الدار البيضاء.. عودة الحياة للأسواق

متابعة

AHDATH.INFO - إعداد عبد الرحيم الزين الادريسي

بعد إغلاقها لعدة أسابيع خلال فترة الحجر الصحي، للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وتوقف الحركة التجارية بمحلات أشهر الأسواق الشعبية بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، عادت الحياة لتدب من جديد في أسواق تحتل مكانة مهمة لدى العديد من الزبناء من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية، وباعتبار أنها أسواق تشكل القلب النابض للمدينة.

أسواق شعبية كانت تعرف توافدا كبيرا وتكدسا من قبل الزبناء الباحثين عما يحتاجونه من سلع حسب أذواقهم وقدراتهم الشرائية، خلال زمن ما قبل كورونا، بدأت تشهد منذ الأسبوع المنصرم، عودة الزبناء من مختلف الأعمار، نساء ورجالا، بعد أسابيع من الصمت الذي طبع المحيط الذي توجد به.

سوق «كراج علال» واحد من بين أشهر وأقدم الأسواق الشعبية بالدار البيضاء عرف توافد العديد من المواطنات والمواطنين الذين بدا اشتياقهم للمجيء إليه من خلال استطلاعهم ومساوماتهم للأسعار وهم يقبلون على المنتجات التي يقدمها لهم تجار الملابس الجاهزة.

وحتى الأسواق النموذجية التي توفر بدورها الملابس والمواد الغذائية شهدت بداية جديدة مشابهة نسبيا لما كانت عليه في السابق من حيث أعداد الزبناء لاسيما يوم السبت، كما حدث بمنطقة سيدي البرنوصي، رغم أن إقبال المواطنين على الشراء مازال ضعيفا كما جاء على لسان بعض البائعين.

ولكي يكون استئناف التجار لأنشطتهم التجارية أمرا محمودا، عاينت الجريدة أن هناك شروطا ضرورية متعلقة بتدابير وإجراءات وقائية لابد من اتباعها والالتزام بها بغية الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وتماشيا مع قرارات السلطات العمومية.

سوق «كراج علال».. حياة جديدة

نظرت الفتاة إلى فستان نال إعجابها، فإذا بالأم منشغلة بقراءة لافتة تحسيسية معلقة على جدار المحل، مكتوب عليها مجموعة من التدابير الوقائية من فيروس كوفيد 19.. هذا مشهد من بين المشاهد التي تبرز اهتمام المواطن وفضوله لمعرفة معلومات أكثر أو على الأقل من أجل التقيد بالاحتياطات الوقائية اللازمة.
بسوق «كراج علال» يرتدي المستخدمون الكمامات، ويؤكدون أنهم يشترطون على الزبناء ارتداء الكمامة لولوج محلاتهم، بالإضافة إلى قياس درجة حرارتهم في بعض الأحيان، وهو ما عاينته الجريدة أثناء مراقبة أحد المستخدمين درجة حرارة زبون قبل ولوجه إلى المحل.

بالإضافة إلى المعقمات التي أكدت جمعيات المجتمع المدني على أن تكون حاضرة بشكل منتظم للمستخدمين والزبناء وتثبيتها عند مداخل المحلات التجارية، والتأكد من نظافة أماكن وتجهيزات العمل والحرص على تعقيمها وفق برنامج يومي وعلى مدار الساعة.

ولتجاوز التكدس والازدحام، يتم الاقتصار على عدد محدود من الزبناء الوافدين داخل المحل حسب مساحته ونوع نشاطه وتصنيفه، في حدود 3 زبناء تفاديا للازدحام، وإلصاق ملصقات إخبارية لتحسيس المستخدمين والزبناء بإجراءات السلامة الصحية.

ومن بين النقاط التي لم يعهدها الزبناء من قبل، وضع حدود لفضاءات العمل من خلال وضع علامات على الأرض وحواجز مثبتة.

وبين السلوكات الاجتماعية البناءة، التي تصبو إلى مواجهة جائحة كورونا والظاهرة عن بعد، تلك التي يبرزها بعض المواطنين، كالتباعد الاجتماعي من خلال «مسافة الأمان» التي تفصل الفرد عن الآخرين وقاية له ولغيره.

نساء يسرن ببطء وأعينهن تراقب وتترصد أشكال الملابس وألوانها، لكن هاجس البحث عما يروق ذوقهن لم ينسهن ترك مسافة بينهن وارتداء الكمامات الوقائية، الأمر الذي بدا واضحا أنه ليس اعتباطيا، ولكنه ينم عن تفهمهن أن ذلك في صالحهن وصالح الغير.

