مغربي وأفتخر : بين عالمنا الأمريكي وبين وزرائنا الإسرائيليين !

بقلم: المختار لغزيوي

AHDATH.INFO

بقلم: المختار لغزيوي

إفْتَخَرَ مغاربة كثر منذ أيام بتعيين ترامب للعالم ذي الأصل المغربي، منصف السلاوي، رئيسا للجنة مكلفة بالعثور على لقاح لكورونا في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.

وابتهج مغاربة آخرن، كثر أو قلائل، بتعيين بنيامين نتنياهو لعشرة وزراء من أصل مغربي في حكومته الجديدة التي تشكلت بعد عناء شديد، وبعد صراع ضاري بينه وبين بيني غانتر زعيم كحول لفان، « أزرق أبيض » الإسرائيلي.

في لحظة افتخار المغاربة الأولى بالسلاوي، كان الإجماع سائدا أن العالم ذا الأصل المغربي يستحق الافتخار به لأنه يريد العثور على شيء مفيد للإنسانية. وفي لحظة الافتخار الثانية كان الشعور مشوبا ببعض من الحذر وعدم الاتفاق، لأن الأمر يتعلق بحكومة دولة لازالت تعتدي على الحق المشروع للشعب الفلسطيني في الحياة العادلة السلمية على جزء من تلك الأرض المقدسة التي ظلت محور صراع طويل منذ قديم الزمان..

مغربي وأفتخر…أصل الحكاية…!

وجب القول هنا قبل التفصيل في الكلام إن افتخار المغاربة، بعالمهم أو بوزرائهم أو بفنانيهم أو رياضييهم أو مشاهيرهم الذين يرون أنهم أبناء هاته التربة ونجحوا في الميدان الذي ينشطون فيه، حتى وإن غابوا عن المغرب وحملوا جنسيات دول أخرى هو افتخار مشروع جدا.

لايمكنك أن تمارس الحجر أو الوصاية على عاطفة مثل هاته: أن يحس إبن مكناس بنوع من الاعتزاز لأن آرييه درعي وزير داخلية إسرائيل لازال يتحدث بكل شجن الكون عن الميعارة في الملاح الجديد بالعاصمة الإسماعيلية، أو أن تمنع إبن بجعد من شعور مماثل وهو يرى عيني عمير بيريتس تشرقان  بالدمع كل مرة تحدث فيها عن طفولته في مدينة سيدي بوعبيد الشرقي. هذه مشاعر لايمكن للسياسة - مهما وقع - أن تغتالها فينا. ولا يمكننا بزرة بسيطة أن نقول إن من يحس هاته الأحاسيس مطبع لعين، ومتصهين منتهك لحقوق الشعب الفلسطيني، وإنسان حقير اختار إسرائيل على حساب القضية الفلسينية وبقية الشعارات التي أضاع عدم التصديق الفعلي بها والاكتفاء بترديدها لفظيا المسكينة فلسطين.

الحكاية إنسانيا وعاطفيا لا تستقيم، ولا تستجيب لأهواء السياسة تلك التي تجعلك تختار بشكل قاطع وقطعي هذا الجانب أو ذاك.

في حكاية الأصل والانتماء والعاطفة وعلاقات الصغر وعلاقات الصداقة أو القرابة أو الدم، الأمر أكثر تعقيدا مع أن هذا الكلام لن يروق للجموع وسيثير شهيتها لترديد الشعارات لكن لابأس. نحن « طبعنا » مع الشتائم والسباب في سبيل حقنا في قول رأينا مهما كلفنا ذلك من أثمنة ومن أسعار ومن سُعار.

إسرائيل والسياسة ونحن !

لننتحدث سياسيا الآن عن الموضوع، ولنعترف قبلا أن الساحة السياسية الإسرائيلية داخل المنطقة هي ساحة غنية جدا وساحة حيوية جدا وفيها « بالعربية تاعرابت » حياة سياسية حقيقية لا توجد في البلدان والدول المحيطة بإسرائيل كلها. لذلك لابأس من الاهتمام بها وبتطوراتها، خصوصا وأنها تنعكس على القضية الثانية لدى الشعب المغربي بعد قضية وحدتنا الترابية أي القضية الفلسطينية، وخصوصا أيضا وأن الرافد المغربي حاضر فيها بقوة تسهل معاينتها لكل متتبع سواء كان مبتدئا يريد أن يحشر أنفه في هذا الموضوع، أم  كان قديم الصلة والاتصال به ذا خبرة في المجال.

