الضمان الاجتماعي.. أوكار «النوار»!

متابعة

AHDATH.INFO- عبد الواحد الدرعي

فجر عدم تصريح الوزيرين الإسلاميين بأجرائهما لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قضية جديدة من قضايا تدبير الشأن العام لاسيما فيما يخص مصير الصندوق الذي يتهدده العجز. مخالفة الوزيرين مصطفى الرميد ومحمد أمكراز للقانون وهما اللذان يشغلان مناصب مهمة في حكومة سعد الدين العثماني سلطت الضوء على تهرب عدد من المشغلين من التصريح بالأجراء في الصندوق. وإذا كان أمكراز قد سوى وضعية العاملين لديه مؤخرا فإن وفاة الكاتبة الخاصة بمكتب الرميد للمحاماة قد زاد الطين بلة رغم إعلان والدها رفض هذه الأخيرة تسجيلها نفسها في محاولة لتجنيب الرميد تحمل مسؤولية الخرق القانوني.

ورغم حرص المشرع في ظهير 27 يوليوز 1972 على تحصين حق المؤمن لهم في الاستفادة من خدمات الضمان الاجتماعي، بجزاءات وغرامات، استمرت حالات عدم التصريح بالمستخدمين على قائمة المنازعات، ذلك أن المظالم كثيرة والجشع أو التهاون لدى المشغلين مازال متواصلا.

وقد اعتبر المشرع مسؤولية عدم التصريح بالأجير لدى الصندوق تقع على عاتق المشغل، باعتباره الملزم طبقا للفصل 15 بالانخراط وتسجيل الأجراء، وكذلك جعله المشرع مدينا إزاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بمجموع واجبات الاشتراك وجعله مسؤولا عن أدائها.

«كورونا» تكشف المستور
كشفت إحصائيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن عدد الأجراء المصرح بهم يقدر بحوالي 3 ملايين و800 ألف أجير، لكن جائحة كورونا كشفت وجها آخر للحقيقة، حيث إن الأجراء الذين سبق وصرح بهم في الصندوق ولا يمكن أن تنطبق عليهم المعايير التي حددتها لجنة اليقظة لتلقي الدعم، بسبب كونهم لم يتم التصريح بهم في الشهور أو السنوات الأخيرة من طرف رب العمل يقدر عددهم بحوالي مليون ونصف أجير.

مصدر نقابي أوضح أن بعض أرباب العمل يتلاعبون بعدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث يشغل 200 أجير ولا يصرح إلا بـ70 أجيرا، والباقي يتلاعب بهم ولا يصرح بهم بشكل مستمر ودائم، وهذه السلوكات غير المواطنة نجدها كثيرا في شركات الحراسة والنظافة وقطاع العقار، والنسيج وغالبية القطاعات التي تشتغل بالمناولة.

الصندوق يداهم أوكار «النوار»

في السنة الماضية شن مراقبو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حملة مراقبة لدى مقاولات القطاع غير المهيكل، التي لا تصرح بأجرائها ويعتبرون بحكم القانون أشباحا يشتغلون دون أن يكون لهم أثر في قاعدة بيانات الضمان الاجتماعي، ما يحرمهم من حقوقهم في التطبيب والتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل.
التحريات الأولية وقفت على أزيد من 15 ألف أجير يشتغلون دون أن يتم التصريح بهم لدى الصندوق، ما يمثل مخالفة للقوانين علما أن الصندوق يسعى إلى تسوية ملفات ما لا يقل عن 50 ألف أجير، ما يمثل كتلة أجور إضافية تصل إلى مليار و200 مليون درهم.

واستعان مراقبو الضمان الاجتماعي بقاعدة بيانات المديرية العامة للضرائب، إذ عثروا على عشرات الآلاف من المقاولات التي تتوفر على رقم التعريف الموحد للمقاولة لكن لا يوجد لها أثر في لائحة المقاولات المنخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما دفع الصندوق إلى شن حملة المراقبة الميدانية في صفوف هذه المقاولات من أجل تحديد عدد العاملين بها وإجبار أصحابها على التصريح بأجرائهم في الضمان الاجتماعي.

بالإضافة إلى وجود «النوار» في العديد من القطاعات، فالخطير في كل هذا هو أن القطاع المهيكل بدأ يصرف جزءا من حركيته للقطاع غير المهيكل، فمثلا شركة مهيكلة تشغل 200 عامل وتصرح بهم جميعا، لكن جزءا من نشاطها تمرره للقطاع غير مهيكل، بمعنى أنه في الأحوال العادية هذه الشركة المهيكلة يجب أن تشغل 400 عامل.