ياسين شاب يبدو في عقده الثالث، ينشد منطق «الوقاية من المرض أساس التغلب على الفيروس»، مؤكدا في تصريح للجريدة أنه على دراية تامة بالحالة الوبائية الخاصة بفيروس كورونا بالمغرب، وأن للوقاية دورا مهما جدا، مبرزا أن البعد المادي حتم عليه الخروج من منزله بعد مدة طويلة، لاستئناف عمله بالسوق، مثله مثل العديد من الشباب الذين انقطعوا عن العمل بسبب الأزمة.

بين التاجر والزبون.. تطلعات وأمان

«بعد انقطاعنا عن العمل الذي دام لمدة تفوق ثلاثة أشهر، بطبيعة الحال الأزمة سيستشعرها أي تاجر كيفما كان نوعه سواء كان كبيرا أو صغيرا»، يقول مستخدم بأحد المحلات التجارية لبيع ملابس الرجال بزنقة الشمال بكراج علال، مضيفا في تصريحه للجريدة: «الآن يوجد ركود تجاري عميق، ولكن على العموم فهذا يعد أفضل من الاستمرار في الإغلاق، ونتفاءل بعودة حركة البيع كما عهدناها في زمن ما قبل جائحة فيروس كورونا المستجد».

وبخصوص قواعد الوقاية اللازمة، يضيف المتحدث عينه أنهم صاروا منذ عودتهم إلى مزاولة نشاطهم التجاري، يولون اهتماما للتدابير الاحترازية والوقائية، من قبيل وضع لافتات توعوية، وهو ما عاينته الجريدة.

وأضاف قائلا: «نفرض على الزبون أن يكون مرتديا للكمامة حتى يتسنى له الولوج إلى المحل، وإذا كان العكس نقوم بتقديم خدمات له من أمام المحل. وبخصوص عودة الحياة الطبيعية لسوق كراج علال، فيعتبر أنها شيء صعب جدا ويحتاج للوقت».

وفي تصريحه للجريدة، أكد نائب رئيس إحدى الجمعيات بالمنطقة أن لقاء مع السلطات المحلية انعقد قبل عودة التجار لمزاولة أنشطتهم التجارية، وخصص للتباحث حول هذا الموضوع، والتزمت من خلاله الجمعية بحث التجار المنضوين تحت لوائها على احترام السلامة الصحية والتدابير الوقائية من أجل السماح لهم بمزاولة أنشطتهم في ظروف ملائمة.

وأضاف المتحدث عينه قائلا: «إننا من خلال التحسيس المباشر كمكتب، قمنا بتكليف أشخاص يقومون بالتتبع من خلال دوريات تحسيسية يومية، لكي لا يقع النسيان أو السهو من قبل البعض».

أما بخصوص تطلعاتهم وارتساماتهم حول المستقبل، يقول أحد تجار الملابس بزنقة الشمال «فتح محلاتنا هو واحد من بين تطلعاتنا»، وتفاءل بالتغلب على هذه الأزمة التي سبقتها أزمات أخرى حسب ما جاء في قوله، وذلك بالصبر والتفاهم والمساعدة.

وبعد أيام قليلة عن استئناف أنشطتهم التجارية، يؤكد المتحدث ذاته أن «الزبناء أبانوا عن تفهم ووعي بأهمية الإجراءات الوقاية، وأضاف قائلا «الناس كتساعد وكتوقف حدا الباب كتقوليك واش ممكن ندخل ولا بلاتي حتى يفرغ المحل شوية، الناس غادية وكتندامج مع هاد المسائل».

أما الفراشات فقد صار عددها قليلا بكراج علال مقارنة بالسابق، وأكد أحد الباعة تضررهم قائلا «تضررنا بسبب توقفنا عن العمل، وملي ترخفات شوية خرجنا حتى حنا باش نترزقو على الله ونجيبو لوليداتنا ما ياكلو، رغم أن حركة البيع لا زالت ضعيفة، ولم تعد كما كانت عليه في السابق».

السائل أكثر من المشتري

الثمن الذي يناسب جميع الفئات، في نظر الناس هو السبب الأساس لمجيئهم إلى سوق كراج علال، علما أنه ليس مكانا للطبقات المتوسطة فقط، بل حتى الأغنياء الذين يجدون ضالتهم في أزقته الضيقة وأجوائه (زنقة الشمال نموذجا)، والتي لا مثيل لها في أسواق أخرى. ومن بين الأيام المميزة يوم الأربعاء، الذي يعرف توافد المواطنين بداية من الصباح، الذي يعتبره البعض ظرفا مناسبا لاقتناء ما يحتاجه.

مساومة السلع من قبل الزبناء الذين واضبوا على شراء البضائع والحاجيات التي قد لا يجدونها مجتمعة سوى في أسواق من قبيل «كراج علال»، فمنهم من اقتنى الملابس من هذه الأسواق التي تأتي بسلع متنوعة للكبار والصغار ولمختلف الأعمار، بالإضافة إلى التجهيزات المنزلية والتجهيزات الإلكترونية.