تعيين وزراء من أصل مغربي، أو تعيين وزراء مغاربة لازالوا يحتفظون بجنسيتهم المغربية في حكومة نتيناهو /غانتز الحالية ليس مقلبا موجها ضد المغرب، بل هو العكس من ذلك، وهو تراجع من نتنياهو عن موقفه الأول. المقلب الحقيقي الذي كان « بيبي » أو نتنياهو يريد توريط بلادنا فيه، هو مقلب الصفقة الشهيرة إياها، أما اليوم ففي حكومة نتنياهو وزراء لم يكن يرغب في رؤيتهم معه، وسبب وجودهم أساسا هو بيني غانتز، وضرورة التحالف معه التي فرضت على بنيامين نتنياهو لتفادي تكرار الانتخابات في إسرائيل إلى يوم القيامة، دون أن يفوز أي حزب بالأغلبية المريحة التي ستتيح له قيادة الحكومة لوحده. ولعل المثال الأفضل هو مثال وزير مثل عمير بيريتس، وهو مغربي الأصل أيضا، والذي خرج من قلب الحكومة المكونة حديثا التي يشغل فيها منصب وزير الاقتصاد لكي يقول إنه يعارض الضم الأحادي لأجزاء من الضفة الغربية، ولكي يقول إن الحوار مع السلطة الفلسطينية هو الحل، ولكي يقول إن حل الدولتين وحده قد يجلب السلام إلى المكان هناك.

المغرب: القصة قديمة جدا !

موقف المملكة المغربية - قبل المقلب/الصفقة وبعده- وقبل كل التطورات الحالية والقديمة والمستقبلية كان كالعادة متماسكا، حكيما مترويا غير عابئ بنزق البعض الأول، وبتسرع البعض الثاني وبتطرف البعض الثالث، وببقية المواقف الأخرى…

هذا هو المغرب، لا يشبه من عداه ولا ماعداه. تلك خاصية في الديبلوماسية المغربية منذ القديم شكلت حكمتها وتميزها عن الآخرين كل الآخرين، والسبب الوحيد والواضح والمباشر هو أنها ديبلوماسية تقودها الحكمة الملكية، ويقودها تروي وهدوء لا يتوفر في تعامل بلدان أخرى مع هذا الموضوع الساخن جدا المسمى القضية الفلسطينية.

في زمن آخر، ربما لن يتذكره الطارئون، فتح الحسن الثاني رحمه الله أبواب قصره في يفرن المغربية لشمعون بيريز رحمه الله هو أيضا (لأن الرحمة وحدها تجوز على الموتى وفي أحايين أخرى  يحتاجها كثير من الأحياء الذين لا يعرفون معناها).

انخرط العالم  العربي حينها في حمى الشعارات التي يتقنها لوحدها، وقدم القذافي رحمه الله هو أيضا اسكيتشاته المحزنة، وهو يرتدي القفاز الأبيض في قمة الجزائر ويقسم أنه لن يصافح ملك المغرب بعد اليوم، وقدم ياسر عرفات رحمه الله مرة أخرى دروسا للمغرب محاها تماما، واعتذر عنها بشدة، بعد أن تقدم به الوقت والحكمة والزمن واكتشف أن المغرب دون بقية الدول العربية من أكثر المدافعين صدقا عن فلسطين، ومن أكثر المنافحين فعلا عن حقوق الشعب الفلسطيني ومن أكثر المؤمنين بعدالة قضية هذا الشعب.

المغرب لا يقول علنا مايمارس ضده سرا. والمغرب بعيد كل البعد جغرافيا عن تلك المنطقة الملتهبة لكنه مرتبط بها وجدانيا وعاطفيا وإنسانيا أكثر في أحايين عديدة من المحيطين المباشرين بها. والمغرب لديه باب يسمى باب المغاربة في القدس، هذه حقيقة تاريخية لا نقاش حولها، لكن المغرب لديه هناك مغاربة حقيقيون من دم ولحم وانتماء يحملون جنسية البلد الذي هاجروا إليه المسمى إسرائيل، وهذه أىضا حقيقة تاريخية لا نقاش حولها، ولا ينفع تجاهلها لكي نوهم أنفسنا أنها غير موجودة أو أنها غير مهمة في المعادلة ككل.

لهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة تتوفر للمغرب مقاربة خاصة من نوعها لذلك الصراع، تجعله المؤهل أكثر من غيره لقيادة أي رغبة في الالتقاء أو على الأقل في النقص من مساحات الابتعاد.

العرب وإسرائيل...مشكلة طال عمرك !