ذات المصدر أوضح أن هذا الوضع يمكن محاربته من طرف الدولة عن طريق توحيد المعطيات التي تتوفر عليها جل المؤسسات الحكومية وإحداث أرضية معلوماتية موحدة، تمكننا من القطع مع جميع السلوكات السلبية التي تسيء للاقتصاد الوطني، وتوفر لنا معطيات صحيحة في زمن الأزمات.
من جهة أخرى على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها مستقبلا كي لا تسمح بمثل هذه الخروقات والتلاعبات، بتخويل مفتشي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومفتشي وزارة التشغيل الصفة الضبطية، لأنه اليوم رغم أن مفتشي الشغل يضبطون هذه الخروقات ويرفعون تقريرا بشأنها للسلطات القضائية، فإن تقريرهم لا تكون له أي قيمة ويمكن لرئيس المحكمة أن يأخذ به أو لا يأخذ به.

جطو يدق ناقوس الخطر

وسبق لإدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات في 2018 أن أماط اللثام عن معطيات خطيرة تتعلق بمصير مئات الآلاف من الأسر التي تستفيد من التغطية الصحية التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث أكد أن الوضعية المالية للصندوق لا تبشر بالخير وتسير نحو الهاوية.
جطو كشف أن الصندوق سيبدأ في تسجيل عجز تقني ليكون هذا العجز إجماليا بعد 7 سنوات ثم سيتحول إلى إفلاس تام سنة 2044 بعد نفاذ جميع الاحتياطات إذا لم يتم وضع استراتيجية جديدة تنقذ الوضع.
واعتبر جطو أن مصير الصندوق سيكون مماثلا لمصير الصندوق المغربي للتقاعد الذي لم تنجح الحكومة في إنقاذه، والذي سيسجل بدوره عجزا ماليا يفوق 30 مليار درهم سنة 2044.

وفي رده على التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للحسابات حول عمله خلال الفترة الممتدة من 2005 إلى 2017، اعترف صندوق الضمان الاجتماعي بأن أغلب الملاحظات في محلها، وقال إنه انكب على تنزيل التوصيات التي تقدم بها المجلس، وأطلعه على بعض الملاحظات بخصوصها.
وقدم عبد الله متقي المدير العام بالنيابة لـ«CNSS»، بداية الشهر الجاري أمام لجنة الرقابة المالية بمجلس النواب، عرضا حول أهم ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات وتوصياته، مؤكدا أنه بالرغم من المجهودات المبذولة لا زال هناك أجراء محرومون وذويهم من الاستفادة من منافع الضمان الاجتماعي، إضافة إلى الرصد المتزايد لدى بعض المقاولات غير المواطنة، والتي يجب الإشارة إلى أن عددها يشكل أقلية.

عدم تحويل الاشتراكات للصندوق

في السياق ذاته أعلن المتحدث أن هناك مجموعة من المخالفات المرتبطة بمجال التصريح بالأجور وأداء الاشتراكات، والتي تتعلق أساسا بعدم التصريح بالأجراء أو نقص في قيمة التصريح، سواء من عدد أيام العمل الفعلية المصرح بها، أو قيمة الأجور المصرح بها، وعدم أداء الاشتراكات مع الاحتفاظ بصفة غير قانونية بمبالغ الاشتراكات المقتطعة من أجور العمال، وعدم تحويلها للصندوق.

الوزارة تتكتم على الإحصائيات

قبل يومين فقط، وجهت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، حنان رحاب، سؤالا كتابيا لوزير الشغل محمد أمكراز حول عدم تصريح عدد من المهن الحرة بمستخدميهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي، حيث إن عددا من المهن الحرة والقطاعات غير المهيكلة، تعيش اختلالات كبيرة في تطبيق القانون، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحماية الاجتماعية للمستخدمين.

وأضافت النائبة الاشتراكية أن عددا من المستخدمين في مقاولات مختلفة متدمرون من عدم تسجيلهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مما يعد انتهاكا صريحا لحقهم القانوني في الحماية الاجتماعية عبر التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ودعت رحاب الوزير إلى الكشف عن الإحصائيات الخاصة بعدد المستخدمين غير المصرح بهم وعن نتائج لجن التفتيش، والإجراءات التي سيتم اتخاذها للحد من ظاهرة التهرب من تسجيل المستخدمين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

الحماية الاجتماعية هي الحل

فيما لا تعرف الخطوات التي سيتم اتخاذها من أجل تفادي انزياح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدوره إلى مصير الصندوق المغربي للتقاعد، يرى العديد من الفاعلين أن المدخل لإنقاذه يتمثل في تمتيع أكبر عدد من المواطنين البالغين ما بين 20 و60 سنة بالحماية الاجتماعية، من أجل التغلب على مشكل خصاص الاحتياط المالي المخصص لصرف معاشات المتقاعدين.

وتنكب حاليا الحكومة على توفير الحماية الاجتماعية للمستقلين، من المهنيين المزاولين لمهن وأنشطة خاصة، والحرفيين والتجار وسائقي سيارات الأجرة، وغيرهم، وإذا نجحت هذه العملية على النحو المطلوب، فإنها ستنقذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من الأزمة التي تطرق أبوابه.

تعليقات الزوّار (0)