهة أولى، والاستمتاع بجمالية البحر ورماله من جهة ثانية».
وفي الوقت الذي عانق فيه مرتادو الشاطئ رماله ومياهه، يسهر رجال الأمن والقوات المساعد على تنظيم الشاطئ ومراقبة مدى احترام التدابير الوقائية ضد فيروس كورونا من جهة أولى، وتوفير الأمن والسلام للمصطافين.

وعند حلول الساعة السادسة مساء، باعتبارها الحد الأقصى زمنيا للبقاء بالبحر، عمل رجال الأمن بمعية رجال القوات المساعدة على تنظيم خروج المصطافين بالشكل اللازم، ليصبح الشاطئ فارغا بعدما كان ممتلئا بالناس.

القهوة والحلاقة.. قبل النزهة

دخل إلى المقهى، قام بتعقيم يديه يالمعقمات الموضوعة للزبناء أمام الباب، وعيناه تترصد الكراسي ذات اللون البني وكأنه لا يصدق أن ما يشاهده حقيقة وليس حلما. لكن بعد ذلك ظهر بأن البحث عن طاولة مناسبة في مكان مناسب هو السبب في عدم شروعه في الجلوس مباشرة لحظة دخوله، على الرغم من أن عدد مرتادي المقهى في تلك اللحظة لم يكن بالكثير مقارنة بما كانت تعهده في زمن ما قبل كورونا خلال يوم السبت. وفي جانب آخر من المقهى، اغتنم زبون فرصة جلوسه بالمقهى للحديث في موضوع، ولكنه حديث عبر الهاتف لأنه كان وحيدا.

لماذا عدد الزبناء قليل؟ يجيب صاحب مقهى بصوت خافت «باينة.. الناس ما زال مأزمة ماديا بسبب الجائحة وكاينين الناس اللي ما زال خايفين من المرض، وحنا مازال عاد حلينا، ولكن كنتفاءلو خير مستقبلا».

صالونات الحلاقة بحي سيدي مومن بدورها شهدت إقبالا ملحوظا، خلال الثلاثة أيام الأولى من تخفيف الحجر الصحي بالمدينة، حيث توافد العديد من الزبناء، من أجل تحليق الشعر، قبل التفكير في التنزه، وقد عاينت الجريدة أن التدابير الوقائية التي تم اعتمادها من قبل أرباب ومستخدمي صالونات الحلاقة، حظيت باهتمام المواطن الذي يحرص على تعقيم يديه قبل الدخول.

بعد الثامنة مساء.. الماضي يعود

في الساعة التاسعة من ليلة السبت (ثالث أيام تخفيف الحجر)، عادت المياه إلى مجاريها، بمنطقة سيدي مومن التابعة لعمالة سيدي البرنوصي، حيث انتظر بعض السكان حتى الليل ليلامسوا أجواء أزقة أحيائهم وشوارعها.

وعلى مستوى شارع متجه إلى حي أناسي، حركة سير نشيطة، مماثلة لتلك التي كان يشهدها قبيل جائحة فيروس كورونا المستجد والسيارات شكلت صفوفا طويلة، من خلال التنقلات اليومية في المساء للمواطنات والمواطنين، سواء عبر وسيلة نقل خاصة بهم أو عبر سيارات الأجرة.
وبمنطقة حي الولاء، عادت الحياة بعودة الماضي لأشهر شارع بالمنطقة، بعدما كان يعرف حركية، باعتباره قبلة للساكنة التي فارق معظمها المجيء إليه مساء، منذ فرض الحجر الصحي.

بين الفرح والتخوف فروقات

في الوقت الذي يعتبر فيه تخفيف الحجر الصحي بالعاصمة الاقتصادية حلما طال انتظاره بالنسبة للعديد من المواطنات والمواطنين، خاصة من قبل الأسر الأكثر تضررا من الناحية الاقتصادية، بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد، والتي لم تجد حتى ما تأكله، خلال فترة الحجر الصحي، بعدما توقف أرباب الأسر عن العمل ولم تستفد من دعم صندوق كورونا، فإن العديد من المواطنين أبانوا عن وعيهم بأهمية الالتزام بالاحتياطات الاحترازية والوقائية التي يجب أن تستمر بالشكل اللازم مع تخفيف الحجر الصحي.

«لا للتراخي»، يقول مصطفى بصوت مرتفع، ثم يضيف «إن تخفيف الحجر الصحي يجب أن لا ينسينا الالتزام بالتدابير الوقائية والإجراءات الضرورية التي تصبو إلى محاربة تفشي الفيروس ومن تم مساعدة بلادنا على القضاء عليه».

وبخصوص ارتفاع عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد، يضيف مصطفى «تقلقني تلك الأعداد التي سجلها المغرب خلال الأيام الأخيرة في عدد حالات الإصابة، وهو العامل الذي لابد من استحضاره في كل لحظة من قبل المواطنين، وعليهم أن يحترموا جميعا التباعد الاجتماعي وتفادي التجمعات ووضع الكمامة».
يذكر أن السلطات المغربية أعلنت عن إعادة تصنيف جميع العمالات والأقاليم ضمن منطقة التصنيف رقم 1، باستثناء عمالات وأقاليم القنيطرة، مراكش، طنجة أصيلة والعرائش، ابتداء من 24 يونيو الذي صادف يوم الخميس الماضي. وكان بلاغ مشترك لوزارتي الصحة والداخلية قد أكد أنه تقرر الدخول إلى المرحلة الثانية من مخطط التخفيف، وذلك مع مراعاة تطور الوضعية الوبائية في المغرب.

وأتت هذه القرارات بناء على خلاصات التتبع اليومي لتنزيل المرحلة الأولى من مخطط تخفيف الحجر الصحي، وبعد إجراء لجان اليقظة والتتبع المعنية لتقييم دقيق للإجراءات اللازم اتباعها والشروط الصحية اللازم توفرها.

تعليقات الزوّار (0)