الدول العربية الأخرى لها حسابات خاصة جدا من نوعها. من بينها من يمن اليوم على الفلسطينيين أنه أعطاهم مالا كثيرا ولكنهم لا يحبونه مع ذلك. ومنها من يتصدق على الفلسطينين اليوم علنا ويفسد صدقاته بالمن والسلوى وهو يقول عبر تلفزيوناته وعبر أًوات المؤلفة جيوبهم من أتباعه، إنه تكلف برواتب غزة وأنه يمنح المعونات للضفة. ومنهم من اكتشف على كبر أنه من الممكن التقرب من أمريكا القوية بتقديم بعض الخدمات لإسرائيل، ومنهم نماذج أخرى لاداعي للحديث عنها، لأنها بكل اختصار لاتستحق إضاعة لا وقت ولا كلام ولا جهد في هذا الحديث…

المغرب لديه مقاربة قديمة للموضوع، جعلت ملكه محمد الخامس رحمه الله يستقبل اليهود الهاربين من أوربا، مثلما استقبل المغرب قديما اليهود أثناء هروبهم من الأندلس عقب التنكيل بهم من طرف ملوك مسيحيين، لذلك لايصح أن نقول إن درس الهولوكوست أو الشواه لا يعنينا في المغرب، لأن هذا الدرس المؤلم والأليم يهم الإنسانية كلها، ولايصح أيضا أن نقلد المتطرفين من الجانبين وأن نعتبر الصراع في أرض فلسطين صراعا دينيا أو وجوديا.

الدين بريء من هذا الصراع، لأن الاقتتال الدائر هناك هو صراع سياسي بين طرفين أحدهما يقول بناء على  قراءته الخاصة به للتوراة إنه صاحب أرض الميعاد، وأن الأغيار أو « الغوييم » أو غير اليهود يجب أن يموتوا، والثاني يقول بناء على  قراءته الخاصة به للقرآن أنه صاحب تلك الأرض التي هي مسرى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وأنه يجب أن يلقي باليهود كل اليهود في البحر، لا بل إنه يتوعدهم بأن الحجر سيشي بهم في آخر أيام هذا الكوكب المسكين، وسيقول للمسلم « هذا يهودي ورائي فاقتله ».

القراءتان معا لاتعنيان الدين الحق. هما قراءتان فقط، يمكن أن نبحث بينهما عن قراءة ثالثة للمعتقد الديني تسبق المصلحة على المفسدة، وتسبق العقل على الحمق وتسبق الفعل الباحث عن السلام على الشعارات الفارغة التي تصلح لتسيير المظاهرات المضحكة لا أقل ولا أكثر .

المغرب…أرض الحوار الدائمة !

في هذا الصدد لابلد يبدو مؤهلا أكثر من المغرب لقيادة حوار حقيقي بين الطرفين هناك لما فيه مصلحة الطرفين هناك، ولوجه مصلحة الطرفين هناك. ولابلد يبدو مؤهلا أكثر من المغرب لاستبعاده من لعبة التخندق الدائرة حاليا في المنطقة، لأنه رفضها ويرفضها وسيرفضها وسيواصل البقاء على نفس المسافة من كل الفرقاء هناك، وفق احترام تام للعلاقة معهم، ووفق رفض مبدئي منه لأي تدخل في شؤونه الخاصة منهم سواء كان تدخلا كبيرا أو صغيرا.

نعود الآن إلى حكاية الافتخار بأبناء المغرب الذين صاروا وزراء في إسرائيل، وحكاية الافتخار بالعالم السلاوي لأنه صار مستشارا لترامب في أمريكا.

القائل بأن الافتخار بجنسية إسرائيل عيب والافتخار بجنسية أمريكا « كيوت » وجيد، ينسى أن المظاهرات المضحكة في شوارعنا تعلمنا أول ماتعلمنا أن أمريكا هي عدوة الشعوب وأننا تعبنا من الحروب، وأن إسرائيل مجرد صنيعة لهاته الأمريكا، وأن الرجل الذي عين السلاوي مستشارا له يسمى دونالد ترامب وهو من نقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس، وهو ليس رجلا متعاطفا كثيرا مع الفلسطينيين لئلا نقول أكثر. وبالتالي إذا بحثنا عن قليل انسجام في كل هذا الهراء سنجد أنفسنا ملزمين أيضا بإدانة حمل الجنسية الأمريكية، وسندخل متاهات المتطرفين الذين لا يشغلون عقولهم إلا قليلا.

الأفضل هو أن نقنع أنفسنا قسرا - وهذه مهمة صعبة وشاقة نعرف ذلك - بأن من حق أي منا أن يختار ضفته، أن يعلل الاختيار هذا، وأن نناقشه معه ووفقه، وأن نتوقف قليلا عن شتم أول مخالف لنا في الرأي أو المعتقد أو الموقف السياسي أو الديني أو الجنسي أو العرقي

الشتائم لا تحل الإشكال أيها الغاضبون الأبديون دون فائدة.

القليل من الاستماع لبعضنا البعض قد يكون الحل الأمثل. أما الأصل الأول فينا فثابت لا يقبل إزالة أو محوا أو تزويرا، بغض النظر عن كل الانتقالات التي تمسه على مدار الحياة. وقدر المغربي بالتحديد هو أن جنسيته وأصله الأول يظلان ملاحقان له، حتى انتهاء كل الأيام، سواء ذهب إلى إسرائيل أو إلى أمريكا أو إلى الصين أو إلى أي مكان من الأرض التي خلقها رب العالمين…

تعليقات الزوّار (0)