دافقير يكتب: نحن الشعب!!

يونس دافقير

AHDATH.INFO

غضب منا الكثيرون يوم كتبنا عن مسيرة العدل والإحسان السنة الماضية بالرباط أن العدلويون وحدهم من حضر فيها بينما غاب عنها المواطنون. لم يتوقف هؤلاء عند جوهر الملاحظة، بل ذهبوا إلى حواشيها ليتساءلوا عما إن كنا قد أسقطنا عن أعضاء الجماعة صفة المواطنة.

ولم تكن هذه هي الفكرة، كان المقصود هو نفس ما سجلناه على مسيرة «تقهرنا» التي نظمتها فيدرالية اليسار والنهج الديمقراطي، والإطارات النقابية والجمعوية المتحالفة معها، وقد قلنا حينها: مسيرة الدار البيضاء.. حضر المناضلون وغاب الشعب.

والملاحظتان معا تنطبقان على كثير من حالات التظاهر باسم الشعب، ومنها المسيرة التي دعا إليها حزب العدالة والتنمية مؤخرا لرفض «صفقة القرن» والتنديد بتطبيع مفترض، ومرة أخرى حضر النشطاء وغاب الشعب.

شخصيا، اخترت تتبع هذه المسارات الثلاثة، لأنها تقدم نموذجا مثاليا لقوى سياسية تريد أن تحتكر الحديث باسم الشعب أو تمثيله، وعلى الأقل تريد أن تقول إنها الأكثر شعبية والأكثر قدرة على حشد الناس في الشوارع، لكن هذا الشعب يصر في كل مرة على توضيح موقفه.

وموقف هذا الشعب، هو أن ما يجري تداوله باسمه، قد يكون تعبيرا عن همومه وقضاياه، لكنه غير مقتنع بمن يصدر عنهم ذلك، أو على الأقل، هو غير متحمس لما قد يضيفه هؤلاء لواقع هو يعرف تفاصيله جيدا دون الحاجة إلى التنقيب عنها في خطاب الأصولية الدينية أو الراديكالية اليسارية.

يجمع بين هذه النزعات الثلاث، بشكل يقربها من النموذج الشعبوي، ذاك التقديس المبالغ فيه للشعب، بل واحتكار الحديث باسمه، وكأنهم يقولون على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إحدى خطبه: «نحن الشعب. من أنتم؟». ولذلك سبق لـ«جان فيرنر مولر»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، أن استنتج أن «أهم ما في الشعبوية هو عداؤها للتعددية وزعمها أنها هي وحدها تمثل الشعب الحقيقي».

وقد كان للسعي نحو احتكار تمثيلية الشعب والحديث باسمه نتائج مأساوية على مسارات بعض الزعماء السياسيين كما في حالة عبد الإله بن كيران، وقد أبدع مناصروه لذلك مصطلح «التفويض الشعبي»، وزاد عليه من عنده أن «مول البلاد عطاني السوارت»، قبل أن يكتشف في نهاية المطاف أن هذا الشعب لا يمنح تفويضا مطلقا، مثلما أن البلاد لا تعطي مفاتيحها لأحد.

لقد كانت مسيرة الدار البيضاء تجربة قاسية ليسار راديكالي طموح، منذ سنوات ابتعد عن العدل والإحسان، وقبل ذلك وضع كل ثقله السياسي والتاريخي في حركة 20 فبراير، فقاطع من أجلها الدستور والانتخابات، لكنه وحين عاد إلى صناديق الاقتراع لم يجد ذلك الشعب، الذي غامر لأجله سياسيا، في استقباله بملايين الأصوات.

وهذا الشعب نفسه، هو الذي استمع لقادة فيدرالية اليسار وهم يتحدثون عن غلاء المعيشة، والحاجة للحرية والكرامة، وهو الشعب نفسه الذي سمع الفيدرالية تدعم احتجاجات الحسيمة وجرادة والأساتذة المتدربين، وتتبنى كل بؤر التوتر الاجتماعي، وتردد «كلنا الزفزافي»، لكن مسيرة اجتماعية رفعت شعارات هذا الشعب لم تستطع أن تستقطب ولو مائة فرد من الشعب.

وحتى البيجيدي صاحب «التفويض» الشعبي لم يحصل في انتخابات 2016 إلا على قرابة ثلاثة ملايين صوت من أصل 16 مليون ناخب مسجل في اللوائح الانتخابية، ومن أصل ما يزيد عن عشرين مليون مواطن يمتلك حق التصويت، أما العدل والإحسان فلا تظهر قوتها التنظيمية إلا في الاحتجاجات الفئوية النفعية، كما في حالة الأساتذة المتعاقدين مثلا أو في كليات الطب، أما في حالة التظاهرات المفتوحة، فتعود إلى حجمها الطبيعي كأقلية وسط شعب مستنكف عن الجميع.

تسير عبارات مثل «عاش الشعب» لأن تكون مجرد بوليميك سياسي وتعبير عن جبن فكري يخشى التعبير المباشر عن الشق الثاني من الشعار، وهي لا تصلح لأن تكون مقياسا للفرز التنظيمي الشعبي بين الأحزاب الجماهيرية وأحزاب الأطر أو الإدارة حتى، إن «الشعب» هو مجرد شعار افتراضي، أما الشعب الواقعي، فلديه انشغالات أخرى، ومنها أن يترك اليساريون يتظاهرون في البيضاء باسمه، بينما يقضي يوم عطلته الأسبوعية في الشاطئ أو الحمام أو السينما، أو ملازما سريره لا غير.

أعتقد أن من تابع أحداث الحسيمة وجرادة وغيرها من حالات الانفلات الاجتماعي في الشارع، سيأمل لو نزل الآلاف إلى مسيرة اليساريين، وانخرط مثلهم في تظاهرات العدالة والتنمية، بل وحتى العدل والإحسان، فعلى الأقل سنكون حينها أمام تأطير سياسي مهما تكن درجات اعتداله أو تشدده وحساباته الحزبية الخاصة، لكنه على الأقل تأطير مسؤول ومنظم، يوجه الشارع ويرشده، ولا يدعه يتيه وسط انفعالات غضبه.

ومؤخرا شاركت في نقاش حول التحالفات الحزبية المرتقبة سنة 2021، كان موقفي هو أن المهم بالنسبة لي ليس من سيتحالف مع من، ولا من سيفوز، الأهم في اللحظة السياسية هو كم عدد الذين ماتزال لديهم القناعة للذهاب إلى صناديق الاقتراع.

لقد صارت للشعب دوائره الانتخابية وشوارعه الاحتجاجية في الفيسبوك، وليس في صفوف الأحزاب والنقابات، والخطير في نظري هو أن يهجر الشعب صناديق الاقترع ويهجر التظاهرات المؤطرة، ويظل يراكم غضبه إلى أن يفجره بشكل لا هو بالمتوقع ولا الممكن التحكم فيه.

وذلك تحد يواجه الدولة، والسياسيين سواء كانوا في البرلمان والحكومة أو خارجهما. ذلك هو التحدي حقا.

تعليقات الزوّار (0)