«أفضل شراء كل ما أحتاجه من ملابس أو تجهيزات منزلية من هذا السوق، نظرا لعدة أسباب أبرزها الأسعار المناسبة لقدرتي الشرائية والتي تكون في غالب الأحيان أقل من نظيرتها في أسواق تجارية أخرى، وأيضا خاصية التفاوض حول أثمنة بعض المنتجات بين الزبون والبائع الشيء الذي زاد من جاذبيته بالنسبة إلي»، يقول رجل في عقده الرابع من العمر.

وعلى الرغم من عودة الحياة إلى الأسواق الشعبية من خلال أعداد المواطنين الذين يتوافدون خلال هذه الأيام، إلا أنها مازالت تحتاج لوقت مناسب للأسر البسيطة، نظرا للقدرة الشرائية المرتبطة بالجانب المادي لمعظم الأسر المتضررة من الجائحة.

«السائل عن الثمن أكثر من المشتري» جملة تلفظ بها أحد الباعة (صاحب فراشة لبيع الملابس)، مؤكدا أن حركة البيع بالنسبة إليهم خلال الأسبوع الأول من عودتهم مازالت على الرغم من عدد الزبناء المتوافدين، لم تصل للرواج الذي كان يشهده السوق، وذلك راجع إلى الظرفية الراهنة بسبب جائحة كورونا التي انقطع فيها أرباب الأسر المشتغلين بالقطاع غير المهيكل عن العمل، مؤكدا أنه واحد من بين المتضررين.

السلطات بعين المكان

في ظل الحركة التي بدأت تعود بشكل تدريجي، مقارنة مع الأيام القليلة الماضية، ولكي تكون الأمور على أحسن ما يرام، تعمل السلطات المحلية بالمنطقة على تنظيم التنقلات وتجنب التجمعات أو التكدسات التي لا طائل من ورائها.

وقد عاينت الجريدة مراقبة رجال السلطة لمدى احترام التدابير الاحترازية والوقائية من قبل التجار، وهي عملية تبدأ منذ الصباح الباكر خاصة يوم الأربعاء والسبت اللذين يشهدان توافد عددا أكبر من الزبناء.

حتى لا يكون السوق مصدرا لبؤرة وبائية

هي حياة جديدة لم يسبق لسوق «كراج علال» أن شهد نظيرها، فعلاوة على هاجس العودة وتجاوز الضرر الاقتصادي، الذي ذاقه التجار بسبب إقفال المحلات ولزوم بيوتهم، هناك هاجس وقائي مهم لابد من اتباعه والالتزام به وهو ما أعرب عنه جل المستجوبين، سواء كانوا مستخدمين أو أرباب محلات.

وعلى اعتبار أن معركة جائحة كورونا بالمغرب لم تنته بعد، أكد ممثل إحدى الجمعيات في تصريح لجريدة «الأحداث المغربية» أن عملهم على تنفيذ التدابير الوقائية والاحترازية ضرورة ملحة وليس اختياريا، لكي لا يكون السوق مصدرا لبؤرة وبائية، الأمر الذي تطلب منهم تظافر الجهود بين جميع التجار دون استثناء.

وقد عقدت الجمعيات المهنية الأكثر تمثيلية لتجار ومهني الملابس بجميع أصنافها بمنطقة الفداء مرس السلطان على إثر البيان المشترك بين وزارة الصحة ووزارة الداخلية، اجتماعا مع ممثلي السلطة المحلية بالمنطقة، تم استحضار نقاط تهم الحالة الوبائية الحالية للمغرب ومقارنتها مع الحالة الوبائية التي كان عليها لحظة فرض تطبيق الحجر الصحي.

وقبل استئناف أنشطتهم التجارية، أخذ تجار سوق «كراج علال» مرحلة تحضيرية مدتها يومين، قاموا من خلالها بتجهيز محلاتهم التجارية بالتدابير والوسائل الوقائية.
وتم إلزامهم باحترام الملك العمومي، وإقفال المحلات التجارية بالمركب التجاري لكراج علال على الساعة السادسة مساء، وإقفالها بـ«القيساريات» التي تبيع بالتقسيط بمنطقة الحفاري على الساعة السابعة مساء.

كما تم الاتفاق على أن يكون يوم الأحد «يوم عطلة» أسبوعية للمحلات التجارية بالمركب التجاري كراج علال، ويوم الجمعة بالنسبة لـ«قيساريات» الحفاري. وأكد التجار على ضرورة التحلي بروح المسؤولية والمواطنة واحترام التدابير الاحترازية واستحضار أن المغرب لازال يحارب وباء كورونا.

تعليقات الزوّار (0)