هوليغانز!

متابعة

AHDATH.INFO
كل حديث عن شغب الملاعب هو كلام مكرور إذا ما توقف عند منطق الاستنكار والتنديد و«التولويل» كعجوز تنوح ندوب الزمن كلما تقدمت بها السنون.
وكل حديث غاضب ناجم عن مشاهدات مقاطع العنف كتلك التي عرفها، مثلا، محيط ملعب مولاي عبد الله بالرباط بعد مباراة فريقي الجيش الملكي والرجاء البيضاوي، سيكون مجرد رد فعل ليس إلا.
وكل حديث عن العنف من وجهة نظر مشجع شغوف بفريقه لن يكون سوى دفاع عن جماهير الفريق وإلقاء بالمسؤولية على مشجعي الخصم.

كل ظاهرة اجتماعية إلا ولها تفسيرات وأصول يعود إليها الباحثون في العلوم الاجتماعية لفهمها أولا من خلال تحديد أطراف هذه الظاهرة وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية، ثم البحث في سلوك مختلف الفاعلين ومدى تأثرهم بالمحيط الذي يعيشون فيه وانعكاس سلوكهم على المجتمع، لينتهي إلى تحديد الأسباب المباشرة ويحيط بنتائجها.
ويقف دورهم عند هذا الحد ليفتح المجال للسياسي، باعتباره المسؤول عن تدبير الشأن العام، كي يبحث عن حلول للمشكلات والآثار السلبية التي تنتجها الظاهرة الاجتماعية، في سبيل حماية المجتمع منها.

هذا التقديم النظري ضروري لفهم السياق العام للحديث عن ظاهرة الشغب في الملاعب، بدون خلفيات سياسية أو إيديولوجية أو عاطفية مرتبطة بحب هذا الفريق أو ذاك، ذلك لأن مثل هذا النقاش في حد ذاته يعرف ردودا عنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تزيد من صب الزيت على النار.

اتفق عدد من السوسيولوجيين الذين درسوا الظاهرة على أن شغب الملاعب هو نتيجة لعدة عوامل اجتماعية تتحد كلها تحت مسمى ضعف التماسك الاجتماعي الناجم عن نشوء هوة بين فئة من الشباب وقيم المجتمع الذي تعيش فيها، وقد يشجع غض المجتمع الطرف عن بعض الممارسات أيضا على الجنوح إلى العنف، الشيء الذي يخلق «شبه» قيم غير متجانسة مع تلك السائدة يغيب فيها التسامح ويظهر الحقد كتعبير عن الذات ليغلف مواقف هؤلاء الشباب.

انفجار كل التناقضات والسلبيات المجتمعية التي تعتمل داخل نفوس الشباب، لا يلزمها سوى فتيل يندلع بمدرجات الملاعب أو بمحيطها، تماما كما يشعل الشبان المتحمسون لتشجيع فريقهم «الفيمجان» أو الدخان الملون الذي يعبر عن هوية الفريق سواء بالأحمر أو الأخضر أو الأسود أو لون آخر.
المواجهات بين الجماهير قد يكون محركها هو الانتقام، ويزيد من حجم كرة الحقد التراشق بالسب والتحريض الذي يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد الانتقام يأتي إثبات الذات وقوة الجمهور في منطقته أو في منطقة الخصم، ومثل هذه الاصطدامات لا علاقة لها ببعض المظاهر الأخرى مثل الشعارات المنظمة والمهيأة مسبقا، والتي تكون تعبيرا واعيا أو غير واعي عن قضية اجتماعية أو سياسية.

لكن، هناك عوامل أخرى خارجية تزيد من حدة التوتر والاحتقان، الذي يكون في بعض الأحيان ناتجا عن سوء في التنظيم ونقص في الإمكانيات البشرية وقلة خبرتها، وعجز عن التدبير المحكم لتحرك الجماهير وضبط تنقلها، وقد يكون مخططا له من قبل أطراف لها علاقة بهذا الفريق أو ذاك لفرض سطوتها على التسيير مثلا، أو تحرك جانح يكون هدفه هو خلق الفوضى لفسح المجال أمام السرقة والسطو، وهي حالات نادرة.

الظاهرة التي اشتهرت في أوروبا باسم الهوليغانز ليست حكرا على مجتمع دون آخر وإن ظهرت في أزمنة متفاوتة، لكن المجتمعات الأوروبية لاسيما في إنجلترا وجدت حلولا مناسبة للحد من الآثار السلبية لهذه الظاهرة، وكان من المفروض أن نستفيد مما انتهى إليه الناس هناك لا أن نبدأ من البدء ونتكبد كل هذه الخسائر ونراكم الحقد في النفوس.

لقد كان سلاح المنع من اللعب من أقوى الأسلحة التي تم استعمالها في أوروبا، ونذكر هنا منع الاتحاد الأوروبي الفرق الإنجليزية من المشاركة في البطولات الأوروبية لكرة القدم لمدة خمس سنوات. وكان السبب المباشر لهذا القرار هو مصرع 32 مشجعا إيطاليا من جمهور اليوفي سنة 1985 تحت أنقاض جدار قبل انطلاق مباراة نهائي العصبة التي جمعت الفريق بليفيربول. والحقيقة، فإن الجدار لم يكن هو الذي قتل المشجعين، بل الشغب.
قبل أن يحوم الموت بالملعب هاجم «المدمرون» من مشجعي الفريق الإنجليزي جمهور اليوفي واعتدوا عليهم وطاردوهم. ففر المشجعون الإيطاليون مذعورين ليلقوا مصرعهم إثر انهيار الجدار الذي خلف أيضا مئات المصابين.

هي واحدة من قصص الهوليغانز الكثيرة التي خلفت قتلى ومصابين وعاهات في صفوف الجماهير الأوروبية.
العديد من الإجراءات الأمنية والزجرية والقانونية والإدارية والتربوية والوقائية بما في ذلك مرافقة الجماهير ومنع المشاغبين من ارتياد الملاعب، تم اتخاذها منذ ذلك الحين للقضاء على ظاهرة الهوليغانز، بمساهمة الجميع (المسؤولون والمنتخبون والأمنيون والنوادي الرياضية والمجتمع المدني أيضا)...

ما جرى، يوم الأربعاء، من شغب في مباراة الجيش والرجاء هو بسالة وقلة الترابي قبل أن يكون إجراما.
في هذه الحالة لنبدأ البداية الصحيحة. ونجرب منع الفرق التي تتمادى جماهيرها في الشغب من اللعب.

تعليقات الزوّار (0)